أخبار السودان

ما هكذا تورد الإبل يا وزارة المالية.. سياسة الدولة وموازنة “2023” مزيداً من الركود


..

سيد الحسن عبد الله

يقول المثل السوداني {الصح بيهلع ما بقتل} وعليه اخترت عنوان المقال.

° الأزمة الإقتصادية العالمية 2007/2008 تراكمية لعدم استقرار الإقتصاد العالمي ، حيث أن نقطة إستقرار الإقتصاد العالمي تتمثل في أنه يفترض أن تكون المساهمة السلعية الملموسة أكبر من 50% ، و مساهمة الخدمات أقل من 50%، وكانت نسبة المساهمة السلعية تمثل أقل من30% والخدمات في حدود 70% .. و من أكبر الإقتصاديات التي ضربتها تلك الأزمة الإقتصاد الأمريكي ، وكانت المعالجات بمسكِّنات تمثّلت في :

1. طباعة العملة بمضاعفة الكمية المتداولة من الدولار قبل الأزمة أقل من 4 تريليون ، وخلال أسبوع واحد وصلت فوق الـ 7 تريليون.

2. دعم الشركات مع الضغط لتخفيف الصرف البذخي في الشركات لصالح فتح أبواب تشغيل العمالة العاطلة وزيادة الإنتاج .

3. دعم البنوك لرفع قدرتها لتمويل القطاعات الإنتاجية وذلك بهدف تشغيل العمالة العاطلة .

4. الحكومة الأمريكية لم تتجه بتاتاً لتغطية العجز من زيادة الإيرادات الحكومية من الضرائب والرسوم الجمركية، وعملت كل مافي وسعها أن تتجنب تلمُّس جيب المواطن وهو الناخب الذي يسقط الحكومات . ونفس الطرق سلكتها دول أوربا الغربية لتخفيف الآثار السالبة علي إقتصادياتهم من هذه الأزمة.

° في الأزمة الإقتصادية التي ضربت المملكة العربية السعودية أواخر عهد الملك فهد وبداية عهد الملك عبد الله، وضع الملك عبد الله سياسة أن تقوم الدولة ببناء عشرة مدن صناعية في عدة مدن مختلفة ، بكل بنيتها التحتية وذلك بهدف تشغيل العمالة العاطلة (وطنية و مقيمين أجانب) بالرغم من أن القيمة المضافة من التصنيع طفيفة بحكم استيراد المواد الخام والعمالة والماكينات ، لكن عندهم سوق يستوعب المنتجات المراد تصنيعها لإحلال الواردات .

الحكومة السعودية في ظل الأزمة لم تتجه بتاتاً لتغطية العجز من زيادة الإيرادات الحكومية من الضرائب والرسوم الجمركية ، وعملت كل مافي وسعها أن تتجنب لمس جيب المواطن ، كي تتحاشى غضب المواطن وثورته .
ونجحت في سياستها لمعالجة الركود.

° ما يحير أن حكومتنا أول ما اتعصرت بمصاريف التيسير العادية ، وزيادة مصروفاتها السيادية ، لجأت لحلب جيب المواطن والذي لم يكن في وضع المواطن الأمريكي أو السعودي أيام أزماتهم .

° بوادر الأزمة الأمريكية والأزمة السعودية كانت واضحة في الركود في الأسواق، والعقارات، وإنخفاض القوة الشرائية، بأفضل حالاً مما يعانيه الوضع السوداني الحالي . رغم ذلك أمريكا والمملكة العربية السعودية خرجتا بسلام من الأزمتين.

° اتجهت أمريكا والسعودية لدعم الشركات والبنوك لزيادة الإنتاج وتلقائياً الحكومتين تستهدفان زيادة الإنتاج، لمساهمة الإنتاج في الدخل القومي بصورة مباشرة {مع ملاحظة تميز السودان بموارد متميزة ومتفردة وغير مُستغلّة ، بصورة أفضل من الموارد الأمريكية والسعودية التي تمكن استغلالها لتخفيف حجة الأزمة} ، لكن سياسة الحكومتين الأمريكية والسعودية تستهدف أيضاً بصورة أكبر زيادة الإيرادات الحكومية بصورة غير مباشرة متمثلة في زيادة إيرادات الضرائب والرسوم الجمركية.. حيث أن تشغيل العمالة العاطلة يسهم في زيادة دخل الأسرة مجتمعة، من كان يعمل ومن كان عاطلاً: الذين تم تشغيلهم .. مثال في منتهي البساطة :

إذا في الأسرة السودانية خمسة أفراد ، اثنان يعملان وثلاثة منهم عطالون ، كل الأسرة تعتمد علي راتبين فقط لا تغطي احتياجات الأسرة من السوق.

بتشغيل إثنين من العطالة الدخل سوف يرتفع، دخل الأسرة الإجمالي إلى أربعة مرتبات ، كافية جداً وزيادة لتغطية التكلفة المعيشية ، رغم الأزمة والغلاء ، مما يجنب الحكومة المطالبات بزيادة المرتبات السائدة حالياً وكل يوم في تصاعد . مما يساهم في أستهلاك السلع والخدمات المعروضة في السوق ، بل تظهر متطلبات أخري للإستهلاك نسبة لأن الراتب يكفي وزيادة .. المحافظة علي استهلاك السلع الموجودة بالسوق وزيادة سلع إضافية للإستهلاك يساهم بصورة غير مباشرة في قدرة أصحاب السلع والخدمات، علي دفع الضرائب والجبايات ، دونما اي إحتجاج أو قفل أسواق.. أضف لذلك زيادة إجمالي رواتب الأسرة يؤدي الي زيادة الطلب علي السلع المستوردة ، مما يساهم في زيادة الواردات، وساهم بصورة غير مباشرة في زيادة إيرادات الدولة من الرسوم الجمركية والضرائب علي الواردات .

وكنتيجة طبيعية ينتعش قطاع النقل التجاري مما يمكنه من تسديد الضرائب والجبايات المفروضة عليهم، والتي معظمها توقف عن العمل نتيجة الزيادات المجهولة في الضرائب والرسوم حتي رسوم الترخيص.

كذلك بزيادة الدخل الإجمالي للاسرة تنتعش المطاعم وأسواق الخضار واللحوم ، مما يجعلها قادرة علي الرسوم المفروضة عليها .

° مما ذكرته في النقطة السابقة يوضح أن تشغيل العمالة سوف يزيد في الإيرادات الحكومية غير مباشرة.
هذا بالإضافة لزيادة الإنتاج والذي يسهم بصورة فعالة ومباشرة في الدخل القومي ، وبتضافر زيادة الإيرادات الحكومية مباشرة وغير مباشرة مع اتباع سياسات إحتياطية سوف ينهي الأزمة الاقتصادية ونتفادى خطر الإنهيار التام.

° كل ما فعلت السياسة الحكومية بسياستها السابقة في 2022 ، والتي تكون مكرّرة الحافر بالحافر أدت وسوف تؤدي بصورة أفظع من العام الماضي إلى :

1. إنكماش الإنتاج بصورة غير طبيعية نتيجة لزيادة الضرائب والجبايات في ظل الركود ،، وحسب واقع الحال أن إنتاج معظم المنتجات الزراعية الي ما دون ال 50% من إنتاج الموسم السابق ، وسوف يخرج فئة كبيرة من ممولي الضرائب من القطاعات الإنتاجية.

٢. إنكماش القوة الشرائية سوف يؤثر بصورة مباشرة علي استهلاك السلع المستوردة مما يؤثر سلبياً رقم إيرادات الحكومة من الرسوم الجمركية وضرائب الإستيراد والضرائب المفروضة علي محلات التوزيع الإجمالي والقطّاعي ..

3. والأسوأ والأكثر ضرراً أن تطبع الحكومة لتغطية مصروفاتها، مع العلم أن طباعة العملة وزيادة الكتلة النقدية من الخيارات الإقتصادية للخروج من الأزمات (لكن بشرط) أن يتم ضخها في القطاعات الإنتاجية والبنوك الممولة للقطاعات الإنتاجية أسوة بالحالة الأمريكية في 2007/2008م..
ولا أعتقد أن في الحالة السودانية سوف تسهم طباعة العملة في التخفيف من الأزمة لافتقادنا لبيانات إحصائية للمراقبة والمتابعة للتأكد من صرفها في القطاعات الإنتاجية.

° ليس تشاؤماً بل واقع الحال يقول :

1. الحكومة سوف لم ولن تحقق من إيراداتها المباشرة من الإنتاج السلعي حتي 50% مما حققته العام الماضي، والذي لا أشك أنه هو أقل من العام السابق 2021.

2. أما إيراداتها غير المباشرة المرتبطة بالأنتاج، وأكاد أجزم بأن الحكومة سوف لن تحقق حتي 50% من إيراداتها من الضرائب والجبايات والرسوم الجمركية رغماً عن زياداتها التضاعفية لهذه الرسوم ..

° وسيكون هذا المنوال متكرراً وبصورة أفظع علي الركود الإقتصادي من الوضع الحالي ، وسيكون محمد أحمد هو الضحية .. وما يحير نسمع بخبراء وأكاديميين إقتصاديين مستمتعين بمناصبهم وإمتيازاتهم ، وتمرر هذه السياسات من علي سطوح مناضد مكتابهم ..

اللهُم هلا بلّغت اللهُم فاشهد ..
نسأل الله التخفيف ..

سيد الحسن عبد الله
21يناير2023م



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى