المقالات

مالك عقار إير.. والفريق أول ركن يحي محمد خير .. طرفي النقيض


استدعت أحداث النيل الأزرق المؤسفة التي راح ضحيتها المئات بين قتيل وجريح رحم الله من مضى وعاجل الشفاء للجرحى والمصابين.. استدعت تذكار عزيز فأجتررت مشاهداً لا تزال محفورةَ في الذاكرة حاضرةَ ماثلةَ وقد عملت بالمنطقة لأكثر من عامين كضابط استخبارات بالفرقة الرابعة مشاة (أسود النيل الأزرق).. لكن ما أبدأ به هذه السطور أن منظرّي الثورات والأفكار الثورية يجمعون على أن أسوأ أنواع التمرد على سلطان الدولة ومحاولة الخروج من جلبابها يتمثل عيانَ بيان يوم أن تسبق الرصاصة الفكرة.. ثم تنشأ الفكرة (أو الأفكار) لاحقاً لتبرّر سبب إطلاق الرصاصة ولتشرعن هذا الإطلاق ولعمري هذا ما كان في تمرّد النيل الأزرق وانضمام بعضاً من مكوناتها القبلية للحركة الشعبية وجيشها الشعبي.. فقد كان هم جون قرنق عرّاب الحركة وغراب شؤمها أن ينقل المعركة للشمال لا أكثر ولا أقل لأن الأطراف لم تعد (تؤلم الحكومة) كما لو كان الألم في البطن أو الصدر أو هكذا كان يعتقد.. ونقلها بعض الشماليين بذات الفهم لجبهة إريتريا عبر ما عرف بالتجمع الديمقراطي.. لم يكن يهم قرنق تهميش المهمّش ولا (تهشيمه) كما نظّر له الشيوعيون الذين تسابقوا إليه وجلسوا يكتبون له المانفستو وينظرّون للخراب والدمار والتمرد ويكسبونه صفات الثورية والنضال الكاذبة الزائفة ويخلقون عجلا له خوار إسمه (التهميش) يعكفون عليه ليل نهار ..وهكذا كان الحال لجميع من التحقوا به.. تمردّوا ومن ثم بدأوا يبررون لسبب تمردهم بعد التحقوا بجيش جون قرنق وما ياسر عرمان منكم ببعيد.. ومن هذا الباب ترك مالك عقار مهنته بعد أن كان استاذاً وغادر الدمازين متمرداً في العام ١٩٨٥م ويقال أن سبب تمرده عدم حصوله على فرصة إعارة لليمن فعمل أول عهده بالتمرد كحرس شخصي لجون قرنق ثم نجح فيه بسبب شخصيته التسلطية الباطشة على الرغم من انتمائه لأقل عرقية في مكونات النيل الأزرق هي الأنقسنا لكن لتعامله العنيف مع معارضيه تماماً كما فعل الراحل صدام حسين قبل أن يتسلم البعث والعراق ويقضي على الخصوم المعارضين.. أحكم عقّار قبضته على الحركة الشعبية شمال جبهة النيل الأزرق.. وصعد نجمه بسبب هذا البطش والسطوة التي يخيف بها الجميع من بقية القوميات داخل الحركة الشعبية.. فهو دكتاتور ومتسلّط يبعد عن طريقه كل من يحس أنه سيكاون منافساً له..  كان أشهر من اغتالهم مالك عقّار العميد الهندي أحمد خليفة ثم عمل على تصفية العميد  علي بندر سيسي.. كما عمد عقار للسيطرة على الحركة الشعبية برعاية أبناء قبيلته ومنهم أحمد العمدة الذي أشرف على إيفاده لنيروبي للدراسة في المدارس الكنسية وربما اعتنق المسيحية حسبما يقال ولكن هذا لا يهم.. ما يهم هو التعدي على الأموال سواءاً كانت أموال الحركة الشعبية أو أموال الحكومة بعد أن صار والياً تنسيقاً مع أحمد العمدة ونهب الأموال التي كانت تقدمها المنظمات في مناطق التمرد أو ما يسمى بالمناطق المحررة.. ثم رعى مالك أحمد العمدة إلى أن أوصله رتبة الفريق وسلمه رئاسة أركان الجيش الشعبي بالنيل الأزرق وهو المنصب الذي يشغله الآن مع منصبه الرسمي كحاكم للإقليم.

لاغرابة إذن أن تنشأ الفتنة الأخيرة بعلمهما أو بتدبيرهما فالأمر يشبه التمرد ويشبه الحركة الشعبية وأعمالها الإجرامية.. فلا يهمها السلم الأهلي ولا السلام الاجتماعي ولو كانت قائمة على الأمر حاكمة بأمر السلام أو بأمر الحرب.. لكن لا ألوم عقار ولا ألوم هذا العمدة بادي لكن ألوم من وقّع على سلام جوبا دون الاتعاظ من سلام نيفاشا مع البون الشاسع والأمد البعيد بين الإثنين.. فإن كان سلام نيفاشا سيئاً إلا أن سلام جوبا يفوق سوءاً وبكثير سلام نيفاشا..

 السؤال الجوهري والمهم أنه إذا كان اتفاق سلام نيفاشا الذي حظى بدعم دولي وثقل أمريكي وأوربي ورعاية من منظمة الإيقاد وشركائها وأصدقائها والجامعة العربية وهيلدا جونسون ومراقبة دولية وبعثة سلام أمميّة انتشرت في كل السودان الموحد للمراقبة والتحقق هي بعثة اليونميس وصرفت فيه المليارات من الدولارات لم يحقق السلام في النيل الأزرق ولا في جنوب كردفان ولا أبيي..

فتمرد عقار مجدّداً وولى هارباً من الدمازين كما سبقه في ذلك المتمرد عبد العزيز الحلو هروباً من كادوقلي بعد أن زرع الألغام أمام منزله..

هل نتوقع أن يحقق (سلام توت قلواك) السلام في دارفور والنيل الأزرق؟

أختم بتحية خاصة لسعادة الفريق أول ركن يحي محمد خير قائد الفرقة الرابعة مشاة ووالي الولاية بعيد تمرّد مالك عقار وهروبه من الدمازين مطلع سبتمبر ٢٠١١م.. وأسرّ في أذنه (وفي الليلة الظاماء يفتقد البدر).. فالرجل لم يجلس مع مالك عقّار وهو والٍ في اجتماع للجنة الأمن بصفته قائداً للفرقة الرابعة مشاة ولا مرة واحدة.. كنت أمثّل الفرقة وأحياناً معي قائد ثاني الفرقة في اجتماعات لجنة أمن الولاية التي يرأسها عقار.. وكان هذا العقّار يسألني كل مرة (وين قائدك يا السيد العقيد؟ ما داير يحضر الاجتماعات ليه؟) فأرد معتذراً كل مرة بمشاكل الفرقة وهموم القائد ..لقد كانت رؤيته ثاقبة ونظرته صحيحة كيف لمتمرد أن يحقّق الأمن حتى وإن كان والياً ؟؟ثم أقول أنني كل ما دخلت على الوالي مالك عقار لموضوع ما غير ذي صلة بالاجتماعات الراتبة للجنة أمن الولاية يبتدرني بالسؤال (أها متين الجيش ح يهاجمنا يا ضابط الاستخبارات؟ ) فأقول له (أنت من تملك الإجابة وانت الوالي والجيش والشرطة والأمن كلها بإمرتك).. لكن في قرارة نفسي كنت أقول مقالة أبو الطيب المتنبي (إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه * وصدق ما اعتاده من توهّم) ..

فيا أيها القائمون على الأمر في مجلس الدفاع والأمن

سلام جوبا بدون تسريح هذه الجيوش..

اخضاعها لعملية الدمج والتسريح (DDDR) وليس فقط (DDR)

جمع السلاح الثقيل من كل هذه الحركات المتمردة التي أسميتموها كفاح مسلح زورا وبهتانا..

الشحّ في منح الرتب.. بدلاً من صرفها بغير حساب لكل من هبّ ودبّ..

 لن يحقق لكم سلاما..

عدم تخلّى كل عن جيشه والاحتفاظ بالجيوش معناه التفكير في تمرد جديد.. وهذا لا يحتاج لذكاء.. والشواهد موجودة واسألوا مالك عقار والحلو ومني أركو مناوي ..

ممارسة السياسة لا تزيد الجيش ولا إجراءاته (موية)..

ستدفع القوات المسلحة الثمن مضاعفاً لأنها ستبدأ القتال من المسافة صفر .. وهذا أسوأ أنواع القتال بسبب تضاعف الخسائر .. فيا هؤلاء …

لا تضيفوا لمعارك القوات المسلحة المستقبلية (الحتمية) والمؤجلة أكثر مما ينبغي..

دعوها لمعركتها (الواحدة المعلومة) للقاصي والدان ..

اللواء الركن (م) أسامة محمد احمد عبد السلام





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى