المقالات

محجوب مدني محوب: ما بين الطبيب والصحفي


شبه كبير في الأداء الوظيفي الذي يقوم به كل من الطبيب والصحفي، فالطبيب يقوم بعمل إنساني شريف لا ينبغي أن يكون هدفه الأساسي منه الكسب المادي، وكذلك الصحفي، والطبيب يرجى منه المساهمة في إزالة مرض الإنسان وكذلك الصحفي يرجى منه المساهمة في إزالة أزمات الدولة، والطبيب يسعى لتشخيص المرض، وكذلك الصحفي يسعى لتشخيص الأزمة، والطبيب يضع يده على الجرح، وكذلك الصحفي يضع يده على الأزمة، والطبيب يبحث عن علاج للمرض بعد تحديده وكذلك الصحفي يسعى لحل الأزمة بعد تحديدها، والطبيب يصف العلاج ويحدد الدواء، وكذلك الصحفي يصف الأزمة ويحدد العلاج.

فإن كان كل هذا الشبه بين الطبيب والصحفي فما الفرق بينهما؟

الطبيب مجاله جسم الإنسان بكل أجهزته الهضمي والتنفسي والنفسي، والصحفي مجاله الدولة بكل أجزائها التشريعية والتنفيذية والقضائية.

الطبيب لا بد أن يضع علاجه حسب كل جهاز من أجهزة الجسم، وكذلك الصحفي لا بد أن يربط كل أزمة بجزئها الخاص بها في الدولة.

فالطبيب إذا تخصص في الباطنية وزاره مريض في العظام، فلا بد أن يحوله مباشرة إلى أخصائي العظام.

وكذلك الصحفي فإن كانت الأزمة خاصة بالتشريع لا بد أن يطرحها في إطارها وكذلك إن كانت تتفيذية.

والسؤال:

لماذا لا يتناول الصحفي أزمات الدولة بنفس ما يتناول الطبيب أزمات مريضه؟

لماذا لا يعتبر الصحفي أن الأزمة إن كانت تشريعية، فلا بد أن تحل تشريعيا، وإن كانت تنفيذية فلا بد أن تحل كذلك؟

لماذا يصر الصحفي أن تحل الأزمة بواسطة الجهاز التنفيذي وهي خاصة بالقضاء مثلا.

فإن كان ذلك بسبب جهل منه بعدم مقدرته على تصنيف الأزمة لسهل الأمر.

لكن الذي يقدح في مهنية وأداء الصحفي هو تعمده في تحويل الأزمة التنفيذية إلى أزمة قضائية وتحويل التنفيذية إلى قضائية بسبب وقوفه مع جهة ما وبسبب إخفاء عيب ما وبسبب مهاجمة جهة ما.

فمثلا إن كانت الأزمة تتعلق بالجهاز التشريعي، ولتكن وضع الدستور، فبدلا من إلقاء المسؤولية على المسؤولين من الجهاز التشريعي يحول الصحفي المسؤولية للجهاز التنفيذي الذي هو مهمته تنفيذ الدستور لا وضعه، وهذا التحويل المتعمد من قبل الصحفي سببه أنه لا يريد أن يبرز سوءة الجهاز التشريعي إذ أن إبراز سوءته تعني إبراز سوءة من يقف معه ومن يسانده أما إذا حول أزمة الدستور إلى الجهاز التنفيذي فهو بذلك سيحصل على فائدتين:.

الأولى: سيلقي المسؤولية على جهة يسعى لمهاجمتها ويسعى لإثبات تقصيرها وعدم كفاءتها.

الثانية: يبعد المسؤولية من الجهة التي يساندها ويدعمها ويريدها أن تتصدر المشهد السياسي.

فهنا يظهر الفرق بين الطبيب والصحفي، فإن جاء مريض لطبيب أخصائي العيون، وهو يشكي من بطنه، فلن يتحرج الطبيب في تحويل هذا المريض إلى طبيب الباطنية.

أما على صعيد الدولة فإذا جاءت أزمة تتعلق بالأمن مثلا، فبدلا من أن يحول الصحفي النزيه هذه المسؤولية للجهاز الخاص بالأمن في الدولة لا يفعل ذلك؛ لأنه سوف يوجه التقصير والخطأ لمن يقف معه ولمن يسانده، وحتى يبعد عنه الخطأ يقوم بمهاجمة الجهاز التتفيذي مثلا أو أي جهاز آخر بعيد عمن يدعمه ويسانده.

وبناء على أسلوبه هذا في تناول القضايا بحيث يلبسها لمن يعاديه ويبعدها عمن يسانده لا يقوم بتناول القضايا حسب أهميتها في الساحة، وإنما يقوم بحسب قربها وبعدها عمن يسانده، فإن كانت القضية بعيدة عمن يسانده يتفنن في إبراز خطرها وعظم خيانة من قام بها.

وإن كانت القضية قريبة ممن يسانده ويدعمه يقلل من خطورتها ولا يقوم حتى بذكرها.

ينبغي على الصحفي إن كان مهنيا حقا أن يوزع القضايا والأحداث حسب أهميتها لا حسب قربها وبعدها عمن يسانده.

وينبغي أن يطرح الأزمات حسب الجهات المسؤولة عنها لا حسب الجهات التي يسعى لتوريطها وإدانتها.

إذا تعامل الصحفي مع الأزمات مثل الطبيب بحيث يضع كل أزمة مع من يتخصص فيها ويبين مسؤولية أي خلل حسب الجهة المسؤولة عنها، فالخطر الذي نجم عن التخدير مثلا لا يلصقه بعينة المختبر، فإذا حقق مثل ذلك في المجال الصحفي، فسوف يقوم كل صحفي بواجبه تجاه الوطن، وسوف يثمر أي عمل يقوم به، وبالتالي يدعم العمل السياسي بكل فروعه وأزماته.

أما إذا تناول القضايا حسب هواه وحسب من يسنده ومن يعاديه، فحينئذ سيخسر الجانبين سيخسر الوطن وسيخسر من يسانده، فهو لن يستطيع أن يزيل عنه الخطأ الذي ارتكبه بإبعاده عنه، ولن يستطيع أن يبصره بالخطأ الذي قام به ليزيله.





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى