أخبار السودان

متحركاً من (حطاب) إلى (المرخيات) مم يخشى (الجنرال)؟


تقرير: محمد عبد الحميد

قال القائد الفِرنسي نابُليون بونابرت: (إنني أُلقي بنفسي وسط المآزق، ثم أفكر بعد ذلك في إيجاد الحلول).
كما لمؤسس النازية في ألمانيا أدولف هتلر مقولة (القوة لا تكمن في الدفاع ولكن في الهجوم.. المنتصر لن يُسأل عما إذا كان يقول الحقيقة).
استحضرتني المقولتان عقب سماعي التصريحات النارية التي قذف بها رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان القائد العام للقوات المسلحة، في وجه كل القوى السياسية يمينها ويسارها محذراً من مغبة التدخل بعمل هدام في الجيش، فيما خصّ الجنرال (الساخط) بتحذيراته الحركة الإسلامية وأحزاب (المؤتمر الوطني والشيوعي والبعث)، وذلك إبان زيارته لقاعدة حطاب العسكرية في السادس من نوفمبر وقيادة القوات الخاصة بالمرخيات في (13) نوفمبر الحالي.
قتامة المشهد
سوداوية وتعقيدات وقتامة في المشهد السياسي السوداني المُربك، عبرت عنها بوضوح شديد خطابات الرئيس البرهان أثناء زيارته لقاعدة حطاب العسكرية وقيادة القوات الخاصة بمنطقة المرخيات بأم درمان، والتي يبدو أنها ــ بحسب مراقبين ــ جولتان من ضمن عدة جولات للتعبئة وتوضيح الأمور المتعلقة بالتسوية المزمعة مع المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، والتهدئة كذلك التي ربما سيقوم بها الرئيس تباعاً لعدد من أفرع القوات المسلحة وقوات الشرطة وجهاز المخابرات العامة والدعم السريع في مقبل الأيام.
ويدعونا كل ذلك لطرح تساؤلاتنا حول مواقيت تلك التصريحات والمغزى؟ وهل يخشى البرهان الإطاحة به؟ وما أسباب ودواعي تنصله عن اتفاق التسوية الثنائية مع الحرية والتغيير إذا كان ذلك صحيحاً؟ وهل نتوقع انفراجاً وتوافقاً سياسياً شاملاً ينهي الأزمة في القريب العاجل؟ أم سيشكل البرهان ــ حسب قوله ــ حكومةً أحادية من جانبه حال فشل التوافق؟
رد فعل
أستاذ العلاقات الدولية بروفيسور حسن الساعوري أكد في حديثه لـ (الانتباهة)، أمس، أنه من الواضح جداً وجود اتفاق ما بين رئيس مجلس السيادة البرهان و (قحت)، مشيراً إلى أنّ ذلك الاتفاق أحدث ردة فعل عنيفة من الآخرين ومن شركاء البرهان في قوى الكفاح المسلح. ولفت إلى أنّ خطاب قاعدة حطاب العسكرية تحديداً كان رد فعل الإسلاميين تجاهه عنيفاً جداً، لذلك جاء الموكب الثاني الذي أسكت الآخرين، حسب قوله.
وقبيل أيامٍ كشفت الآلية الثلاثية (الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وإيقاد) في السودان، عن التوصل لتفاهمات بين المكونين العسكري والمدني في البلاد. وأفادت الآلية الثلاثية في بيان بأنها تسلمت تعديلاتٍ من مجلس السيادة العسكري تعكس تفاهمات مع المدنيين، مشيرةً إلى أنها ستدعو لمحادثاتٍ مباشرة وغير مباشرة بين المكونين العسكري والمدني، كما قالت في البيان إنها تسلمت قبل أسبوعين وثيقةً من القيادة العسكرية تتضمن تعليقاتهم وتعديلاتهم على مسودة الوثيقة الدستورية التي أعدتها اللجنة التسييرية لنقابة المحامين السودانيين.
تحذير
وهذا ما أكده البرهان أثناء مخاطبته القوات الخاصة بمنطقة المرخيات، في (13) نوفمبر الجاري، بأنه لا توجد تسوية ثنائية، وأن هناك ورقة قدمت وعمل الجيش عليها ملاحظات تحفظ للجيش قوته ووحدته، محذراً في الوقت نفسه من أن أي شخص يتحدث عن الجيش (فهو عدو لنا). وأضاف البرهان أن الجيش يريد توافقاً تحميه القوات المسلحة ومدنية يحرسها الجيش، (ويريد حكومة مدنية نحميها ونقف إلى جانبها وتبتعد عن المحاصصة)، مبدياً تمنيه تشكيل حكومة غير حزبية.
وفي المقابل كان لأستاذ العلاقات الدولية بروفيسور صلاح الدين الدومة رأي مغاير بشأن تصريحات البرهان الأخيرة التي وصفها بالمضطربة وغير المتزنة، معتبراً إياها نتيجة طبيعية للضغوط والتكالب عليه. وأكد الدومة أن الرئيس البرهان يخشى كذلك من حدوث التغيير، مشيراً الى أن عدة جهات تحدثت عن سوء أداء الحكومة الحالية. أما بروفيسور الساعوري فقد عاد ونبّه إلى أنّ التسوية المزعمة لن تتم، قائلاً إن تصريحات البرهان ضد الإسلاميين وحزب المؤتمر الوطني الغرض منها نفي تحيزه للإسلاميين والمؤتمر الوطني.
ضغوط الخارج
وواصل الساعوري مؤكداً أن حديث البرهان عن الإسلاميين كذلك كان استجابةً لضغوطٍ خارجية اتهمته بموالاتهم، وهي في الغالب (الرباعية الدولية). وفي حين حرك الخطاب الموكب الثاني لرافضي الاتفاق الثنائي، اضطر البرهان ليبعث عقبه برسائل جديدة من قيادة القوات الخاصة بالمرخيات أشرك فيها الحزبين الشيوعي والبعث بجانب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية في اتهاماته، لكن الساعوري أكد أنّ في الأمر حقائق باستحالة إعلان التسوية، والأمر الآخر فيه مناورة.
ورئيس مجلس السيادة قال في التصريحات إن الجيش يعد الشعب السوداني بأنه معه حتى ينال مبتغاه من أجل تغيير حقيقي، وأضاف قائلاً: (نعد الشعب بأننا في صفه، وكل شيء يحول دون تحقيق تطلعاته لن نقف معه، وسينال مبتغاه وما خرج من أجله.. من أجل تغيير حقيقي وليس مصطنعاً).
الساعوري من جهته أوضح أنّ استراتيجية لجان المقاومة و (قحت) المجلس المركزي هي عدم التوصل لاتفاق أو توافق واستمرار الفترة الانتقالية لأطول مدة ممكنة، بسبب اهتزاز ثقتهم في صناديق الاقتراع لأن الشعب لن يأتي بهم.
حل أمريكي
وألمح الساعوري لعدم رضاء الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية عما يحدث، لأن ذلك يتضارب مع مصالحهما في السودان بجانب دوامة عدم وجود حكومة. لكن بروفيسور الدومة يؤكد في حديثه لـ (الانتباهة) أن الحل في هذا الصراع السياسي سيكون أمريكياً وبشروطٍ مكتوبة وسيتم فرضه على الجميع، ولكن عبر المكونات الدولية ورئيس البعثة الأممية في السودان فولكر بيرتس وليس بطريقةٍ مباشرة، مشيراً إلى أن اتفاقيات عدة صُنعت بترتيب أمريكي وألماني عالٍ جداً.
وجزم الدومة بأن الاتفاقية ماضية، لكن البرهان يتقدم خطوتين إلى الأمام ويعود بعشر خطواتٍ إلى الخلف عند ظهور المؤتمر الوطني في الصورة. وأكد أنه بالفعل شكل حكومة وهي الموجودة الآن التي كانت نتيجة عملها صفراً وفشلت.
وفي غضون ذلك أشار بروف الساعوري إلى أن الرأي العام في الشارع الآن يقول بوجوب حدوث تغيير لحسم الفوضى الأمنية، ولأن السلام الاجتماعي في طريقه للانهيار وهو أهم من الدستور، وقد ظهرت مجموعات وتنظيمات عسكرية في الشمال والوسط، مؤكداً أنه يجب أن يحدث التغيير لأن البرهان يتفرج على الانحدار إلى القاع.
التغيير
ويرى مراقبون أنّ ثمة تغييرات حقيقية في المشهد السياسي عكستها تصريحات رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، وأشاروا لتنسيق بينه وبين قوى أخرى حول تحديات ومتطلبات المرحلة الانتقالية، لأن الحديث هذه المرة كان بصورة واضحة وقاطعة، وقال خلالها إن قيادات قوى الحرية والتغيير أعلنت عدم مشاركتها في الحكومة القادمة التي من المتوقع أن يتم تشكيلها قبل نهاية العام الحالي.
لكن أستاذ العلاقات الدولية الساعوري يشير لظهور تيار قوي يرى ضرورة التغيير، وأضاف قائلاً: (يا البرهان يعمل التغيير يا يجي زول تاني يعملو). وأشار الساعوري إلى أن قوى الكفاح المسلح التي تعارض الاتفاق الثنائي لن تكتمل التسوية بدونها، لأن اتفاق سلام جوبا فوق الدستور، مع احتمالية وقوع حرب أهلية في الخرطوم حال تم إعلان وتنفيذ اتفاق ليسوا ضمنه.
وترفض قوى التوافق الوطني بالحرية والتغيير مجرد الحديث عن تسوية سياسية ثنائية يتم استبعادهم منها، في وقت أطلقت فيه بعض التهديدات بأن أية خيارات غير مقبولة، ومن بينها إلغاء اتفاق سلام جوبا الذي قد يجر إلى حرب هذه المرة ــ بحسب محللين ــ ستكون داخل العاصمة الخرطوم.
لا تسويات
ومن جانبه ذهب الساعوري إلى أنه لا يتوقع حدوث تسوياتٍ بسهولة، أو ربما يحصل شيء غير متوقع، وأنه من المفترض أن يتم التوافق بين القيادات والصفوة السياسية أولاً وهي بدورها تقنع قواعدها، بينما لفت إلى أن ظهور حزب المؤتمر الوطني سيعقد المشهد، لأنهم أصبحوا كرتاً مما يزيد صعوبة التوافق.
البرهان خلال زيارة تفقدية لقاعدة حطاب العسكرية شمال شرقي العاصمة الخرطوم شدد على أهمية الحوار بين كافة الأفرقاء في البلاد، إلا أنه أشار إلى أن الجيش لن يقف متفرجاً على انهيار البلاد بينما تستمر القوى السياسية في حواراتها، وأكد أن الجيش لن يتخلى عن سلاحه ودوره في ضمان الأمن. كما أعلن أن القوات المسلحة شهدت العديد من التغييرات المهمة والحقيقية في تنظيمها وسلوك عملها.
وشدد على أن القوات المسلحة قوات قومية وطنية تحمي البلد ومواطنيه، ولا تتبع لأية جهة أو حزب أو فئة، لا حزب المؤتمر الوطني ولا الحركة الإسلامية، أو الحزب الشيوعي أو غيره. ولمن اتهم الجيش بأنه موال لجهة معينة أكد أن القوات المسلحة لا تنتمي إلا للوطن.

بعد-ارتفاع-معدلات-الانتشار-الإدمان-في-السودان-…شباب-على-حافة متحركاً من (حطاب) إلى (المرخيات) مم يخشى (الجنرال)؟



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى