المقالات

محجوب مدني محجوب يكتب: الثابت والمتحرك في العمل السياسي


بقلم: محجوب مدني محجوب

إن الخلط بين الثابت والمتحرك في العمل السياسي لدى الحزب الواحد بحيث يتم الإصرار على جعل المتحرك ثابتا ما سببه؟
هل سببه التعصب؟
هل سببه المكابرة؟
لماذا لا نميز بين الثابت والمتحرك في العمل السياسي؟
فنجعل الثابت كما هو وكذلك المتحرك.
إن الثابت لدى أي حزب هو مبادئه وأهدافه في العمل السياسي، ففي كل مرحلة من مراحل الحزب سواء كان حكومة أو معارضة أو ضمن حليف لمجموعة من الأحزاب السياسية فإن مبادئ حزبه واهدافه من الممارسة السياسية ستظل ثابتة لا تتغير.
أما المتحرك من الحزب فهو تجربته، فتجربة الحزب في تحرك مستمر سواء من حيث زمانها او من حيث فعلها.
فكل زمان له تصور وفهم معين يختلف عن غيره من الأزمان.
كما أن تقييم فعل معين ومدى فاعليته يرتبط كذلك بظروفه، فما أن تزول الظروف أو تتغير ينبغي مباشرة أن تتغير النظرة تجاه هذا الفعل.
ليس عيبا إطلاقا مهاجمة المتحرك من الحزب وهو الخاص بتجربة الحزب.
ليس عيبا إطلاقا التخلي عن تجربة مر بها الحزب من أجل السعي لإيجاد بديل لها.
ليس عيبا إطلاقا تغيير عوامل تحريك العملية السياسية، فمتى كانت هذه العوامل فاعلة بالأمس، فليس بالضرورة أن تكون فاعلة اليوم والعكس صحيح، فمتى كانت غائبة بالأمس فقد تكون فاعلة اليوم.
لماذا الإصرار على أفعال لم تستطع أن تستكمل المشوار، وذلك بغض النظر عن الأسباب التي اقعدتها عن السير، فلا فرق سواء كانت هذه الأسباب داخلية أو خارجية أو من أي نوع  كانت هذه الأسباب.
المهم في الأمر أن التجربة توقفت عن السير، وعجزت عن التكملة.
وبهذا التوقف ظهرت ظروف مختلفة وأزمان مختلفة قطعا غيرت من المشهد السياسي برمته، وبالتالي فليس هناك أدنى دافع للتمسك والإصرار على مواقف قديمة مقابل مستجدات بالساحة السياسية.
ما المانع أن يغير الحزب تجربته السابقة بالكامل بتجرية جديدة تستصحب معها كل المستجدات بالساحة؟
بل ما المانع أن يذهب إلى أبعد من مجرد التغيير، فيقوم باستنكار تجربته السابقة على الملأ ما دام هو متمسكا بمبادئه وأهدافه؟
فالمتحرك لا يؤثر على ثوابت الحزب إطلاقا بحيث يغير ويغير الحزب في تجربته مع الاحتفاظ الكامل بثوابته.
الأشخاص والأحداث ينتمون لمتغير الحزب بينما ثوابت الحزب فتتلخص في مبادئ وأهداف الحزب.
فالعلاقة بين الثابت والمتحرك في الحزب تشبه تماما علاقة الماء  بالنهر.
فماء النهر في تغير مستمر في حين يظل النهر محافظا على اسمه ومجراه.
تتغير مياه النهر تماما خلال وقت وجيز بسبب جريانه، ولا أحد يجرؤ على تغيير اسمه أو مجراه.
فالماء متغير ومجرى النهر ثابت.
كذلك الحزب أفعاله وأشخاصه في تغير دائم بينما مبادئه وأهدافه ثابتة.
لا ينبغي أن يتحرج الحزب إطلاقا في إبعاد أو حتى مهاجمة أفعاله مادام محافظا على مبادئه وأهدافه.
هذه العلاقة بين متحرك الحزب وثوابته تحتمها ظروف وطبيعة كل مرحلة يمر بها العمل السياسي.
فالعمل السياسي لا يختلف حوله اثنان في كونه يسعى لتثبيت مفاهيم ورؤى جديدة تعمل على تشكيله وتأسيسه، ومن هنا فسوف لن يكون لعناصر التجربة السابقة أهمية بقدر ما تكون لأهمية عناصر اليوم.
فإن كانت عناصر التجربة السابقة تتلخص في مؤسسات ورموز النظام السابق.
وعناصر اليوم تتلخص في ثورة الشباب وسعيها المحفوف بالموت في حراك الشارع من أجل التغيير.
فالجانب المتحرك من كل حزب ينبغي أن يشير مباشرة إلى احتواء هؤلاء الشباب والاستماع إلى ندائهم وبذل كل الجهد للتنسيق والعمل بهم.
ما المانع من ذلك؟
هل الشارع ملك لأحد؟
هل الثوابت سوف تتغير إن تخلى حزب عن تجربة سابقة؟
كلا.
فما هي الأسباب التي تجعل حزبا ما يتمسك بتجربة عفا عليها الزمن؟
هل السبب هو جمود الأحزاب؟
أم هو غياب كوادر لهذه الأحزاب بحيث تفتقر لمن يتفاعل مع الواقع السياسي؟
أم هو خلل في التمييز يين الثابت والمتحرك لكل حزب؟
فحتى يحافظ النهر على صفائه وبهائه، فلا بد من جريان مياهه.
ثبوت مياهه يجعله يصاب بالمرض وبالتبخر وبالجفاف وبكل عوامل المناخ التي تعمل على القضاء عليه.
فيا أيتها الأحزاب اجعلوا من صفات أفعالكم الجريان لا تجعلوها ثابتة راكدة.
فقطعا ظروف ثورة ١٩ ديسمر ٢٠١٨م تختلف عن جميع الأحداث السابقة.
وقطعا ظروف حكومة الخامس والعشرين من أكتوبر تختلف عن الظروف التي قبلها.
وقطعا تجديد فترة مكون بعثة الأمم المتحدة الخاصة بالأزمة السياسية السودانية بغض النظر عن كونه تمديد ضعيف أو قوي، فهو يجعل المشهد السياسي مختلفا.
تصريحات رئيس البعثة فولكر بريتس والتي تكشف مواطن الضعف والقوة لدى كل طرف من أطراف الصراع السياسي.
كل هذه التغييرات ينبغي أن يتم التفاعل معها بالكامل مع ملاحظة عدم التفريط إطلاقا، وتحت أي ظرف في ثوابت الحزب ومبادئه.
إن قيم الحرية والسلام والعدالة ثوابت كل حزب ينبغي أن تتم مقابلتها بتغييرات مع كل تصريح لفولكر مع كل خطاب لمجلس السيادة مع كل طلقة وجهت نحو متظاهر أردته شهيدا مع كل إجراء قامت به حكومة الخامس والعشرين من أكتوبر سواء كان سياسيا أو خارجيا أو اقتصاديا.
كل هذه التغييرات ينبغي أن تكون ماثلة أمام كل حزب يطرح عبرها مبادئه وأهدافه التي لا يعتريها أي تغيير.
أما أن يتمسك الحزب ويظل يدافع عن تجربة سابقة ويظل يطرح ذات الشخصيات التي نفذت التجربة، فهذا أشبه بمن يريد أن يمسك ماء النهر ويمنعه من الجريان، فهو فضلا من كونه لا يستفيد من ذلك، فإن الفعل نفسه استحالة أن يتحقق.
فيا أيتها الأحزاب السودانية والكيانات السياسية ألا فاعلموا أن لكل مرحلة من مراحل العمل السياسي تفكير مختلف وفعل مغاير رغم ثبات المبادئ والأهداف.

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف محجوب مدني محجوب يكتب: الثابت والمتحرك في العمل السياسي





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى