أخبار السودان

نص خطاب جعفر الميرغني في توقيع تعديلات الوثيقة الدستورية


الخرطوم ؛اليوم التالي

بسم الله الرحمن الرحيم
“يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ”
بسم الله بدءًا وختماً والصلاة والسلام على سيدنا محمد ذاتاً ووصفًا واسماً
أصحابُ المعالي والسعادة السفراء والمسؤلين،
السادة أعضاء الأحزاب السياسية ومنظمات العمل المدني والأهلي
المواطنات والمواطنون الكرام
السيدات والسادة؛
السلامُ عليكم ورحمةُ الله تعالى وبركاته؛
أتقدم إليكم بالشكر الجزيل على حضوركم هذا المحفل، وهذا التجمّع الوطني، الذي يسعى إلى خير البلاد، وسيادتها وسعادتها وأمانها، واستقرارها.
في بداية حديثي إليكم، أستحضر في هذا اليوم المبارك، مجموعةً من المرتكزات الأساسية: التي ظللنا نتحرك على ضوئها طوال السنوات الماضية، فأنا أحدثكم؛ من منصةِ حزب الحركةِ الوطنية السودانية، التي ناضلت من أجلِ سيادةِ السودان، وإنهاء الاستعمار.
من حزبٍ يؤمن بالحرية، ويثق في القرار الوطني.
أيها الكرام
إننا لا ندّعي أن جهدَنا الذي نقدمه إليكم، خالصٌ من كل عيب، ولكننا نثق أنه اجتهادٌ وطنيٌ، يفيدُ الوطنَ، وأن الخطأ فيه قابلٌ للإصلاح، وأن الصواب الذي فيه، هو من توفيقِ الله رب العالمين، وعونِه ولطفِه وإسنادِه.
ولا يفوتنا أن نعتذر للشعب السوداني، عن تأخير هذه الخطوة، التي أخذت وقتاً طويلاً، كان يجب ألا يطول. وطول انتظار الناس وصبرهم مقدّر، ونسأل الله العون والتوفيق، وأن يطرح البركة في هذا العمل، ويجعله عملاً نافعاً، مفيدا، يخفف من معاناة الناس، وآلام الشعب.

أيها الحضور الكريم
قبل أيامٍ قليلة، أصدر صاحب السيادة مولانا السيد محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، مرشد الختمية، بياناً واضح المعالم، يرفض إخضاع البلاد لغير أبنائها، ويرفض التسويات الثنائية التي ضيّعت السودان لسنوات طويلة، ويرفض التكتلات العدوانية، ويرفض فرض ثقافات تخالف عادات وتقاليد بلادنا العربية.
وكان ذلك في خطابٍ يَتَسِقُ مع ميراثِ الحكمةِ الذي ظلَ يتعاملُ به الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل مع الأمور، فذاتُ هذِه التحذيرات؛ التي رفعها وظل يرفعها مولانا لأربع سنوات ماضية؛ وجهها الحزبُ قبل عشرين عامٍ، علناً وسرًا، لشريكي اتفاقية نيفاشا، ولكنَ الناسَ تأخروا في الاستماعِ إليها، فأصاب البلادَ والعباد الشر الذي حصل. ولكن: لعلنا اليومَ نسمع ُونعي. والله المستعان.

الحضور الكريم
لقد كانت لحظةُ تغييرِ النّظام في أبريل ٢٠١٩، لحظةً تاريخية،- من زوايا عديدة، فقد جاءت بعد جهدٍ تراكمي دام ثلاثين عاماً،- عمِل عليها جميعُ أهلِ السودان. خاصةً الذين انقلب عليهم النظام السابق وحزب الجبهة القومية الإسلامية، في الانقلاب المشؤوم في ٣٠ يونيو من العام ١٩٨٩.
ولكنّ الزاويةَ الأهمّ عندي شخصيًا، هي أن لحظةَ التغيير جمّعت قلوب الشِيب والشباب معًا على محبة الوطن. وأوقدت في صدورهم طاقةً لخدمته، وحماسًا كبيرًا. بعد سنوات من العزوف السياسي، الذي حذرت منه في العام 2013 وأحذر منه اليوم من جديد.

الحضور الكريم
لقد تشكلت بعد التغييرِ أرضيّةٌ سياسيةٌ هشة؛ انتهت بشراكة ضعيفة بين مكوناتٍ عسكرية ومدنية، حاولت أن تنظِّمها وثيقةٌ؛ تراضى عليها العاملون في الوطن آنذاك، وأودِعت في ذاكرته القانونية. فصارت جزءًا منها، -اتفقنا معها أو اختلفنا مع بعض تفاصيلها-. ثم جرَى عليها تعديلاتٌ مشهودةٌ باتفاق المكوّنات ذاتها.
لذا؛ فإننا في الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، لم نتشجع على ابتدار كتابةِ وثائق جديدة، بل نقول: إن الفترة الانتقالية، تنظَّم بميراث الخبرة الدستورية الموجودة. في الوثيقة الدستورية، والمحاولات الدستورية السابقة لها، أما الجهود الإنشائية الأخرى، فيُستأنس بالمفيد منها، لاحقاً.
ولا نريد حلاً للأزمة يحدث أزمةً. ولا خطواتٍ تقود إلى انسدادت أكثر صعوبة ونسعى لوقف حالة الاستقطاب العبثي ويجب علينا وعلى الآخرين، تقديم كل التضحيات.

الحضور الكريم
إنّ الأسئلة التي تُطرَح على الفترة الانتقالية، تتضمن تيسير معاش الناس، وتدبيرِ أمورهم، ولكنّها مرتبطةٌ في جوهرها بكلمةِ:
انتقال:
انتقالٌ إلى الديمقراطية، التي تأتي عبر صناديق الاقتراع، لذا فإنّ أي تأخيرٍ فيها، هو أمر مرفوض، وأخشى أن يكون خيانة للتغيير والجهد التراكمي الذي استمر أبطال ومناضلو شعبِنا، في بذله لمدة ثلاثة عقود. وأخشى أن أقول إن تأخير الانتخابات: هو، خيانةٌ لشهداء التسعينيات، وشهداء التجمع الوطني الديمقراطي، ولشهداء التظاهرات السلمية ولشهداء سبتمبر، ولشهداء ديسمبر المجيدة.
لذا فإننا نريد اليوم التأسيس لكتلة ديمقراطية ووثيقة جوهرية، تسعى للانتخابات، وتجتهد في تحقيق شروطها، وتصر على قيامها، وتقوم بتوقيع ميثاق شرفٍ للدفاع عن الديمقراطية. حتى يتوقف الناس عن الحديث باسم الشعب، بدون سندٍ قانوني.
واسمحوا لي أن أقول بصراحة:
لا يُعقل أن يكون الشعب السوداني، الذي هو أبو الديمقراطية في العالم العربي، وفي إفريقيا، بلا انتخابات نزيهة ومشروعة لزهاء خمسٍ وثلاثين عام!
يجب وقف هذا الأمر، ويجب المضي نحو انتخابات، لن تأتي إلا بما يريده الشعب، من حريةٍ وديمقراطية وسلام. أما المخاوف التي يتستر البعض بأنها السبب في تأجيل الانتخابات، فهي واهية ولا تمثل الحقيقة فنحن أصحاب الصناديق، ونحن الخبراء بشعبنا وأهلنا، نقول ومعنا الأحزاب الكبرى: لا خوف من خيارات الشعب، فهي خيار من خيار من خيار.

الحضور الكريم
إنّ سياسة شق الصفوف، والعبث بتكوينات المجتمع، سياسةٌ جربتها الفترات الديكتاتورية كلها، وحاولت خلق نزاعات داخل الأحزاب الكبرى والبيوت العريقة. وانتهت إلى نتيجة سيئة، ولم يستفد مَن رعاها إلا الشر، ولم يحصد إلا ما زرع.
لذلك فإننا نقول للجميع، عليكم بالتوافق والوفاق والسعي بحسن نية لإصلاح الأحزاب والكيانات، والنأي عن الرغبة في بعثرتها وتشتيتها. ففي الاتحاد قوة للجميع. ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله.

الحضور الكريم
يجب على الناس أن يعلموا أن تجمعنا هذا ليس ضد فردٍ مدني أو عسكري. فنحن نمد أيدينا بيضاء لكل من يأتي إلينا، بل وكل من يوافقنا على رفض الديكتاتورية، ورفض تعدد الجيوش والمليشيات، ورفض سياسات التجنيب المالية، وضد الإفلات من العقاب، وضد قهر المجتمع وجبره، وضد المساس بالسيادة الوطنية.

لقد قلت وأقول لكل الذين يريدون أن يفرضوا حلولاً بالاستقواء بقوى إقليمية ودولية. فإن المُنْبَتَّ لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى. لذا فإننا سنوغل في الأمور برفق.
إننا ننظر إلى المجتمع الدولي، نظرة احترام وتقدير. ولكننا نرفض أن يظنّ أحد أن هذا الاحترام، ضعف.
وأود أن أوجز نقطةً واضحة:
نحن في مفترق طرق. إما أن نختار: تعدد الجيوش والمليشيات، وما تجره من خطر الحرب الأهلية، وننخدع بتكوّن ظهير مدني لهذه المليشيات، يتم تسويقه على شكل حلول للمشكل السياسي.
وإما نختار مبادرة: لجمع القوى المدنية، والمطالبة بوضوح أن يعود العسكريون إلى الثكنات عبر الانتخابات.
نقول بوضوح أكثر:
لا لعسكرة السياسة السودانية.
لا لاستقواء الأحزاب بالمسلحين.
نعم للمدنية كاملة الدسم.
نعم للقوات المسلحة المحترفة التي تؤدي واجباتها الأمنية في حماية الحدود.
وهذا هو طريقنا الذي اخترناه. ونعرف ثمنه جيدًا.
فالحق أبلج والباطل لجلج.

الحضور الكريم
لا يفوتنا اليوم، بمناسبة القمة العربية في الجزائر، أن نتقدم بالشكر الجزيل للدول العربية الصديقة والشقيقة؛ التي ظلت تدعم السودان، ونخص بالشكر، مصر والسعودية والإمارات وقطر والكويت وعمان والعراق، وكل الدول التي حرصت على إبراز اهتمامها باستقرار السودان. ونمد يدنا إلى كل الأصدقاء، ونقول لهم بلادنا قادرة على العطاء، بلادنا جزء من الحل، وليست المشكلة.

الحضور الكريم
إنّ بلادنا مقبلة على تحديات كبيرة، مناخَية؛ واقتصادية؛ واجتماعية. في وقتٍ تغزونا المخدرات والأمراض الظاهرة والباطنة، ويتاجر البعض بالعنصرية والكراهية، ويزدري كثيرون القيم والعادات والثقافات التقليدية، وتحيط بنا دائرة من الهموم. ولهذا، فإنّ الاتفاق السياسي هو القاعدة الأولى لإخراج بلادنا من النفق المظلم، وإخراجنا من هذه الأحوال، ولا يكون ذلك إلا باجتماع بنات وأبناء الوطن، والوقوف بحزم وشجاعة، من أجل البناء لا الهدم، والعمار لا الخراب، والاستفادة من دروسنا، ودروس دول الجوار. فبلادنا تستحق، وإنسانها يستطيع.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى