المقالات

مكي المغربي يكتب: الدوامة السياسية  


هل تصدقون؟ المستفيد الأكبر من الدعوة لإقصاء الإسلاميين هم الإسلاميون أنفسهم وليس خصومهم، لأن هذه الدعوة وإن كانت فاشلة بإمتياز إلا أنها أخذت حيزا كبيرا من الماضي والحاضر والتفت حولها أوهام وآمال وأحلام أن “الإقصاء” هو الحل وأنه لا توجد مشكلة في البلاد ولا في العالم كله سوى الإسلاميين في السودان، اقتلوهم أو اطرحوهم ارضا يخل لكم وجه الشعب والمجتمع الدولي والفاتيكان واليابان والمريخ والقمر وقطار الشوق ومركب الهند أبودقلين.

هذه “الخزعبلة” هي مثل أي دواء رديء ووصفة طبية خاطئة حدثوا عنها المريض زمنا ولما وجدها وجربها أحس أنها لا تشبه الدواء إلا في المرارة ولكن لا جدوى منها ولا أثر.

ولأن الأوهام كانت على مدى سنين يشق عليه نفسيا التنازل عن تناولها من أول يوم فيستمر في التعاطي، وكلما تناول جرعة مرة منها طار وهما وكلما تقيأ تبدد حلما، حتى يتيقن من الحقيقة في النهاية وهي أنها وصفة فاشلة وضارة، فيسكب الزجاجة مع قيئه.

هذا التغيير الثورى المستمر بدأ برموز محددة ثم تمت شيطنتها تماما، وظهرت أخرى وتتم حاليا شيطنتها، وتحولت فيه الضحايا إلى جلادين، فالحركات المسلحة التي كانت تكسب التعاطف وتقتات على سمعة النظام السابق باتت الآن تنال حظا من الحملات الهجومية التي أججتها على النظام السابق وبات يعاديها متعاطفو الأمس.

السياسيون والناشطون ضد النظام السابق حكموا في هذا العهد وتمت شيطنتهم لمجرد ركوب سيارة جديدة موديل السنة لان هذا كان المعيار الذي استخدموه من قبل وهكذا يستمر التغيير وتقلب الوضع إلى أن تسقط المعايير وتمل الساحة من التكرار ولكن تأكد أن ما حدث ليس مجرد ثورة أو ‘محطة واحدة’ بل هو تغيير ثوري مستمر لفترة من الزمان لم تنته بعد، ويصعب تحديد البطل من الخائن في الحلقة الأولى ولا الثانية من المسلسل.

تناقضات التغيير الثوري المستمر هي أقرب لمنطق “جزاء سنمار” لكنه معلن من اليوم الأول وليس كما في قصة النعمان بن المنذر مع المهندس الروماني، فالتي تسمي نفسها قوى سياسية وحزبية مدنية مثلها مثل رجل أراد الصعود في طريق جبلي وعر حتى يبلغ القمة ولكنه يطلب دليلا يساعده ويقدم له هذا العرض “هل يمكن أن تقودني الى القمة شرط أن أرميك منها حال وصولنا لتموت”!

القوى السياسية قالت للعسكر هل يمكنك أن تقوموا لنا بتصفية الإسلاميين وسحلهم في الخدمة المدنية والوسط السياسي بمساعدة الإسلاميين في الجيش والأمن وبعدها نصفي ونسحل الإسلاميين في الجيش والأمن، وبعدها نحاكمكم انتم وندفنكم تحت جثامينهم، وإن لم تفعلوا هذا فاحذروا من غضب الشعب. ولكن هل أبقيتم لغضب الشعب شيئا يفعله من الأساس؟!

حتى لو وافق العسكر على ذلك وطلعوا معهم في الطريق الوعر، الله وحده يعلم ماذا سيحدث بينهم في الجبل في الليلة الظلماء.

نأتي للدواء التالف “إقصاء الإسلاميين” عبر هذه الدوامة وهي، لا نريد انتخابات لأنها ستأتي بالإسلاميين، لا بد من التأكد أولا من إقصائهم ثم تقوم الإنتخابات، ولا بد أن يساعدنا المجتمع الدولي والعالم الغربي “الديموقراطي” في تعطيل “الديموقراطية” عشر سنوات وتأجيل الإنتخابات تماما ولا حتى نقابة أطباء ولا صيادلة ولا صحفيين ولا حتى المهن التي تشهد أرقاما كبيرة من المستنيرين لأنه يوجد فيها غالبية من الإسلاميين، نعم يقال هذا وبكل جرأة وفي محافل دولية وفي اجتماعات فيها أطراف غربيين، وقد حضرت بعضها ولم ينقل لي أحد، ورأيت الحسن في عيون النصارى كما قال التجاني يوسف بشير، لكنه كان حزنا وليس حسنا، كان خيبة وامتعاضا من “هيافة البديل” الذي تعبوا فيه السنين، ويعجز عن اكتساح غرفة نقابية واحدة واسقاط الإسلاميين فيها بالديموقراطية.

يأتي الحديث عن فتح البلاد للإستثمار والبزنس وياتيك الجواب عاجلا، لا يمكن حدوث هذا قبل تصفية الإسلاميين لأنهم موجودون بالسوق وكل مجالات العمل ولديهم خبرة وربما تكون الشركات مجبرة على مشاركتهم وتعيينهم، لا بد من إقصائهم أولا ثم تمكين وتدريب وصناعة آخرين وبعدها يتم فتح البلد. ولكن لا توجد إجابة أين وكيف يتم تأهيل غيرهم؟ في شركات افتراضية مثلا؟ في الاحلام والمنامات؟ ومن هم غيرهم؟ هل الإجابة هي ما قاله المتحدث في لجنة التمكين في الفيديو الموثق “أيوة بدلنا تمكين بتمكين، لو عجبك عجبك، ولو ما عجبك أشرب من البحر”.

بعد هذ العصف الذهني لا يبقى على الأرض بعد هذه الرياح الهوجاء سوى “راكوبة خريف” متأرجحة ومتهايلة اسمها اقصاء الإسلاميين تنتظر الهبة الأخيرة لتتبعثر عودا عودا وتصفع من يحتمي بها والاقرب منها قبل غيره، ولذلك لا يرغب الإسلاميون في ضربها يريدون أن يرون ذلك امامهم بفعل الريح وعلى رؤوس حماتها.

من هذا العصف يتهيأ الذهن لحقيقة واحدة وهي أن واجب الوقت على المعسكر العلماني او التقدمي أو المأتمرين بأمر دول واستخبارات عربية ثرية – سمه ما شئت حسب رضاك أو سخطك – هو إيقاف كل شيء وإجراء مراجعة عاجلة حول كيفية التخلص من وصفة إقصاء الإسلاميين ولو كلف الأمر الحجر على من يرفض هذه المراجعة ويعطلها وأن يتم هذا الحجر بيد دعاة الإقصاء الذين اقتنعوا بفشل الوصفة.

سبحان من جعل التغيير يبدأ بإقصاء الإسلاميين ثم جعل الشرط الوحيد لاستمراره ونجاحه هو إقصاء أهل الإقصاء لأنفسهم وإلا ضاعوا كلهم.

ما لم تحدث هذه المراجعة، ستبقى الساحة في هذه الملل وهذا التكرار مثل الأفلام القائمة على فكرة Time Loop والتي يعلق فيها الشخص في دوامة زمنية يجد نفسه يستيقط كل يوم لتتكرر أمامه ذات الأحداث.

وبعد فترة يكتشف الشاب العالق في الزمن أن هنالك نقطة في يومه هي التي دخل فيها الدوامة وعليه أن يبحث عنها فيجد نفسه يشك في عدد من النقاط ومنها غرفة مظلمة يخشى الدخول فيها كل يوم وهو خوف متكرر فيقرر التغلب على خوفه ويدخل الغرفة فتبدأ في الإرتجاج المخيف حوله ويسقط مغشيا عليه، ثم يفتح الباب ويخرج ويظن أنه لا يزال في الدوامة ليكتشف أنه أن جارته التي بدأ يحبها وكان يراها في الشارع ويقطف لها وردة ويقبلها ليست في مكانها فيهرع لبيتها فتفتح الباب وخلفها شاب مفتول العضل فتقول له، أين أنت لقد اختفيت شهرين وبحثت عنك وظننت أنك رحلت وتركتني ولم تخبرني.

تلك اللحظة – رغم الصدمة – يتأكد أنه خرج من الدوامة ويفرح، والفضل يرجع للتغلب على خوفه ودخول الغرفة المظلمة.

لن تكسر هذه الأحزاب والمجموعات الحلقة المفرغة التي أدخلت نفسها فيها إلا بالتغلب على الخوف والإطاحة بفكرة إقصاء الإسلاميين، وتبدأ يوما جديدا.

الغرفة المظلمة المخيفة هي الحوار العلني الصريح مع الاسلاميين دون حظر أو فرز بعضهم، وبغير اعتذار ولا تمويه، ومن أراد ان يخرج من الدوامة المكررة ويعود للحياة الطبيعية عليه بالدخول فيه.





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى