المقالات

م. حسن زمراوي محمد عثمان | مهيرة التعليم:


من أروع الأفلام الأمريكية التي تأثرت بها في بداية أيامي ببلاد العم سام وتركت في قلبي ووجداني أثراً لن ينمحي أبداً ذلك الفيلم بعنوان (Lean on me)، وهي تعني باللغة العربية (إتكئ علي). كان بطل ذلك الفيلم الممثل الأمريكي الشهير مورغان فريمان، والفيلم يحكي عن قصة حقيقة لمدير مدرسة يدعى جوزيف كلارك بمدينة باتيرسون بولاية نيوجرسي الأمريكية. وحيث أن تلك المدرسة كانت معرضة لوضعها في الحراسة القضائية لحكومة ولاية نيوجيرسي ما لم يحسن الطلاب درجاتهم في إختبارات المهارات الأساسية التي تضعها وزارة التربية والتعليم لولاية نيوجرسي، إلا أن المدير الجديد جوزيف كلارك والذي أنتدب لأجل إنقاذ تلك المدرسة قام بدور بطولي في إنقاذ أولئك المراهقين الذين حولهم بحنكته وصرامته وعطفه عليهم من تلاميذ كانوا قد جعلوا من المدرسة بؤرة للمخدرات إلى شباب ناجحين وإجتازوا إمتحانات القدرات بتفوق.

إن لأمر التعليم عندنا هنا ببلاد العم سام العجب العجاب، فالأمر هنا ليس بالسهل، وليس المسألة مسألة تغذية عقول النشأ بالمعلومات فقط، بل الأمر يحتاج أولاً لحنكة لتربية وتنشئة أولئك المراهقين بعيداً عن المخدرات والأسلحة والأمراض الجنسية بين طلاب الثانويات، وبعيداً عن المشاجرات التي تقع بين الطلاب داخل أروقة المدرسة لدرجة أن بعض المدارس كبيرة الحجم تجد بداخلها مركز للشرطة لحل النزاعات والشجار الذي يحدث بين الطلاب. وفي معرض الحديث عن التعليم بأمريكا، فإني لن أنس ما حييت تلك الأيام النضرات عندما كنت عضواً برابطة الطلاب الأفارقة بمدينة باتون روج عاصمة ولاية لويزيانا أيام دراسي الجامعية هناك. لا أنسى أيام زيارتنا لبعض المدارس لنحدثهم عن طبيعة الحياة بالبلاد الإفريقية المختلفة، وكيف أن هنالك ثقافات مختلفة وديانات مختلفة وطبيعة مختلفة في ما وراء البحار. فكان طلاب تلك المدارس يستمتعون بتلك المحاضرات وينتظرون زياراتنا لهم بفارق الصبر، ولا أنسى أن مديري تلك المدارس أنفسهم كانوا هم أيضاً ينتظروننا بفارق الصبر ويودعوننا على أبواب مدارسهم ودموع الفرح والإمتنان تملأ أعينهم وهم يقولون لنا: أنتم لا تدرون كمية التغيير والسعادة التي تدخلونها في قلوب هؤلاء التلاميذ، فهم بالإضافة لسعادتهم بقدومنا، فهم ينشغلون بنا عن مشاجراتهم وبيعهم للمخدرات وتعاطيها داخل الفصل وعن كثير من المشاكل التي تحدث بينهم.

إن الدور الأساسي للمعلم هو البناء، فإن كان المهندسون هم الذين هندسوا تلك الأراضي القاحلة في يوم من الأيام وحولوها إلى مبان جميلة ومناظر خلابة، فكذلك فأن المعلم يهندس عقول الأجيال القادمة بشحذ الهمم وإكتشاف طاقات التلاميذ الصغار وتسخيرها لبناء المباني والمعاني، وهذا ما قام به المدير جوزيف كلارك بتلك المدرسة الثانوية بمدينة باترسون بولاية نويجرسي الأمريكية بنهاية ثمانينات القرن الماضي.

أما في سوداننا المكلوم فكيف بالله عليكم أن يهتم المعلم بتشجيع تلكم الزغب الصغار إذا كان المعلمين والمعلمات أنفسهم هم أكثر قطاعات المجتمع التي تحتاج للتشجيع، فما زالت قبيلة المعلمين منذ أمد بعيد بسودان العجائب قابضين على جمري التدريس والتفليس. ذلك المعلم الذي يرثى لحاله لأنه يتعامل مع حكومة لا تعطف عليه، وولى أمر حانق لا يتفهم وضعه، وتلميذ محبط، وصدق الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان رحمه الله في وصفهم في أبيات شعر بديعة قائلاً:

صغارٌ نربيهم بملأ عقولهم

ونبنيهم ولكننا نتهدمُ

فمن كان يرثى قلبه لمعذب

فأجدر شخص بالعزاء المعلمُ

على كتفيه يرتقي المجد غيره

وما هو إلا للتسلق سلمُ

ويا ليت حال المعلم ببلادي كحال المعلم بتلك الدول المتقدمة مادياً كألمانيا مثلاً والتي راتب المعلم فيه يعتبر أكبر من راتب الأطباء والمهندسين ومهن أخرى. وأذكر أنه في سنة من السنوات خرج أصحاب مهن كثيرة في مظاهرات بألمانيا مطالبين بمساواة أجورهم بأجور المعلمين وذهبوا إلى مسيرة لمجلس الوزراء، فخرج لهم رئيس الوزراء آنذاك وقال لهم مستنكراً: كيف تريدونني أن أساويكم بمن علموكم؟!؛ فبهت الذي لم يتخذ التعليم مهنة له في بلد تعلم تماماً دور المعلم وتقدره.

ولكن بالرغم من كل مآسي الحياة بسوداننا المكلوم، وبالرغم من وضع المعلمين الذي يدعو للشفقة عليهم، فلقد بدأت الثورة التعليمية في عام ١٩٨٠م عندما إجتمع نفر كريم من هواة التغيير وهواة رفع الأثقال بمدرسة أبي كدوك المتوسطة بأمدرمان وأرادوا أن تكون مدرسة أبي كدوك مدرسة غير عادية ويكون لها شأن بين المدارس وقد كانت مدرسة مغمورة آنذاك منذ تأسيسها عام ١٩٦٤م، فبدأ ذلك الجيل الرسالي من المعلمين بإعداد خطط للنهوض بمستوى التلاميذ، فإبتدعوا بدعة الإمتحانات الشهرية وبشحذ الهمم بخلق نوع من التنافس بين الطلاب وذلك بمكافأة الطلاب المتفوقين بجوائز مالية وكان منها أن أول الفصل كان يكافئ بطرادة (خمس وعشرون قرش) والذي يعني لهم الكثير.

لا أدري ما الذي جعلني أجتر هذا الطيف من الذكريات حتى عاد بي لتلك الأيام الخوالي، تلك الأيام الأولى لقدومي لبلاد العم سام في بداية تسعينات القرن الماضي، فتذكرت ذلك الفيلم ( اتكيء عليLean on me ) والذي كان حديث العامة بأمريكا آنذاك، طافت بي الذكريات اليوم ما بين موطني هنا وموطني هناك وأنا ممد على أريكة مطلة على نهر أولانتاجي الحالم بمدينتنا الجميلة كولومبوس عاصمة ولاية أوهايو الفاتنة، ومنزوياً بعيداً من تجمع السودانيين في هذه الرحلة الترفيهية التي جمعتنا على شاطيء النهر، فتذكرت تلك الأيام النضرات بقلعة أبي كدوك، وقلت في نفسي بأن ذلك الجيل الرسالي من معلمي المتوسطة الذين درسونا بقلعة أبي كدوك المتوسطة بثمانينات القرن الماضي لن يتكرر أبداً، ولكنني عندما تعمقت في التفكير و(السرحان) في أيامي التي كنت أزور فيها أبي كدوك منذ زيارتي الأولى لها سنة ٢٠٠٥م بعد غياب طال لأمد بعيد، فتذكرت تلك المعلمة التي أحسب أنه لا يوجد من يضاهيها في العطاء والتفاني والإجتهاد في آداء رسالتها كمعلمة بكل ولاية الخرطوم. إنها بحق وحقيقة معلمة (رسالية) وليست معلمة (مهنية)، تذكرني بتلك الكوكبة الفولاذية من طراز الطيب رحمة وعثمان بك والطيب أبشر وأستاذ طمبل وجوراوي والشقليني وعبد المحمود وبقية العقد الفريد، وهي تلك المعلمة والمربية التي أحبت أبي كدوك ولم تفكر في مفارقتها بالرغم من أنها رحلت في هذا العام بعيداً جداً عن المدرسة بشمال مدينة بحري، لم تفارق أبي كدوك بالرغم من أنها تركب ثلاث مواصلات للوصول للمدرسة وتنفق جُل راتبها في المواصلات بغرض الوصول لقلعة أبي كدوك التي أحبتها لتؤدي رسالتها السامية، أحبتها لحبها للتعيلم، أحبتها لأن التعليم عندها رسالة يجري في عروقها وليست مهنة، حتى إنه ليخيل إلي أحياناً أن مدرسة أبي كدوك بفصولها وساحاتها وأشجارها الباسقات تبادلها الحب، كيف لا وهي من تربية سلالة الأكرمين، كيف لا وهي من تربت على يد تلك النجمة من مدينة الجول التي أضاءت لنا الطريق لسنين عددا. فهي من تربية مربي الأجيال المعلم القدير أستاذنا الطيب رحمة – رحمه الله – فصارت بلا شك إمتداداً لذلك الجيل الرسالي من تلك الكوكبة الفولاذية، في زمن صار فيه التعليم عند كثير من الناس مهنة لملأ الجيوب والبطون.

إن تفوق تلك المعلمة في تشجيع تلاميذها وشحذ هممهم يؤدي إلى تكريمها سنوياً من قبل وزارة التربية والتعليم السودانية لأن تلاميذها بمدرسة أبي كدوك يتحصلون على أعلى نسبة تحصيل سنوياً في مادتها التي تدرسها على مستوى محلية أمدرمان، كما أن تفوقها بمدرسة أبي كدوك منذ قدومها إليها في عام ٢٠٠٧م إلى الآن لا يقل عن تفوق المدير جوزيف كلارك بولاية نيوجرسي الأمريكية، وإن كان المغني الأمريكي المشهور بيل وينثر قد تغنى بلسان حال المدير الأمريكي جوزيف كلارك وهو يخاطب تلامذته ويقول لهم (Lean on me)، فلنا نحن المهتمون بأمر التعليم بسوداننا المكلوم أن نتغنى بنفس تلك الأغنية المشهورة لتلك القامة السودانية وهي تشجع طلابها وتخاطبهم وتقول لهم:

‏‎أحياناً كلنا نتألم في حياتنا

‏‎لا أحد يخلو قلبه من الهموم والأحزان

‏‎إلا إننا إذا تصرفنا بحكمة وتعقل

‏‎سندرك حينها بأنه هناك دائما مستقبل مشرق ينتظرنا

‏‎ اتكيء علي عندما لا تكون قوياً

‏‎و سأكون صديقك وسندك

‏‎سأساعدك على الاستمرار في هذه الحياة

‏‎فلن يطول الأمر كثيراً

‏‎حتى أشعر بالحاجة

‏‎إلى أحد أستند عليه

رجاءً تنازل عن كبريائك

‏‎إذا كان لدي ما تريد أخذه

لأنه لا يستطيع أحد تلبية احتياجاتك

‏‎التي لا تريد أن يعلم بها غيرك

 …

‏‎أتكىء علي، عندما لا تكون قوياً

‏‎و سأكون صديقك وسندك

‏‎سأساعدك على الأستمرار

‏‎فلن يطول الأمر كثيراً

‏‎حتى أشعر بالحاجة

‏‎إلى أحد أستند عليه

 …

‏‎إذا كان هناك عبء عليك تحمله

‏‎و لكنك لا تستطيع

‏‎سأكون تماماً في الجوار

‏‎سأشاركك هذا الهم

‏‎كل ما عيك فعله هو الاتصال بي

 …

‏‎إذاً فقط اتصل بي يا أخي، عندما تكون بحاجة إلى مساعدة

‏‎كلنا بحاجة إلى شخص نتكيء عليه

‏‎ربما قد أواجه مشكلة قد تفهمها

‏‎كلنا بحاجة إلى شخص نتكيء عليه

‏‎أتكىء علي عندما لا تكون قوياً

‏‎و سأكون صديقك وسندك

‏‎سأساعدك على الاستمرار

‏‎فلن يطول الأمر كثيراً

‏‎حتى أشعر بالحاجة

‏‎إلى أحد أستند عليه

ونسبة لأنها من فريدات عصرها في التعليم، فأن قائد ربان سفينة أبي كدوك ومديرها القدير والذي أدار المدرسة ما بين عامي ٢٠١٢ إلى ٢٠١٨م الأستاذ فريد بشير حمد كان قد إشترط تحويل تلك المعلمة معه لمدرسة أمدرمان الأهلية عندما تم تحويله لها في العام الدراسي ٢٠١٨-٢٠١٩م. كما لا أنسى أنني في العام الدراسي ٢٠٠٧-٢٠٠٨م كنت قد طلبت من مدير المدرسة آنذاك مربينا الفاضل الطيب رحمة أن يعين لي أحد أساتذة المدرسة لكي يكون مندوباً لرابطة الخريجين بالمدرسة بعد أن (رميت طوبة) الخريجين بالداخل وقنعت منهم في أن ينشطوا لتأسيس رئاسة رابطة الخريجين بأمدرمان، فرد علي مربينا وقدوتنا الطيب رحمة رحمه الله قائلاً:

(لن أرشح لك معلماً، بل سوف أرشح لك معلمة وهي بعشرة رجال، وهي من الجيل الرسالي، وهي مخلصة في عملها، وهي حازمة وجادة للغاية، وهي قد أتتنا كمعلمة جديدة بأبي كدوك هذا العام).

أتدرون من كانت تلك المعلمة التي رشحها لي مربي الأجيال الطيب رحمة – رحمه الله – لكي تصبح مندوبة رابطة الخريجين بالمدرسة، إنها تلك المعلمة القديرة وشكسبير مادة اللغة الإنجليزية والأستاذة المتميزة دوماً، إنها سليلة ديار الشايقية التي أنتجت الكريمة سليلة الأكرمين مهيرة بنت عبود، وإن كانت مهيرة بنت عبود هي مهيرة السودان، فإن المربية الزاهدة والمعلمة القديرة هاجر محمد الحسن بخيت هي مهيرة التعليم بلا منازع، وما كان لي أن أكتب عنها أكثر من ما كتبت، فإن فخامة الاسم تكفي.

م. حسن زمراوي محمد عثمان

كولومبوس – ولاية أوهايو

الولايات المتحدة الأمريكية



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى