القائمة الرئيسية

الصفحات

السودان: عبدالحفيظ عثمان الشريف يكتب: تجليات وذكريات ود الشريف في رحاب الزعيم الهندي الشريف «6»

 




الأخوة الاعزاء الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واسعد الله أوقاتكم بالخير والمسرات نواصل معا ذكرياتنا والتي أرجو أن تكون سامية وجميلة في سيرة الزعيم الحبيب الشريف حسين الهندي طيب الله ثراه وجعل مثواه في جنات النعيم فهلموا بنا إلى (الحلقة السادسة – موسم الهجرة إلى ليبيا).
قبل أن أواصل السرد أجيب على تساؤل الأخ محمود السر عن الجبهة الوطنية متى تكونت وممن تكونت فأقول مستعيناً بالله بأن الجبهة قد تكونت في أوائل السبعينات عقب أحداث الجزيرة أبا واستشهاد الأمام الهادي المهدي والغرض منها مناهضة النظام العسكري الفاشي بعد أن أظهر وجهه القبيح للعالم فكان لا بد من محاربته بنفس السلاح وقد تكونت الجبهة من كل الأحزاب التي كانت مشاركة في الحكومة الديمقراطية برئاسة الزعيم اسماعيل الأزهري والذي توفي في السجن بعد بضعة أشهر من اعتقاله من قبل نظام مايو العسكري وهو من رفع علم السودان عالياً خفاقاً بين الأمم في يوم استقلاله من بريطانيا، وأهم مكونات الجبهة هي الحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة الشريف حسين الهندي وحزب الأمة بقيادة الصادق المهدي والجبهة الاسلامية بقيادة د. حسن الترابي وقد استقرت الجبهة فترة قصيرة بالقاهرة قبل أن يقوم نظام السادات بإيعاز من نميري بطلبه منهم مغادرة القاهرة وقد توزعت المعارضة بين جدة ولندن وطرابلس وبعضهم ذهب إلى أثينا. ونعود إلى رحلتنا الميمونة إلى الديار الليبية، فعند وصولي القاهرة في مقدمة الركب تواصل وصول الشباب على دفعات كما هو متفق عليه وكنت أقوم باستقبالهم واسكانهم في الفنادق وأكثر فندق كان به عدد كبير من الأخوة وشخصي معهم هو فندق (اكستادي) الجديد في شارع ستة وعشرين يوليو ومن أهم من رافقنا في رحلتنا هذه العم والزعيم المحبوب ابراهيم الفضل وكان قد أعتقل بعد حركة محمد نور سعد وتعرض لأشد صنوف العذاب من قبل الأمن القومي مما أثر على حركة يديه وطلب منه الشريف الحضور إليه لمتابعة علاجه. لقد كان العم ابراهيم فاكهة الرحلة لما حباه الله من روح مرحة ومجاهداته الحزبية وما تعرض له من مواقف كثيرة وقد كان لنا متسع من الوقت ليقص علينا هذه المواقف بالتفصيل حقيقة لقد كان لنا نعم الرفيق والمعين في رحلنا إلى ليبيا وفي القاهرة حضر لنا في الفندق العم محجوب الماحي وهو من أقطاب الاتحاديين (عم زوجتي لاحقاً بالمناسبة) فقد كان زميلاً للعم ابراهيم الفضل في المعتقل فحضر للسلام عليه وقدم لنا دعوة في منزل أبنته وقد كان زوجها الأخ خالد مهدي عليه رحمة الله مدير الخطوط السودانية بالقاهرة.
أعود وأجيب على سؤال الحبيب محمود السر أبو أحمد عن الموجودين في ليبيا في تلك الفترة من جماعة الجبهة الاسلامية وخاصة مهدي ابراهيم فأقول مستعينا بالله أن الفترة التي أؤرخ لها والتي كنت جزءً منها هي في آخر عام 1978م بعد المصالحة الوطنية والتي أنفرد بعدها الشريف حسين بمعارضة النظام لرفضه المصالحة بالصورة التي تمت بها وقد بينت في حلقة سابقة شروطه للمصالحة، أما وجود المعارضة في ليبيا قبل المصالحة فقد كانت من جميع الأحزاب المشاركة في الحكومة الديمقراطية قبل إنقلاب نميري وفي كلا الحالتين كان للشريف حسين القدح المعلى في القيادة وهو الكل في الكل بحنكته وذكائه المعروف وقد حكى لي بعض الأخوة ممن عاصر تلك الفترة بأن أحد الشباب الاتحاديين من الحوش وقد كان يعمل سائقاً في إحدى الحافلات التي وفرتها الحكومة الليبية في مقر سكن المعارضة وقد طلب منه عثمان خالد مضوي وهو من قيادات الجبهة وقتئذ طلب منه بطريقة غير لائقة أن يقله إلى مشوار خاص فرد عليه الشاب المذكور رداً عنيفاً بالرفض وكاد يفتك به لولا تدخل الخيرين، حينها ذهب عثمان خالد للشريف حسين وشكى له من هذا الشاب فما كان للشريف إلا أن استدعى الشاب أمام عثمان خالد وقال له: (يا فلان مالك مع أخوك عثمان) فقص عليه الشاب ما حصل فما كان من الشريف بحكمته إلا أن قال له بأن عثمان قد جاء إلى وطلب مني أن يعتذر منك عما قاله لك ويطلب منك المسامحة وأنا أطلب منك أن تسامحه فما كان من ذلك الشاب إلا أن توجه إلى عثمان خالد وتعانقا وتسامحا هذا كله ببركة وحنكة الشريف حسين والشيء بالشيء يذكر فعثمان خالد مضوي صديق لعمنا بشير خلف الله إضافة إلى انتمائهم المشترك لحزب الجبهة الاسلامية وقد كان المركز الإنتخابي لعثمان خالد في العام 1986م في ديوان العم الحاج البلول صهر عمنا بشير في بري وبهذه المناسبة وقبل أن تختلط الأوراق أتذكر حادثة طريفة حصلت لي مع العم بشير خلف الله بعد فشل محاولة محمد نور سعد ركز الشريف حسين على محاربة النظام إعلامياُ فتحالف مع حزب البعث العربي الاشتراكي في بغداد واشترى مجلة الدستور وهي مجلة سياسية عريقة تصدر من بيروت وقد جعل محمد عبدالجواد عليه رحمة الله رئيساً للتحرير وقد صدر عنها مقالاً كتبه الشريف بنفسه وعصر فيه كل خبرته وغزارة معلوماته فقد كان مقالاً للتاريخ وسماه الملف الأسود فيه تعرية كاملة لنظام نميري وبيان لكل البلاوي التي جلبها للسودان سياسياً واقتصادياً وإجتماعياً بالأرقام والبراهين وتم إدخال هذا العدد إلى السودان رغماً عن الطوق الأمني المضروب وقد كان البطل الجسور الذي أدخل هذا العدد هو النور محجوب الماحي (عديلي حالياً) ابن القطب الإتحادي محجوب الماحي الذي كان ملازماً للشريف في مهجره وكان للنور مكتب تخليص جمركي في المطار وبمساعدة الخيرين الوطنين من شباب الجمارك استطاع أن يخرج الصندوق من المطار وقد كان في واجهته مغطى بأحذية (دكتور شول) وقد أخذ ضابط الجمارك عدداً منها لزوجته لمزيد من التمويه ثم أفرج عن الصندوق، نعود لموضوع العم بشير لأنه مرتبط بما في داخل هذا الصندوق وصلتني التوجيهات للإلتقاء بالأخ حسين القريش وكان عنده مطعم في السوق العربي فقابلته وأخبرني بأني يجب أن أحمل كرتونة كبيرة من مجلة الدستور وما تحتويه من الملف الأسود الى سنار واسلمها للأخ مكي أحمد بابكر صاحب صيدلية مكي هناك متعه الله بالصحة والعافية. المهم أتفقت مع حسين القريش أن نتقابل في مكان معين فجاءني في الموعد ويحمل في عربته الطامة الكبرى في عز سطوة نظام نميري وأمنه وركبت معه وتوجهنا إلى بري وقد جاب جميع شوارع بري وأزقتها للتمويه على الأمن لأنه غالباً يكون مراقباً ثم دلف على بيت العم بشير ونزل الكرتونة وأختفى بسرعة وأدخلت الكرتونة للبيت ولحسن الحظ لم يكن عم بشير موجوداً ولكن بمجرد دخوله البيت شاف الكرتونة مقنطرة وقال لي دي شنو الكرتونة وفيها شنو قلت ليهو وأنا جاي من مصر فيها هدايا وأغراض موديها للأهل في الدندر يا زول لم تنطل الحيلة عليهو و(الفار نقز في عبو) قام طوالي مشى على الكرتونة وفتحها وعينك ما تشوف إلا النور زولك شاف صورة نميري على غلاف المجلة وعليها صليب كبير ومكتوب بالخط العريض الملف الأسود الحاصل بعد كده والله أنا خفت على عمي بشير تحصل ليهو جلطة ولا مصيبة لا سمح الله فبعد إن كان واقفاً كرعينو ما شالنو وبرك على ركبتيه وخته يدينو في رأسو وللتاريخ والحقيقة انه لم ينس الشهادة فقد تشهد واخذ يردد لا حول ولا قوة إلا بالله باستمرار لقد كان من أحرج المواقف التي تعرضت لها في حياتي فأخذت أهدئ من روعه وقلت له من الآن وقد كانت حوالى الساعة تمانيه ليلاً وحتى طلوع الفجر إذا هجم ناس الأمن على البيت أنا أتحمل المسؤولية بما في داخل الكرتونة وأنت خارج الموضوع ولا تعرف عنها شيء وبعد صلاة الصبح أنا سوف أتوجه إلى السوق الشعبي للسفر إلى سنار و يا دار ما دخلك شر والطريف في الموضوع بعد ما هدأ عم بشير من الصدمة أخذ ثلاثة أعداد من المجلة قال عاوز يديها لأصحابه فمازحته قائلاً: ما بتخاف أمسكوك ناس الأمن.. والملف الأسود قصته طويلة من إعداده وطباعته وإدخاله للسودان وتوزيعه لكل محافظات السودان ومن المواقف التي لا تنسى ما قام به الأخ سعيد بريس الحلفاوي الشجاع وهو شقيق الموسيقار أحمد بريس في فرقة وردي فهذا البريس الجريء دخل في تحد وقال لازم يوصل هذا العدد إلى مجلس الشعب ويسلم كل عضو نسخة فما حصل أن الضابط المسؤول عن الأمن في مجلس الشعب ابن عم سعيد في ليلة إنعقاد مجلس الشعب جاء لابن عمه وطلب منه سيارته لبعض الأغراض التي تخصه ومن هناك ملأ السيارة بالمجلة وتوجه إلى مجلس الشعب وهو راكب سيارة الأمن و دخل للمجلس وهذا الموضوع تم مساءً وعندما سأله الحرس ده شنو الكتاب البتخو قدام الأعضاء قال لهم ده مشاريع مهمة سيناقشها المجلس صباحاً عند إنعقاده وهناك تعليمات من نميري شخصياً لتجهزها بالليل قبل إنعقاد المجلس .. ما تسأل عما حصل بعد ذلك فقد قام النميري بمحاسبة كل من قصر في هذا الجانب من سجن ورفد لضباط الأمن والجمارك ولكن هيهات فقد فات الأوان ووصلت المعلومة لكل أهل السودان. نعود لرحلتي الميمونة وفي معيتي الكرتونة المعلومة فربك ستر حتى وصلت للعم مكي وقد كان من أقطاب المعارضين الاتحاديين الصلبين هو والعم عبد الوهاب الشيخ والعم عبداللطيف الفادني عليهم رحمة الله ورضوانه وغيرهم كثير في سنار المهم وصلت له وأخبرته بالأمانة التي معي استلمها وشكرني وأثنى علي كثيراً وقد كان لي شرف مقابلته لاحقاً عند قدومه إلى ليبيا لمقابلة الشريف حسين في منتصف العام 79 فقد سجل لنا زيارة في معسكر الشباب العرب بطرابلس وإلى أن ألتقيكم في الحلقة القادمة أترككم في رعاية الله وحفظه.
نواصل

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات