القائمة الرئيسية

الصفحات

سـنار .. وعذابـات الأمكنـة مارس 6, 2020

 




عادل عسوم
الأمكنة يا أحباب كالأزمنة لها عذاباتها وأوجاعها…
كم للأماكن عذاباتٍ وأوجاع!
ولقد صدق الشاعر حين قال:
لك يا منازل في القلوب منازل
أقفرت أنت وهن منك أواهل
سنار المدينة، فيها اختلج الفؤاد لأول وهلة، وما أحلى اختلاجات القلب
الأولى يا أحباب… وتبقى الشخوص وذكرى المواقف مرتهنة بصور المدينة على اتساعها…
باحات الثانوي العالي التي تمددت في الوجدان بروشاً من حنين، سور نادي السكة الحديد الذي كان ولم يظل أخضر بأشجاره، ومُزهِراً بورود تضج بالألوان، عنابر مستشفى سنار التي تفوح منها رائحة البنسلين، أبراج محالج القطن التي تحط عليها طيور البقر البيضاء بصوتها الأجش، خزان مكوار الذي يلف ذراع النيل كسوار جميل، قبة الشيخ فرح ود تكتوك التي تناديك من بعيد وكأني به رحمه الله ما فتئ يقول:
ﺍﻟﻘﺎﺩﺭ ﻣﺎ ﺗﻘﺎﺩﺭﻭ
والعوير ما تهاظرو
ﻭﻣﺎ ﺗﺸﻬﺪ بي ﺍﻟﻤﺎﻙ ﺣﺎﺿﺮﻭ
ﺍﻟﻌﻨﺪﻭ ﺣﺒﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺋﺎﺳﺔ
ﻣﺎ ﺗﻜﻤﻞ ﻣﻌﺎﻫﻮ ﺍﻟﻔﺮﺍﺳﺔ
ﺗﻮضأ ﺻﺤﻴﺢ.. وﺻﻞ ﺻﺤﻴﺢ… ﻭﺇﻥ سأﻟﻮﻙ ﻗﻮﻝ ﻗﻮﻻً ﻧﺼﻴﺢ… ﻭﻣﺪ ﺇﻳﺪﻙ ﻻ ﺗﻜﻮﻥ
ﺷﺤﻴﺢ… ﺷﻮﻑ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﻘﻴﺎمة ﻛﺎﻥ ﻣﺎ ﺗﻘﻮﻡ ﻧﺼﻴﺢ
ﺍﻟﺴﻜﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻠﺐ
ﻭﺍﻟﻌﺼﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻠﺐ
ﻭﻓﻜﺔ ﺍﻟﺮﻳﻖ ﻣﺴﻤﺎﺭ ﺍﻟﻘﻠﺐ
ﻭ مابي ﺍﻟﺠﻮﺩﻳﺔ ﻻ ﺑﺪ ينغلب
آﺧﺮ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ ﺑﺮﻕ ﺍﻟﻘﺒﻠﺔ ﻳﺨﻴب
ﻭﺍلأﺭﺽ ﺗﺸﻴﺐ
ﻭﺍﻟﺤﺮﺓ ﺗﻌﻴﺐ
ﻭﺍﻟﻌﺎﻗﺔ ﺗﺠﻴﻚ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺮﻳﺐ
ﺍﻟﺘﺎﺟﺮ ﻳﺘﻢ ﻣﻴﺰﺍنو
ﻭﻳﺤﻠﻰ ﻟﺴﺎﻧﻮ
ﺷﻮﻑ أﻛﺎﻥ ﻣﺎ ﺇﺗﻤﻼ ﺩﻛﺎنو
اﺩﻯ ﺍﻟﻠﻘﻴﻤﺔ
ﻭﻋﺪﻯ ﺍﻟﻜﻠﻴﻤﺔ
ﻭﺯﻳﻞ ﺍﻟﺼﺮﻳﻤﺔ
ﻭآﺧﺮ الليل أﺧﺪ ﻟﻴﻚ ﻗﻮﻳﻤﺔ
ﺷﻮﻑ أﻛﺎﻥ ﻣﺎﺗﺒﻘﻰ ﻣﻦ أﻫﻞ ﺍﻟﻨﻬﻴﻤﺔ
والدُنا في سنار دوما مطيرة…
مطر يعقبه مطر…
قالت لي دواخلي يوماً:
الذكريات التي يشوبها المطر، تبقى حية على الدوام!
ولان كان من الأمكنة ما يذكي في الوجدان بوحاً واختلاجات فإن سنار في خيالي صبية شقية، تنبري بعنفوان عمرها للمطر.. تفرد ذراعيها لترقص التانقو وفي قبضة يديها النسيم العليل.. فيبتل ثوبها ليشي بمواطن جمال فيها لتحسبه الفراشات وروداً وتأتي إليها سراعاً لتحط عليها في حبور.. الشمس تشرق من هناك… والقمر يأتي من بعدها ليجهد وصلاً لليلها بضياء… كم من ليال أستلقي خلالها فتكتنفني صور شخوص ومواقف جميلة، تنسرب دوني اليها أشواقي ومشاعري وتدعني على فراشي، وتنبري هي عروساً للبحر وفناراً، انظروا اليها يا أحباب: ها هي تتجمل بكامل زينتها ثم تيمم صوب لجة الخيال، وتدلف إلى قارب التحنان فتقبض بكفيها مجدافين من بلور… وهناااااك عند التقاء خط انتهاء أفق الأرض بسقف السماء تتمدد خضرة الماضي الجميل، صفوف من أشجار تحف النهر على جانبي خزان مكوار، وسرابات من ورود تكسو الأرض على مد البصر كرنفالات من ألوان وزخم لعطور تملأ السوح والفضاءات، وفي قبة السماء؛ ينبري قوس قزح، تأتلق ألوانه ائتلاقاً، والنسيم يحتشد برطوبة تنسرب إلى الصدور ليتمشى راحة في مفاصل نُعّسِ، والكونُ ساج نائم لا صوتَ الاّ من (لَشْغِ) الموج نتاج ملامسة المجدافين لسطح المياه، وترتسم ليلاي هالة من ضوء على صفحة الأفق كفقاعة كبيرة وملونة من الصابون تسبح في فضاءاتي، يا لجمالها، وياااااالعذابات المكان وأوجاعه!.
بتتعلم من الأيام، لا ادري سرّ الارتباط -في خاطري- بين هذه الأغنية البديعة وسنار؟! أم صحيح أن الجمال كُلٌّ لا يتجزأ؟! يا لروعة -ايحاء- الكلمات وهي تهبش في دواخلي مواطن لأوجاع وعذابات!!! ويا لإبداع اللحن وهو يسوق النفس سوقاً إلى عوالم بلا ساحل ولا قرار!
ويا لجمال الأداء وهو يحيل الملموس فِيَّ إلى محسوس ليتصعّد الجسد مني إلى
السماوات العُلى!. بتتعلم من الايام مصيرك بكرة تتعلم… لعلها يافعة تشب لتوها عن الطوق، صبية ولجت لتوها الى سوح وفضاءات الأنوثة… وتعرف كيف يكون الريد وليه الناس بتتالم. أواه من آلام القلوب، فالقلب إن كتب له الولوج الى عوالم حب لا ترجح له كفة أخرى يضييييع، وتنداح الأسئلة حيرى تقض المضجع وتدمي الفؤاد:
متين عرف الهوى قلبك؟!
متين صابك بآهاتو؟!
متين سهر عيونك ليل طوييييييلة ساعاتو؟!
ويذوب مبدعنا أبو اللمين حزناً وهو يشبع الياء مداً ليبثها كل لواعج الأسى والحيرة…
فاليقين منعقد بأن قلبها الصغير ليس بمقدوره مقاسمة دقات قلبه المثخن بالجراحات، والأيام والسنون قد أضحت تنسرب سراعاً من حياته لتترك في كل يوم ندبة جديدة في أغوار نفسه… يا لذاك المساء!…أمواهٌ تكتنف مد الرؤية سوحاً وفضاءات، لشلالات تنهال من بوابات السد، وفي السماء، سُحُبٌ تنثال منها حبات المطر، تتداعى في خفر وهدوء، لكأنها تغازل وجوه الناس والأزاهر! وينداح النسيم وينسرب -في لطف- الى الدواخل، لترتوي الأنفاس بعبق المطر… لعله ذات النسيم الذي خاطبه ذاك فقال:
أرجوك يا نسيم روح ليهو
بي اشواقي صرح ليهو
وأذكر صبوتي وسهاد…
والنسيم دوماً مطواع فيروح إليها بين يدي اتشاح الشمس بقرمصيص أشعة الغروب
وهي تلملم اطراف ثوبها ميممة صوب قبة الشيخ فرح ود تكتوك… أتراها ذاهبة لتخلد الى هدأة لتعود غداً لتهب الناس صباحاً جديداً؟! أم تراها تقتفي اثر النسيم؟!
لست أدري… لكن الذي اذكره أنني يومها وقفت بجوار الخزان، وسنار كلها موقف!
والسوح حينها ما فتئت يبللها المطر، والفضاءات تعبق بروائح الليمون المتناثر شرق الضفة، تخالطه روائح الموز المنداحة من الضفة الغربية حيث يرقد الشيخ فرح ود تكتوك… هنا كان مجلسنا… انها لعمري ذات الصخرة ما فتئت تطل بعين ملؤها الهيام بهذا النهر النبيل، وذات عصافير طير الجنة تشقشق محتفية بزيفة المطر… يا لسبتنا ذاك!
لم يكن سبتا كسواه من الأيام !إنه السبت الذي شرعنا من بعده في امتحانات الشهادة الثانوية… وتتزاحم الاسئلة:
متين عرف الهوى قلبك؟!
متين صابك بآهاتو ؟!
متين سهر عيونك ليل طويلة ساعاتو؟!
وحاتك لسه مابتقدر تقاسم قلبي دقاتو!…
أسئلة أسالها لقلبي تارة، وتارة أصوبها الى خيالها …
ولكن لا مجيب، لا مجيب، لا مجيب…
فأفرد أشرعة خيالي لأبحر ماخراً لجة السنوات…
وهنااااك عند خط التقاء الأفق بالسماء…
لكأني بها قمر منير… بل كوكب درّي… أو لعلها شمس إبراهيم التي خالها ربّاً…
لقد تسامت الروح مني وتغشتنى مشاعر جياشة، وإذا بصورة وجهها الملائكي
يرتسم على صفحات كتب الكيمياء، والفيزياء، والأحياء. فإذا بكل الرموز ليلى، وكل المعادلات ليلى، وكل الرسوم ليلى… واذا بعواء القطار وهو يدلف الى سنار المدينة يجيّش في نفسي زخم مشاعر عجيبة! صرير كوابحه وهو يهمُّ بالتوقف قبالة بيتهم كم كان يذكي في دواخلي من أحاسيس فخيمة! فالبيت يطل على نادي السكة الحديد ووالدها يعمل في ذاك القطار… يا لجمال ابتسامتها وهي تطل من وجهها الصبوح وهي ترقب نزول الأب من احدى عربات القطار!
ويا لفراش القاش الذي يتخلّق من شفتيها منطلقاً صوب عيون القاش ليتعبد الله
في محرابها!… وتحين منها التفاتة تجاهي وتصلني سهام نظراتها مع الصوت الآتي من البعيييد:
اقابلك وكلي حنية
واخاف من نظرتك ليا
واخاف شوق العمر كلو
يفاجأك يوم في عينيا
ومن البعيييييد…
تلوح قبة الشيخ فرح ود تكتوك…
انها قبة ليست ككل القباب وقد جُبلتُ على شنآن القباب طرا، واحسبني من
أكثر الغامطين لمآلات الاعتقاد البائس الذي يلج من كوّته الشيطانُ الى قلوب ووجدان أهلنا الطيبين بسبب تلك القباب…! فيقيني راسخٌ بأن الراقد فيها ما هو الاّ أمرؤ قد مات وانقطع عمله الاّ من ثلاث! ولكن ما أدراك ما فرح ود تكتوك… فقد عاش الرجل -في تلك الديار- مئة سنين وازداد عشراً، وبقيت سنار في خاطري مدينة طفلة بِمَدِّ عمر ذاك الشيخ الجليل، لم أفتأ -الى يومي هذا- أستروح كلما ذُكر اسمه عبق ماض تليد! … فالرجل قد استهوتني كتابات عديدة كتبت عن مآثره وأقواله فكانت مدخلاً و
مثاراً لنقاشات وأحاديث لنا كم كانت تضوع مسكاً… والأمكنة يا احباب تزداد جمالاً كلما زخرت بما يشي بماضِ تليد… لنلق نظرة الى من حولنا من الشعوب! أليس الأحباش أكثرهم جمالاً من حيث الطبع والتراث والمفاهيم العلائقية؟! حتى اللغة لديهم أجدها أوقع موسقة في الأذن عن غيرها من لغات الجيران الآخرين!
فهم شعب له تاريخ تليد وحضارة ضاربة بأطنابها في القدم، ولِمَ ذلك يا تُرى؟!
لا أخال الاجابة الاّ:
(ان توالي السنوات يعجم من عود التراث والقيم الاجتماعية لدى الشعوب فتخطو على درب الجمال فراسخ وأشواطاً)… وسنار هذه تستمد من قبة الشيخ فرح أصالة وتجذراً، ذاك احساس ينتابك منذ أول ولوج لك اليها… وحتى المطر في سنار له رائحة دون غيره في بقية مدننا إذ ينتابك احساس بالارتواء وانت تتنسم زيفة المطر في سنار، أنسام تكتنفها أخلاط من رائحة الطين الممزوج بعبق الليمون والموز والمانجو وشئ من حراز يحيط بالمدينة في ضهاريها التي ترفد المدينة بلواري الفحم كل يوم…
يا لهذه الذكريات التي تفتأ تتمشى في مفاصلي وتهبش فيّ مواطن لعذابات وأوجاع!!
والعذابات والأوجاع قد تذكيها نفحة عطر حميم، أو صورة وجه جميل، أو نبرة
صوت (حنين)… ويا لذاك المكان… ويا لذاك الزمان… ويا لتلك السنوات التي تترا كحبات مسبحة في يد شيخ وقور… ولكأني هناااااااك على ضفاف النيل بجوار الخزان، والقلب يخفق أولى خفقاته، وبيدي كراسة الكيمياء أقرأ جُملة فيأتي طيفها ليخطف الأخرى ويروح، فتنسرب من فمي آهة حرّى لكأني أتحسس حَرارة أنفاسها الى يومي هذا. وتظل سنار المدينة في الخاطر.


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات