المقالات

محجوب مدني محجوب يكتب: المشادات الكلامية بين خالد سلك وأردول ظاهرة صحية


كل مهارة تحتاج إلى ميدان من أجل التدريب عليها وإتقانها، فمهارة السباحة مثلا تحتاج إلى مسبح حتى يتم التدريب عليها، فلا أحد يقول أن السباحة يتم التدريب عليها على ميدان كرة قدم .

لذلك من ينظر إلى المشادات الكلامية من حيث القضية التي تناقشها أو من حيث الأحداث التي تتناولها أو حتى من حيث نتائجها، فهذه النظرة سطحية بكل المقاييس.

لا يمكن إتقان العمل السياسي وإجادة تطبيقه ومحاسبة ومراقبة من يعمل فيه إلا من خلال الممارسة السياسية مثل التي حدثت بين خالد سلك وزير شؤون مجلس الوزراء إبان حكومة الثورة ومبارك أردول المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية قبل يومين والتي كانت حول نزاهة ومهنية العمل الحكومي .

إذ لا يمكن إتقان الممارسة السياسية من خلال الغرف المغلقة أو من خلال المعسكرات المقفولة، فمثل هذه الميادين السرية لن تفرخ سوى الأنظمة الديكتاتورية، ولن تفرخ سوى الطغاة، ولن تفرخ سوى السذج والسطحيين.

ولا ندري من أين جاء المفهوم الذي يعتقد بأن مناقشة القضايا المختلف حولها على الملأ يعني الضعف، ويعني عدم الوصول للحقائق بالرغم من أن هذا المفهوم طبقه أنبياء الله عليهم السلام، فرسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه لم يكن يناقش قضايا الدولة بطريقة سرية كما لم يكن يفرض الآراء فرضا بل كان يناقش أصحابه في كل الأمور الاجتهادية أو المختلف حولها.

يفعل ذلك عليه الصلاة والسلام بالرغم من أن الرأي الصائب كان بيده عليه السلام، وبالرغم من أن هذا الأسلوب يستغله المنافقون في بث آرائهم وأفكارهم المسمومة، وقد ينجحون في ذلك في كثير من المواقف لكن رغم ذلك ظل هذا هو الأسلوب الذي يتعامل به رسولنا الكريم مع كل القضايا المختلف حولها، فكان نتيجة هذا الأسلوب هو تدريب الصحابة على إدارة الأمور وكيفية حلها، فما أن توفي رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه حتى اختلف الصحابة رضوان الله عليهم كأمر طبيعي في كثير من القضايا، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يعدهم ويجزهم لهذا اليوم، ومن ذلك اختلافهم في حفظ القرآن الكريم مكتوبا حتى لا يترك محفوظا شفاهة، فما أن تناقشوا وتحاوروا إلا ووصلوا إلى الرأي الصائب في حفظ القرآن الكريم مكتوبا الأمر الذي استفاد منه المسلمون أيما فائدة، وكان سببا في حفظ القرآن الكريم إلى قيام الساعة.

أما من يقول أن مشادات خالد سلك وأردول لم تسفر عن حقائق، وإنما مجرد اتهامات يلقيها كل واحد على الآخر، فهذا بسبب أن هذه الممارسة ما زالت في بداياتها، وحتى تنضج وتثمر وتكون فعالة لا يتم ذلك برفضها ومهاجمتها ومنعها وكبتها، وإنما بتشجيعها والتأكيد عليها بمزيد من النقاشات وبمزيد من الحوارات، وعلى الهواء الطلق، فلن يستفيد بذلك من يدير النقاش فقط بل حتى من يتابعه ويتفهمه سوف يساهم في إتقانه ومعالجة ثغراته.

كما أن التستر على هذه القضايا قد يعمل على التشجيع على ممارستها حيث يكون صاحبها مطمئنا بأنه لن يكتشف أمره ولم يعرفه أحد وبالتالي لن يفضح.

أما نشرها على الملأ سوف يعمل على قضائها، وحتى تكون النقاشات والحوارات مثمرة وبناءة وعملية تحتاج لترتيب وتنظيم بل وحماية حتى لا تصبح بعبعا يعاقب كل من يمارسها.

إن عدم إتقان المتحاورين اليوم لهذا النقد الذي يتعلق بالعمل الحكومي، وعدم خروجهم منه بفائدة ملموسة ليس بسبب أن هذا الأسلوب عقيم، وإنما بسبب أنه لم يكن مفعلا في السابق إذ أن حكم الفرد والديكتاتوريات ساهمت في ضعفه وهوانه وعدم حرفيته ومهنيته.

ومن يريد أن يتعرف على سلبيات غياب هذا الأسلوب من العمل السياسي، فلينظر إلى إدارة كوادر حزب المؤتمر الوطني لأزمة سقوط الإنقاذ أو لتعاملها مع الثورة يجدها قمة في الضحالة والسطحية، وما ذلك إلا بسبب أن معالجات الحزب للأزمات كانت تأتي لأعضاء الحزب معلبة جاهزة، وما عليهم إلا أن يقبلوا بها وينفذوها حيث هناك مصدر تخرج منه هذه الأفكار الجاهزة، ولا يستطيع أحد أن يعترض عليها بل لا يفكر حتى في ذلك إذ كيف يفكر في قرار خرج من المكتب السياسي للحزب؟!

أما من يثبت اعتراضه على قرارات الحزب، فسوف تلقى عليه كمية من أسهم الاتهامات، وطبعا هذه الأسهم يفرح بها أولئك المتسلقون والمطبلون وأصحاب المصالح، فيتلقفونها ويسهمون في نشرها وتثبيتها، فمرة يطلق على من يعترض ويناقش على الأداء الحكومي بأنه شاق للصف أو أنه ينتمي لجهة ما بعينها أو أنه مدسوس، فإن لم يجدوا تهمة يلصقونها به يقولون عن اعتراضاته التي تنادي بتجويد العملية السياسية وبمحاسبة المقصرين بأنها مثالية أو خيالية ويالتالي فهي تغرد خارج السرب، فكلما اعترض على خطأ أو تجاوز في العمل الحكومي تناولوا اعتراضه بهذا الاستخفاف بغرض تمرير سياساتهم الفجة.

وهكذا يجد الحزب أو الكيان السياسي نفسه بعيدا كل البعد عن مناقشة القضايا وطرحها والتشاور فيها، وهذا الأسلوب يعمل على نمو وازدياد الطفليين والنفعيين، وفي المقابل يعمل على تجفيف من يؤمنون بالفكرة، ويخلصون لها حتى حينما حان يوم السقوط وجد الحزب نفسه متفرجا وعاجزا على إزالته أو تصويب أخطائه.

إنها حقائق تتكرر في كل حقبة من حقب التاريخ لكن حب السلطة وشهوة التملك تعمي البصر والبصائر.

فلا تندهشوا ياسادة من مثل مشادات خالد سلك ومبارك أردول كمسؤولين سياسيين، فهذه هي بمثابة الميدان الذي تصقل من خلاله التجارب السياسية، وهي بمثابة الميدان التي من خلالها تتخرج الكوادر والقيادات السياسية، فسوف يذهب المتحاوران وتبقى الدروس.

إن تناول هذه المشادات بشكل صحيح والعمل على تجويدها وتطويرها سوف يسهم بصورة إيجابية في الإجابة على السؤال:

كيف نحكم السودان؟

هذا السؤال الذي ظل عصيا على الإجابة منذ الاستقلال.





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى