أخبار السودان

مشروع تسوية السودان: اعتراضات سياسية وتحفظ عسكري


يدفع مشروع الاتفاق المتبلور بين قوى “الحرية والتغيير” والجيش في السودان لإنهاء الأزمة، التي تعيشها البلاد منذ انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، إلى تعميق إضافي للخلافات بين مكوّنات المعارضة التي خرجت إلى الشوارع منذ أواخر العام 2018 لإسقاط نظام عمر البشير، قبل أن تنقسم إلى أطراف متعددة، ثم جاء انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان على الحكومة ليعيدها إلى الشارع بزخم كبير.

لكن الأمر لا يتوقف فقط عند الخلافات بين القوى السياسية، فحتى العسكر يقولون إن هناك “بنوداً عالقة” لم يتم التوصل إلى تفاهمات حولها، كما نقلت وكالة “رويترز” عن مصادر عسكرية سودانية، أول من أمس الأربعاء.

علماً أن الكثير من النقاط التي أُجّلت إلى المرحلة الثانية من التسوية (مرحلة الاتفاق النهائي) هي نقاط خلافية، منها العدالة الانتقالية وإصلاح الجيش وإكمال السلام، وقد تفجّر الاتفاق من أساسه في حال السير بها. وترفض أطياف من القوى السياسية، وأبرزها الحزب الشيوعي وبعض لجان المقاومة، مشروع الاتفاق الذي أعلنت “الحرية والتغيير”، يوم الأربعاء الماضي، إجازة تصوّر له تحت شعار إنهاء الانقسام وإكمال مهام ثورة ديسمبر.

ويقول الرافضون إن هذه التسوية المنتظرة لا تقدّم ضمانات كافية لعدم انقلاب العسكر عليها مرة جديدة، ولتحقيق مطالب الشعب ولا سيما العدالة الانتقالية وتقديم قتلة ضحايا الثورة للمحاكمة. ويراهن هؤلاء على الشارع لإسقاط الاتفاق الذي يرون أنه سيعيد إنتاج الأزمة، وسيكون تكراراً لسيناريو مجرب.

في المقابل، يشدد الطرف الآخر على أن الاتفاق الذي يجرى العمل عليه يتضمن المطالب التي تشكّل برنامج المرحلة الانتقالية، وفي مقدمتها الوصول إلى سلطة مدنية كاملة وعودة الجيش إلى الثكنات، مع إشارته إلى أن الفريق الآخر ليس موحداً ولا متفقاً على رؤية واحدة تجاه التسوية.

ويراهن هذا الفريق أيضاً على الدعم الدولي الذي تحظى بهذه العملية القائمة للتوصل إلى تفاهم، مع الإقرار بأن لا ضمانات حقيقية لعدم انقلاب المكون العسكري مجدداً على العملية السياسية.

أمام هذا الوضع، تبقى الكلمة النهائية للشارع السوداني تجاه أي تسوية يجرى السير بها، خصوصاً أن الزخم عاد لحراك هذا الشارع منذ ما بعد الذكرى السنوية الأولى لانقلاب 25 أكتوبر 2021، وفي ظل أوضاع اقتصادية خانقة قد تدفع السودانيين للنزول إلى الشارع بأعداد أكبر. لكن يبقى الترقب قائماً أيضاً لخطوة منفردة قد يقدم عليها العسكر، ويمكن أن تتمثل بإعلان حكومة تحت حجة عدم توافق القوى السياسية.
ترويج قرب التسوية في السودان

وأعلنت قوى “الحرية والتغيير”، الأول من امس الأربعاء، المضي بمشروع اتفاق إطاري لإنهاء الانقلاب وإقامة سلطة مدنية ديمقراطية، بعد قبول المكون العسكري بمشروع دستور قدّمته لجنة المحامين مسجلين ملاحظات عليه، مع التشديد على عدم التوقيع على أي اتفاق نهائي من دون موافقة جميع القوى الثورية في السودان عليه. ورجح القيادي في “الحرية والتغيير” ياسر عرمان، في مؤتمر صحافي الأربعاء، التوصل إلى اتفاق إطاري خلال 10 أيام، وأن تأخذ القضايا التفصيلية مدة شهر أو أكثر.

ويؤكد القيادي في “الحرية والتغيير” معز حضرة، في حديث مع “العربي الجديد”، أن التسوية في طريقها للإقرار بعد أن وافق العسكر على الخروج من العملية السياسية والرجوع للثكنات والقيام بمهامهم بحماية البلاد، وهو ما دفع للاتفاق على مسودة الدستور التي قدّمتها نقابة المحامين كي يحصل اتفاق إطار، وبعده اتفاق شامل بين كل القوى السياسية، معتبراً أن ما يحدث هو الانطلاق في مرحلة انتقالية تؤسس لحكم مدني كامل.

وعن الاعتراضات على هذه التسوية، يقول حضرة إن من الطبيعي أن يكون لبعض القوى السياسية رأيها المعارض، لكنه يؤكد أن غالبية القوى والأحزاب الكبيرة تؤيد هذا الاتفاق. ورداً على تحذيرات المعارضين من إمكان انقلاب العسكر على التسوية، يقول حضرة إن “كل شيء وارد، والعسكر غير مضمونين، ولكن لا يوجد طريق آخر، كما أن العسكر هم من طلبوا التفاوض ووافقوا على تشكيل حكومة مدنية، وسنرى في النهاية إن كانوا صادقين”، مشدداً على أن “الشارع السوداني هو الضامن لما يحدث في المستقبل”.

وعن إمكان خروج رافضي التسوية بتظاهرات، يقول حضرة إن “من حق الجميع التعبير عن نفسه سلمياً ولن يمنع أحد الرافضين عن ذلك، وفي النهاية ستنتصر إرادة الشعب”. ويرفض حضرة التوقعات بصعوبة تحقيق العدالة لضحايا الثورة خصوصاً لما تعنيه من ضرورة محاسبة قتلة المتظاهرين، مضيفاً أن “البلاد لن تستقر إذا لم تتحقق العدالة، لأن حقوق الضحايا لا يملك أحد التنازل عنها، والحديث عن إسقاط المحاسبة في الجرائم حق لا تملكه “الحرية والتغيير” ولا المكون العسكري”.

ويتابع: “نحن مع تحقيق العدالة ونطالب بتشكيل لجان تحقيق دولية بالأحداث منذ 30 يونيو/حزيران 2019، وهذه الجرائم لا تسقط بالتقادم”. وشهد يوم 30 يونيو 2019 مليونية خرج فيها المتظاهرون للاحتجاج على مجزرة فض اعتصام القيادة العامة مطلع الشهر نفسه.

لكن لعضو لجان المقاومة عمر زهران رأياً آخر، إذ يشدد في حديث مع “العربي الجديد” على أن اللجان ليست جزءاً من الاتفاق الذي يُعمل عليه، مضيفاً أن “لا رهان على الاتفاق بتحقيق انتقال ناجز للسلطة، لأن المكون العسكري يحمل النيات السابقة نفسها، وبالتالي فالقيادات العسكرية لا تزال تملك الوصاية على العملية السياسية”.

ويتابع أن مشروع الاتفاق لا يقدّم ضمانات كافية لعدم الانقلاب عليه وقد يبقى حبراً على ورق، مشيراً إلى أنه كانت هناك ضمانات من المجتمع الدولي سابقاً، ولكن تم الانقلاب عليها منذ 2019.

ويرى أن “أي اتفاق مع العسكر سيعني إعادة إنتاج الانقلابيين في صورة جديدة، ويعطي المزيد من الشرعية للمكون العسكري”، مضيفاً أن هذا المكون “مجرم بنظر الشعب، ويمكن أن يقفز على أي اتفاقات وتعهدات كما فعل سابقاً وقاد انقلاباً على الحكومة في 25 أكتوبر 2021”. ويعتبر أن “الاتفاق مع العسكر لن يُحدث فارقاً، بل سيكون تكراراً لسيناريو مجرَّب، ويخلق مخاوف من انقلاب جديد”.

 

وعن الخيارات التي يمكن أن يلجأ إليها رافضو الانقلاب في حال السير به، يقول زهران: “نحن مصرون على إسقاط الانقلاب بكل الوسائل السلمية، من إضرابات وتظاهرات وغيرها”. ويشدد على أن “الشعوب تظل قادرة على تحقيق ما تريده، وسيبقى الحراك مستمراً لتحقيق المطالب وعلى رأسها محاسبة من ارتبكوا الجرائم، وستتواصل المقاومة حتى عودة العسكر للثكنات وتقديم المجرمين للعدالة”.

كما يبرز الحزب الشيوعي على رأس رافضي الاتفاق. ويقول القيادي فيه كمال كرار، لـ”العربي الجديد”، إن الحزب ضد هذا النوع من التسويات “ونعتبره مؤامرة لقطع الطريق على الثورة”. وبرأيه فإن “هذا النوع من التآمر سيعيد إنتاج الأزمة نفسها القائمة، كما يحقق الأجندة الخارجية وهي الشراكة مع المكون العسكري المتورط في كافة الجرائم التي حصلت وفي الدم الذي سقط”.

ويقول كرار إن “قوى التسوية منقسمة على نفسها وهناك خلافات على المحاصصات”، معتبراً أنه حتى إن نجحت التسوية في تشكيل حكومة، فهي ستسقط كما حصل في انقلاب 25 أكتوبر 2021.

ويشدد كرار على أن “المقاومة الشعبية والرفض الواسع لهذه التسوية سيسقطان هذا النوع من التآمر”، لافتاً إلى أن “الأطراف التي تخرج إلى الشارع والفاعلة فيه هي بمعظمها ترفض التسوية”، متحدثاً عن أن “الزخم الشعبي في الشارع يتزايد كل يوم، كما أن الأزمة الاقتصادية تساهم في هذا الزخم، إضافة إلى حراك النقابات”.

 

وكان الحزب الشيوعي قد أصدر بياناً أمس، هاجم فيه من قال إنها “أحزاب حوار الوثبة، وهي جماعة الهبوط الناعم وإعادة انتخاب البشير 2020، والتي لطالما سخرت من الثوار وبخست نضالهم، وهي اضطرت للالتحاق بآخر عربة في قطار الثورة بعد أن أيقنت أن نظام البشير لا محالة ساقط”. وأضاف أن “جماعة الهبوط الناعم اختطفت قوى الحرية والتغيير وهمشت كل التنظيمات والقوى التي لا تتفق معها، فانسحب الحزب الشيوعي علناً بعد أن أيقن أن هذه المجموعة تستغل قوى الحرية والتغيير للانقلاب على الثورة”.

وهاجم “الحرية والتغيير” قائلاً إنها “بكل هذا السجل المخزي من العداء للثورة وقواها، تطالب الشيوعي بمد يده نحوها، وأيديها ملطخة بدماء شهداء الثورة”. وشدد على أن “شعبنا بكل قواه الثورية، بما فيهم الحزب الشيوعي، قد تجاوزوا هؤلاء الانتهازيين الذين يسعون وبقوة لاستعادة امتيازاتهم ووضعهم قبل الانقلاب، وذلك عبر التسوية المفروضة خارجياً”.
بحث عن قاعدة شعبية للتسوية في السودان

وعلى الرغم من هذا التصعيد ضد الاتفاق من قِبل القوى الرافضة له، فإن المحلل السياسي السوداني عبد الله رزق يقول إن “هناك عاملين راهناً يعطيان فرصة لنجاح التسوية، الأول تشرذم القوى الثورية التي تطرح بديل إسقاط النظام، وهو ما تتعثر فرص تحقيقه، أما الثاني فهو أن التسوية كسبت جمهوراً وتأييداً داخل “الحرية والتغيير” وغيرها، وبالتالي باتت نقاط الاختلاف محدودة وفرص التسوية كبيرة خصوصاً مع الدعم الدولي لها”.

ويشرح أن مسودة الاتفاق حسب المعلن من “الحرية والتغيير”، تشير إلى أن إطار الاتفاق يتضمن جملة من المطالب التي تشكل برنامج المرحلة الانتقالية، وفي مقدمتها السلطة المدنية الكاملة وعودة الجيش إلى الثكنات وإقرار مبدأ الإفلات من العقاب وغيرها، مضيفاً أن القائمين على التسوية من “الحرية والتغيير” يبشرون بأن المطالب مضمّنة في الاتفاق الإطاري، معتبراً أنه يمكن تأمين قاعدة شعبية عريضة للتسوية، ومن دون هذه القاعدة، لن يستمر أي اتفاق.

لكن رزق يؤكد أن “لا ضمانات، في أي بلد يشهد حركة نشطة للانقلابات، بعدم وقوع انقلاب عسكري في وقت لاحق”، معتبراً أن المطالبة بضمانات ليس هناك ما يبررها، فالضمانة الأساسية لأي اتفاق هي القوى الموقّعة عليه والقوى الشعبية.

وعن الاعتراضات على الاتفاق، يقول إن لجان المقاومة ليست موحدة، ولا متفقة كلياً على الموقف من التسوية، وبالتالي فإن الحديث عن أن لجان المقاومة ترفض الاتفاق يعبّر عن قسم من هذه اللجان، فيما هناك قسم آخر له رأي مختلف، مشيراً إلى أن القوى التي تعمل على الاتفاق حريصة على كسب جزء من لجان المقاومة إلى جانبها.

لكن للقيادي السابق في الجيش السوداني، الفريق فتح الرحمن محي الدين، رأياً مغايراً، إذ يعتبر في حديث مع “العربي الجديد” أن التسوية باتت بعيدة المنال بعد المؤتمر الصحافي الذي عقده المجلس المركزي لـ”الحرية والتغيير” يوم الأربعاء، موضحاً أنه لم يحصل اتفاق إطاري، بل تفاهمات بين المكون العسكري وجزء من “الحرية والتغيير” حول بعض بنود الدستور المقدّم من نقابة المحامين، وجرى تعديل بعض النقاط التي يرى العسكر أنها ضرورية للحفاظ على وحدة السودان.

ويوضح أنه كان يفترض على قوى “الحرية والتغيير” أن تتجه إلى باقي المكونات السياسية والكتل بالوثيقة للحصول على توافق حولها، لكن “الحرية والتغيير” لم تفعل ذلك وقالت إنها وقّعت اتفاقاً إطارياً مع العسكر، وهو أمر غير صحيح.

ويتهم “الحرية والتغيير” بادعاء أشياء غير صحيحة لكسب الشارع الرافض أي اتفاق مع المكون العسكري، لكن هذا المكون يرفض أي تسوية ثنائية، وفق محي الدين. ويضيف أن قوى “الحرية والتغيير” تلهث وراء المناصب وتريد تمرير قراراتها في السلطة من دون الأحزاب الأخرى، بعدما كان الحديث منذ 25 أكتوبر 2021 عن ضرورة تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة.

ويعرب عن أسفه لدعم الرباعية الدولية (الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات)، إضافة للمبعوث الأممي إلى الخرطوم فولكر بيرتس، عودةَ “الحرية والتغيير” إلى السلطة وحدها، لكنه يشدد على أنه لا يمكن لا للرباعية ولا لبيرتس تمرير أجندات غصباً عن إرادة الشعب السوداني، متوقعاً بالتالي ألا تتم التسوية بهذا الشكل.

وعن الخيارات المطروحة، يقول إن أمام العسكر خيار تعيين حكومة كفاءات مستقلة تقوم باستكمال عملية السلام وتوفير الأمن والتحضير لانتخابات بعد سنتين على أبعد تقدير، معتبراً أن هذا الخيار لا يرضي الكثير من السفارات. ويكشف أن هذه الفكرة مطروحة منذ العام الماضي، لكن المكون العسكري كان ينتظر حصول توافق بين معظم القوى السياسية، مضيفاً أنه في حال لم يحصل توافق حتى نهاية العام، فقد يمضي المكون العسكري نحو الحل منفرداً بعد أن يكون قد انتظر نحو عام ونصف.



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى