أخبار السودان

مملكة بني عامر، حقيقة أم افتراء؟ )٢-٢(


عطفًا على ما جاء في مقالنا السابق، فقد وثق البروفيسور عون الشريف قاسم وجود اسم “نابت” ضمن أسماء الأعلام في السودان في موسوعته القيمة (موسوعة القبائل والأنساب في السودان) نقلًا عن مصادر أخرى ترد في نهاية اقتباسه. فقد جاء في المجلد السادس – حرف النون- نابت : اسم علم ولقب. واشتهر عامر نابت بن علي نابت بن عامر بن مقدم بن أحمد سوليق بن شاع الدين بن عرمان . فيما تروى من أنساب وهو أصل النبتاب من بني عامر ( م ) انظر الفحل : تاريخ ص ٦٧) وتعيدنا رواية عون هنا إلى أصل “عامر نابت” نفسه، الذي ينحدر في الأصل من سلالة الشاعديناب العرامنة من قبيلة الجعليين، ما يؤكد الأصل السوداني الصميم لمؤسس هذه المملكة وأحفاده من بعده، وهي أيضًا رواية نسب مؤكدة ومثبتة في مراجع كثيرة قد لا يتسع المقال لتوثيقها هنا، وتبين كذلك أن أرضًا واسعة تمتد من النيل وحتى تخوم الهضبة الحبشية كانت خاضعة لسلطة الدولة السنارية وحلفائها، قبل تقسيم هذه الأرض بين دولتي السودان وإرتريا أواخر القرن التاسع عشر.

ويضيف بروفيسور عون في الموسوعة صفحة 2447 (وكان نابت قد تزوج ستنا بنت الشيخ عجيب المانجلك، بعد أن هزم المانجلك البجا وولاه قبائل البجا وناط به تعليمهم الفرائض وهو جد النابتاب )م( محمد عبدالرحيم : أبطال السودان)انتهى.

وفي كتاب (قبائل السودان الكبرى – قبائل البجا : موطنهم وحياتهم الاجتماعية، عنوان فرعي – بني عامر) يقول بروفيسور يوسف أبوقرون في صفحة ٦٣: (إن كبر هذه القبيلة وتعدد الفروع والبيوتات داخلها جعل منها اتحادًا لقبائل أكثر منها قبيلة – وإن رئيس هذه القبيلة يعرف – بالدقلل منذ عصور خلت وإلى الآن، وهي كلمة معناها الرئيس أو السيد بلغة الفونج و أطلقها الفونج على رؤساء ذلك الجزء عندما بسطوا نفوذهم على هذه القبائل). ولعل ما ذهب إليه أبوقرون يكفي ويزيد للرد على النقطة الأولى في الاقتباس الذي أتحفنا به المدعو فيصل دون أن يطرف له جفن “أنَّ (البني عامر) ليسوا إِثنِيَّة/قومِيَّة من أساسه، حتَّى تندرج تحتها (قبائل/مُكوِّنات) فرعِيَّة تمتد لدولتين، وفق مزاعم (الإريتريين المُجنَّسين)” وسنعود إلى هذا الموضوع بالتفصيل في مقالات لاحقة.

عطفًا على ذلك يقول الفحل الفكي الطاهر في كتاب (تاريخ واصول العرب بالسودان) صفحات ١٠٥-١٠٦ ) “ومنح ملك الفونج عامر نابت لقب دقلل ووعده بأن يكون نائب الملك فذهبوا إلى البلو وقتلوهم أجمع، وقيل إن البجات عدة فصائل تزيد على أربعين، فكان الواحد منهم إذا سافر يقول: نحن من بني عامر. ولم يبق من البلو غير عد مري، قيل جدهم أخو عامر من أمه، نقلا من لوسي الألماني الرحالة” انتهى.

كانت مملكة بني عامر من الممالك والمشيخات القليلة التي كانت تتبع رأسًا للدولة السنارية، وتتمتع باستقلال كبير في إدارة إقليمها الذي يقع تحت سلطتها، وقد ورثت بني عامر -تقريبًا- كل ما حكمه البلو على مدى قرون، بما فيهم البلو أنفسهم، وقد مُنح عامر سلطة حكم البلو والبجا والخاسة والحماسين في الجغرافيا التي حكموها، ويقول الشريف محمود أبو عائشة في كتابه (التمازج السكاني والتطور الحضاري في شرق السودان) – ص 24. (هكذا أُسست مملكة البني عامر التابعة للسلطنة الزرقاء في مناطق البجا والتي أصبحت ثاني مملكة او مشيخة تتبع للسلطنة السنارية في شرق السودان بعد الحلنقة وضمت مملكة البني عامر التابعة للسلطنة السنارية تحت إدارتها أغلب قبائل البجا والحماسين في تلك الأصقاع).

أما الدكتور محمد فؤاد شكري مؤلف كتاب (الحكم المصري في السودان) 1820م – 1885م ص١٤ فيقول (وفي أثناء حكم الفونج قامت في أجزاء أخرى من السودان بعض الأسر من المشايخ والرؤساء كانوا شبه مستقلين في إقليمهم وتمتعوا بالسيطرة التامة ومن أشهرهم مشايخ العبدلاب أو مشيخة العبدلاب وكانت أراضيهم تمتد من حجر العسل إلى سوبه وينتشر سلطانهم بين أربجي والجندل الثالث. وكان من المشايخ شبه المستقلين حتى الممالك والمشيخات التي خضعت لسنار رأسًا لملوك الفونج مشيخة خشم البحر على شاطئ النيل الأزرق الشرقي بين رنقة و الروصيرص ومملكة فازوغلي جنوب الأولى وكانت تمتد من الروصيرص إلى فداسي ومشيخة الحمدة علي الدندر ومملكة بني عامر في الصحراء الشرقية بين البحر الأحمر شرقًا و خور بركة غربًا وبين عقيق والبحر الأحمر شمالًا و الحبشة جنوبًا و مملكة الحلنقة ومركزهم جبل كسلا على القاش).

ويقول الدكتور حسن مكي محمد أحمد في كتاب ( الثقافة السنارية المغزى والمضمون) صفحة ٣٤ “أما المشيخات التي خضعت مباشرة لسلطنة ملوك الفونج فهي جنوب الجزيرة ومشيخة خشم البحر، مملكة فازوغلي من الروصيرص حتى فداسي وعاصمتها فازوغلي ومشيخة الحمدة (الدندر وما جاورها) وممالك بني عامر و الحلنقة. وقد ارتكز الحكم في سنار على تقاليد موروثه بطقوس ومجلس شورى يرفع المرشح من بيت الملك إلى العرش ويقوم بخلعه”.

لقد كانت مملكة بني عامر مثلها مثل بقية الممالك والمشيخات التابعة للدولة السنارية فيما يتعلق بدفع الضرائب والجزية بالإنابة عن الشعوب التي تقع تحت سلطتها، على الرغم من استقلالها النسبي، وتلك من الأمور المفهومة في إدارة الدول من هذا النوع، والتي تعتمد على تحالفات عريضة تمكنها من السيطرة على رقعة جغرافية واسعة، ويقول الدكتور تاج السر عثمان الحاج في كتاب (لمحات من تاريخ مملكة الفونج الاجتماعي) ص 21 (وكانت المملكة منقسمة إلى عدة ممالك و مشيخات من سود ونوبة وحضر و بادية وكان كل ملك أو شيخ يدفع الجزية لملك سنار، إلا أن له نوعًا من الاستقلال والممالك هي: مملكة خشم البحر، مملكة فازوغلي، مشيخة الحمدة، مملكة بني عامر، الحلنقة، أما الممالك و المشيخات التي خضعت للفونج بواسطة العبدلاب فهي: مشيخة الشنابلة، مملكة الجموعية، مملكة الجعليين، مملكة الميرفاب، مملكة الرباطاب، مملكة الشايقية، مملكة الدفار، مملكة الخندق، مملكة أرقو).

وقد ذكر الدكتور شوقي الجمل، في كتابه (تاريخ سودان وادي النيل) صفحات 294 – 295 -أهم المشيخات التي تتبع لسنار “مشيخة العبدلاب : من حجر العسل إلى سوبا بين أربجي والشلال الثالث/ مشيخة خشم البحر : على النيل الأزرق بين الروصيرص و فازوغلي/ بني عامر : في الصحراء الشرقية بين البحر الأحمر و خور بركة/ الحلانقة : في جبل كسلا على القاش/ الشنابلة: على النيل الأزرق شمال سنار/ الجعليين : بين حجر العسل والدامر.)

وعلى منوال الدكتور تاج السر عثمان والدكتور شوقي الجمل يمضي المؤرخ محمد سعيد القدال في كتابه (تاريخ السودان الحديث 1820- 1955م ) ص 27 مملكة الفونج (1504 – 1821م). “تسمى أيضًا مملكة سنار والسلطنة الزرقاء ، وعاصمتها سنار . وتمتد من الشلال الثالث حتى حدود إثيوبيا جنوبًا، ومن الصحراء الشرقية حتى كردفان غربًا . وتتألف مملكة الفونج من عدة سلطنات ومشيخات، خضع بعضها للفونج مباشرة وهي : مشيخة خشم البحر، مملكة فازوغلي، مشيخة الحمدة، مملكة بني عامر، مملكة الحلنقة، وخضع لها البعض الآخر بواسطة العبدلاب وهي: مشيخة الشنابلة والمناصير، وممالك الجموعية والجعليين والميرفاب والرباطاب والشايقية والدفار ودنقلا العجوز والخندق و أرقو”.

وبعد، ورغم كل هذا، يبدو المدعو فيصل عوض واثقًا من آرائه دائمًا، ولا أدلّ على الجاهل أكثر من ثقته المفرطة بآرائه، ثقة عمياء لا تشوبها شائبة، فقد نفى بقول واحد أي وجود لمملكة بني عامر أو كما قال (كالمملكة المزعومة بشرق السُّودان!) وهو زعم ساذج ومطلق على عواهنه، تدحضه تقريبًا كل المصادر التاريخية التي أشرنا إليها والتي تحدثت عن سنار، ولا يمكنها كلها أن تتفق على وهم لا وجود له، بل اتفقت جميعها على وجود هذه المملكة كحقيقة تاريخية لا جدال حولها، فهذا مصدر آخر مثلًا، كتاب (السودان من التاريخ القديم إلى رحلة البعثة المصرية) الجزء الأول، تأليف : عبدالله حسين – ص 94. (وقد تبع ملوك الفونج والعابدلاب دويلات صغيرة؛ منها: مشيخة خشم البحر، ومملكة فازوغلي، ومشيخة الحمدة، ومملكة بني عامر، ومملكة الحلانقة، ثم مشيخة الشنابلة، ومملكة الجموعية، ومملكة الجعليين، ومملكة الميرفاب، ومملكة الرباطاب، ومشيخة المناصير، ومملكة الشايقية، ومملكة الدفار، ومملكة دنقلة العجوز، ومملكة الخندق، ومملكة الخناق، ومملكة أرقو). انتهى.

وأخيرًا يخبرنا المؤرخ محمد صالح ضرار في كتابه (تاريخ شرق السودان ؛ ممالك البجة، قبائلها وتاريخها) ص ٩٤ (وهكذا استمرت مملكة هذه القبيلة في السلطنة السنارية وانضمت لها سواحل البحر الاحمر من سواكن حتى مصوع ، وكان ان أعطي زعيم قبائل البني عامر من قبل سلطان الفونج الطاقية أم قرون (رمزًا للتاج) و الككر (رمز العرش) ونقاره (طبل كبير) رمزًا للسلطة والجيش التي قلدها له سلطان سنار).

فإذا كانت هذه المملكة بعد كل ما أوردنا من تحقيقات ومصادر محض(مملكة مزعومة) كما يدعي الدكتور فيصل، فلتكن، لأنها كما تبدو ليست زعمًا فارغًا، وإنما حقيقة، تسندها روايات تاريخية مثبتة ومحققة ومتفق عليها من أكثر من عشرين مصدرًا تاريخيًا على الأقل، أوردناها في ثنايا المقال بعناوينها وأسماء مؤلفيها وأرقام صفحاتها ويمكننا أن نورد المزيد لكن مساحة المقال لا تتسع، فماذا يطلب المدعو فيصل أكثر من هذا ليتنازل عن جهله وعنجهيته الفارغة؟

أقول أخيرًا. علينا النظر إلى الحقائق أو النصوص التاريخية ضمن سياقها التاريخي دون إسقاطها بطريقة متعسفة على الحاضر، المختلف كليًا، فهذه الحقائق أو الروايات التاريخية التي تحكي عن زمن مختلف، علينا مناقشتها ضمن إطارها الزمني الذي حدثت فيه، دون محاولة تسييس التاريخ من أجل كسب زائف ومؤقت يؤدي إلى الفتن وتهديد السلم الاجتماعي الذي يؤدي بالضرورة إلى ضرب النسيج والوحدة الوطنية وبالتالي يصير مهددًا للأمن القومي،

نواصل..

تصحيح في المقال السابق: ورد خطأ طباعي في اقتباس من النص الإنجليزي لفرديناند ويرن Shekh Ismir وكذلك في الترجمة (شيخ إسيمر) والصحيح هو Shekh Nimir (الشيخ نمر).



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى