المقالات

لهفي على وطنٍ كان بالأمس دولة.. عادل هواري


في تقديري أنه قد ثبت بالتجربة أننا أمة لا تجيد التفاهم ولا نملك مهارة مقايسة التنازلات المرضية التي تتساوي فيها جراح التنازل وبلسم المكاسب بما يقتضي ضرورة توازن ما يُطرح على منضدة التفاوض الأمر الذي لم نعهده في جميع جولات التفاوض التي انتظرها الناس على اطراف اصابعهم ولم يأت مُخْرَجَهَا مبشراً ولم يعدل لهم مائلاً !! وكيف يعدل مائلاً وقوامه بني على منضدة مائلة وقوانين الفيزياء تقول ان كل مائلٍ الى سقوط وإن بدا ظاهره منتصباً وهكذا تسقط بعض اطرافها وإن تشبثت بقوائم المبادئ!!في حين تتوهم الأطراف الأخرى الارتفاع، ولاتدري أن علوها اللحظي كان مجرد اختلالاً في التوازن وهي في فضاء الهاوية تسبح وسقوطها المحتوم سيكون أعلى دوِيّاً واشد إيلاماً وإن تشبثت بسراب الوعود!! وهكذا تنهار الطاولة بمن فيها على حلم الغلابة الناظرين وربما تنهار مع الجميع قوائم وممسكات الوطن الحزين !! وهكذا أدمنّا الفشل ونحن نعاقر إختلال الرؤية والرويّة ونستهدف في كل جولة تُهيأ لنا نشوة النصر الافتراضي ولا نقبل بالرضا المجزوء {حكمةً وتعقلاً} بل نتفاوض من اجل الغلبة لارضاء ذواتنا وفصيلنا ,وإن كانت على حساب الوطن الذي سنحتفل بالنصر في ربوعه اذا ما ابقينا في سبيل وهم النصر له ربوع ،فكلما تلوح ومضةٌ من بصيرة ونعقد العزم على التلاقي يأتي هذا السمت النرجسي بما يتنافر تماماً وأواسط الحلول المرجوة، إذ هي بيت القصيد .لذا تجدنا دائماً نتوه عن النقاط التي تُجَسِد هموم الوطن ودرء المخاطر عن حماه ، وهكذا ينفض سامرنا في كل مرة دون انجاز الحد الأدنى من التوافق المنتظر ليكون قاعدة لتاسيس دولة {السلام والحرية !والعدالة!!} المعلن عنها قبل ما يزيد عن أربع سنين قضت من عمر هذا الشعب المُبتلى بعقوق أبنائه نجتمع فيه على أمْرِنا دون أمْره وننفض ، نهمس لارباب نعمتنا بأمرٍ ونصرِّح للعامةِ أمرا !! ننذر الغرماء بأساً ونبشر الحلفاء خيراً ونخوض في شأن البلاد جهلا وخراباً حتي اصبح حالنا كمن يسبح في بحرٍ ليس له ساحل أو كمن يحفر في بئر لا قرار لها وللاسف فنحن نمارس هذه المسالب المدمرة دون وعي أو إرادة ودون أن نقصدها او نخطط لها فهي طبعٌ مكتسب ربما لتربيتنا المجتمعية في ذلك اثر،فنحن مجبولون على تعظيم{حالنا } دون مقوماتِ تذكر -إلا ظنا -ونُمعِن-غلوَّاً -في تمجيد ذواتنا دون ميِّزةٍ تجعل تاء المتكلم مِنّا ارفع من تاء المُخاطب انه داء الكِبْر الخفي عزيزي !! لذا تنتشر بيننا بعد كل نزاع عبارة (والله بس عشان خاطر فلان) بما يوحي بانه لم يقتنع بالتنازل عن موقفه كما لم يخضع ما اقدم عليه لمعايير المصلحة ولكنه قبِل به جبراً لخاطر احدهم – وإن كان الدافع خلاف ذلك
اذاً فالتسوية لا تخلو من ارضاء للغرور مع
الاحتفاظ بنشوة النصر فإن التنازل هنا لم يكن بناءً على توافق منطقي محسوب وفق تعادل المكاسب والتنازلات ،،،،
وللاسف الشديد ان حالة البلاد القائمة وفي ظل الغياب التام للرموز والزعامات الراشدة والتي كان من الممكن ان يمثل جبر خواطرهم محطة مثالية لالتقاط الأنفاس وتجاوز التقاطعات الحادة والخروج من الممرات المغلقة الى مسالك تفضي الى شئ نتصافح عليه ونلتقط لاجله بعض الصور ،،
غير ان مثل هذا التراضي الخجول غالباً ما يكون هشّاً وقابلاً للاختراق كما تقول تجاربنا السياسية السابقة ، فنحن نصر على التخبط وممارسة رذائل الفعل السياسي ،رغم أن ما نراه من إرهاصات المشهد القاتم يكاد ينحر وحدة البلاد ويشرع في فتْ عضدها في ظل غياب الرموز القيادية والزعامات المخضرمة التي
ربما يكون فقدها التام سبباً جوهرياً من اسباب إنعدام الرؤى الرشيدة، فأيقنت عندها ألا مخرج للبلاد من حالة اللادولة التي نعيشها إلا بعد الدِّربة وترويض انفسنا على ممارسة ما لا نملك ولانجيد التعامل به وهو مهارة التفاوض وفنون الحوار المُجْدِي ، تلك الآلية الناجزة التي تقتضي الإحتساب الحكيم للمكاسب المرجوة والتنازلات اللازمة لذلك على المستوى الذاتي ومقارنة ذلك بما يعود على البلاد والعباد من مكاسب في حالة بلوغ التفاوض غاياته الإيجابية النبيلة مع استصحاب تصور المآلات المخزية لاستمرار انسداد الأفق وتواصل حدة التقاطعات ونفور الرؤى في حالة سلبية مخرجات التفاوض والفشل في دعم إرادة التوافق !!!!
وخلاصة القول أنْ لا مناصَ مطلقاً من الحصول على الحد الأدني من التوافق المقبول بين جميع الاطراف التي تمثل الكُتَل الفاعلة في المشهد وجميع التنظيمات السياسية القائمة والتي يجب ألا يُسْتثْنى منها الا من أبى ، وبصرف النظر عن مواقفه وتوجهاتِه والإنطباعات السالبة والتي مهما كان مداها فهي لا تخرج عن كونها نظرة احادية والتوافق كفيل بمعالجتها،مع اليقين الحتمي بأن تجاوز اي فئة ومهما كان حجمها وقدرها سيشكل خميرة عكننة تعيق سلاسة وإنسياب التوافق الى مراميه وربما تُعيدنا الى محطاتٍ قد تجاوزها قطاره بعد جهدٍ جهيد…
كما ان الحوار المأمول لن ينجح مطلقاً ولن يفضي الى غاياته النبيلة المرجوة ما لم تتغير المفاهيم عن ما يحتاجه الوطن فقط دون أجندة حاملي حقائب المشاريع الدولية والإقليمية التي لم تفلح محتوياتها في استقرار من تجرَّعوا الخنوع لشروطهم وأجندتهم التي لا علاقة لها بهموم ضحاياهم المستهدفة، لذا يجب أن تخلو منضدة التفاوض من جميع الأجندة إلا من هموم الوطن وما يخدم مصالحه ولن يكون ذلك ممكناً ومتاحاً الا اذا ما تولى الأمر رجالاً عوالي النفوس ذوي همم وإرادة دونها الرقاب والغوالي نعم فالوطن يستحق وهم يستحقون -ان وجدوا – صفحاتٍ زاهية تسجل فيها حروفهم بدماء النُجَّب من بنيها
وتُنصَّب على ساحات المدن تماثيلهم عرفانا وذكرا…
فالتفاوض يجب ان يستهدف التركيز على المنافع الكلية على اساس قومي بدءاً!! ،على أن يتقمص المحاورين ـ مهماكان فكرهم وكيف ما كانت توجهاتهم ـ هيئة ومواقف رجال الدولة على حساب الأجندة الأيدلوجية الضيقة فلا البلد ولا شعبها يشغلهم باي كيفية سيدار شأنه طالما كان كيان دولتهم مهدد بالزوال وصقور ضعاف الفرائس حطّت عليه رحالها بعد ان اجهزت على ضعاف الحال والعزائم من حولنا وإن حدث ذلك لا قدّر الله-فقلبي على وطني سيتفطر -فلن يُجدي حينها تحت اي لافتة يصنَّف نظام الحكم فيها فلا النظام الاشتراكي سيكون مخرجاً ولا الإسلامي . ولن يشفع لها نظام قومي عربي ولا ناصري يقيم لنا دولة وإن توحد العرب جميعاً وتحررت فلسطين !!!!
اذاً فلا بد أن يُجْمِع المتشاكسين على ان تكون لهم دولة أولاً ليتشاكسوا فوق ارضها ،وتعلَّق على جدرانها لافتاتهم وتنشر في فضاءاتها عناوينهم ،وتكون لهم حينذاك بلدٌ يتدافعوا تحت سمائه. خالى من الكبسولات العابرة للحدود!!
فالحفاظ على كيان الدولة يجب ان يكون هو الشاغل والهدف المحوري لاي لقاء يتم من خلاله التفاوض في هذه المرحلة ، إذا ما كان من دفعوا بأنفسهم للتفاوض على امر البلاد وهي في هذه الحالة رجالاً راشدون يستحقون ولاية أمرها سعياً جاداً للتوافق المنشود والذي اصبح حلماً يراود هذا الشعب الودود الصبور مناماً وينتكس صحواً من كوابيس مآلات ما يرى !!!
ان القضية الآن قضية وطن فتوافقوا على صونه رجالاً حتى لا تتباكوا عليه كالنساء حين يكون البكاء غير مجدي .هذه هي الزاوية التي إلتقطت بها صورة المشهد وهكذا نرى قيمة الأوطان عندما تَمْحقنا المهاجر ويكسر خواطرنا شبح التشرد،! وهناك في قلب الوطن يفسد الطائشون علي المشردين حلم العودة،،،،

عادل هواري
فجر الاثنين
٢٣/يناير/٢٠٢٣م

1669117478_300_العدل-والمساواة-لسنا-طرفا-في-الحوار-السري-والجهري-بين-المكون.webp لهفي على وطنٍ كان بالأمس دولة.. عادل هواري





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى