المقالات

يوسف عمارة أبوسن  يكتب: العنف الأهلي والأمن القومي .. ستة محاور وقائية


هناك ضرورة ملحة الآن وأكثر من أي وقت مضى لوضع حد للعنف الأهلي والإقتتال القبلي الذي يدور بعضه الآن وبعضه الآخر لا زال في الصدور ينتظر (كلمة) من هنا أو (تسريب) من هناك ، فمعظم مكونات السودان الآن لديها مواجد وغبائن ضد بعضها ، بسبب أوضاع سياسية سابقة أو أوضاع حالية ، ولا شئ يمسك هذه البلاد من التداعي إلا ما يُرجي من حدوث تسوية أو دولة تقوم بواجباتها في إحداث مساواة وعدالة وسلام (بشكل جبري) ، والدولة الجبرية رغم أنها مرفوضة في الظروف الطبيعية لكن لو خُير المجتمع في ظروف الإنفلات بين المستبد المهيمن والديمقراطي الرخو ، سيختار مقايضة الأمن بحرية التعبير ، لكن لكي لا يوضع الناس في تلك المعادلة الصفرية ، فإن هذه البلاد تحتاج لعقد إجتماعي ينشأ بتركيز مصدر العنف والسلاح في يد واحدة ومسؤولة ، تكون مهمتها إنهاء هذا الخراب ووضع برنامج إنتقالي يفضي لإنتخابات حرة ونزيهة .

إن حالة الاحتقان والإستقطاب التي تشهدها البلاد تجعل من الضروري أن يكون مفهوم حماية الأمن القومي في ما يخص الصراع الأهلي مفهوما واسعا يشمل كل ما يحتمل أن يؤدي نحو توسيع الشقاق بين مكونات المجتمع ، أو من شأنه تأليب طرف ضد الآخر سواء كان هذا الأمر بين القبائل والمكونات الإثنية أو بين الفصائل والحركات المسلحة ، أو حتى بين مكونات القوات المسلحة والنظامية ، ولحماية الأمن القومي من هذا الخطر ولوأد أي فتنة في مهدها ومنع إنتقالها لمكان آخر خارج نطاق حدوثها،

هناك ستة محاور وقائية منها ثلاثة محاور تقع على عاتق المجتمع وهي محور الحد من خطاب الكراهية ، ومحور عزل المجرمين ، ومحور بناء السلام المجتمعي ، وثلاث محاور يقع تنفيذها على عاتق أجهزة الدولة وهي المحور المعلوماتي والإجرائي ومحور العدالة وتنفيذ القانون والمحور العملياتي والأمني .

أول هذه المحاور الوقائية التي يجب أن يضطلع بها المجتمع هو الحد من خطاب الكراهية ، وخطاب الكراهية بإختصار هو كل محتوى مرئي أو مقروء أو مسموع أيا كانت وسيلة بثه وتوزيعه يحرض أو يتصالح مع العنف ومسبباته وأطرافه ، أو يعلي من شأن أي من أطراف الصراع أو يبرر أفعالهم أو يعزز حججهم ، ويتساوى في ذلك الناقل مع المصدر ، وربما كان الناقل المروج أشد خطرا حتى وإن كان غرضه التنوير أو التحذير من مصير مشابه ، وأشد الناقلين خطرا هم من يبحثون عن السبق الإعلامي والإنفراد الخبري بتغطية الأحداث في وقتها ، فإن كان ما ينقل هؤلاء محتوىً صحيحا منقولا عن مصدره فهذا ترويج لخطاب الكراهية ، وإن كان المحتوى خاطئا أو غير موثوق فهذا ترويج للإشاعة الضارة والمهددة للأمن العام .

المحور الثاني هو عزل المجرمين وذلك بحصر الحوادث في مستواها الجنائي حتى وإن كانت حوادث جماعية وتفعيل مبدأ أن (المجرم لا قبيلة له ولا إنتماء)، كذلك مساعدة أدوات العدالة في الوصول للجناة ومنع التستر الناشئ عن الإنحياز والعصبية ، ويتشارك المجتمع والدولة في مسؤولية بناء الثقة بين المواطن وأجهزة الأمن بتبني الحياد والنزاهة في التعامل مع الأحداث ، كما يجب أن يمتد هذا التعاون لحظر كافة أشكال الدعاية للصراع ومهاجمة الخصوم أو إستدعاء صراعات سابقة أو تمجيدها سواء عبر الشعراء ، الحكامات، وغيرها من أشكال التعبئة السالبة .

المحور الثالث هو محور بناء السلام الإجتماعي وذلك عبر نشر ثقافة التعايش والتنفير من الإقتتال وتحفيز الناس نحو اللجوء لأدوات تنفيذ القانون والعدالة ، وجعل هذا التوجه هو التوجه العام للمجتمع والتبليغ عن أي شخص يعارضه بإعتباره مهددا للسلم والأمن المجتمعي ، ولأن كل النزاعات منشأها الصراع حول الأرض والموارد ، فيجب تعزيز قيمة الدين بما يحويه من مبادئ التراحم وحسن المعاملة والجوار والمساكنة بالحسنى ، وإعلاء روح القانون بأن الناس شركاء في الأرض متساوون في الإستفادة منها، وأن الأرض للدولة وأساس المنفعة فيها للمواطنة لا الأصل العرقي ولا أسبقية الوجود .

المحور الرابع (وهو من مسؤوليات أجهزة الدولة) ، هو المحور المعلوماتي والإجرائي ويشمل التتبع والمراقبة والضبط والإحضار لكل مثيري الفتنة والساعين لها ويتم ذلك عبر جهازي المخابرات والشرطة وبصلاحيات وحصانات تمكن الطواقم الأمنية من القيام بواجبها ، كما يشمل أيضا ضبط منافذ الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بشكل خاص وتوجيهها بما يخدم التوجه الكلي للدولة، كذلك يجب تفعيل لائحة صارمة تحدد طريقة تناول منصات الإعلام الأجنبي للأحداث الداخلية ، وحظر أي محتوى من شأنه تأجيج الصراعات بإعتباره نشرا ضارا ، وذلك يتطلب بالطبع تقليص مساحة حرية النشر في أوقات الأزمات بحصر مصادر تلقي المعلومات في مكتب الناطق الرسمي بإسم الشرطة أو أي مصادر رسمية أخرى من جهات الاختصاص في المناطق المعنية .

المحور الخامس هو محور العدالة وتنفيذ القانون وهذا يستدعي تشكيل محاكم خاصة وناجزة للمتسببين في الأحداث والمشاركين فيها مهما كان درجة مشاركتهم، ومنع الافلات من العقاب وتعاون كافة أجهزة الدولة في القبض على المجرمين .

المحور السادس هو المحور الأمني والعملياتي وهذا يتطلب إجراءات أمنية إستثنائية تتخذ ضمن حالة طوارئ عسكرية في مناطق النزاع ، تكفل هذه الإجراءات سرعة إستجابة القوات النظامية وإحكام التنسيق بينها، وضرورة تعاملها بحسم (غاشم) مع المتفلتين ، مع اليقين بأنه مهما كانت نتائج هذا الحسم فلن تكون أشد خطرا مما قد يحدث .

هناك ملاحظة لابد من الإنتباه لها ، وهي عند حدوث حالة إقتتال أو عنف بين مجموعتين أو أكثر ، فإن التحليلات والبحث عن المتسببين في العنف ليست ذات أولوية ، انما لأولوية في ذلك الوقت لوقف نزيف الدم لا البحث عن إدانة لمكون سياسي أو عسكري أو مكون أهلي ، فتداول التحليلات والتي قد يكون جلها مبني على معلومات خاطئة أو مضللة لن يسهم في حل المشكلات وإنما يزيدها إشتعالا ويسهم في (تسخين) الأطراف ضد بعضها .

 

يوسف عمارة أبوسن

24 يوليو 2022





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى