المقالات

*قراءة في ملف الأزمة*


من الذي لا يعلم ان الفترة التي اعقبت سقوط منظومة الحكم السابقة وسقوط الدستور بالضرورة، هي فترة انتقالية خالية من المرجعيات ومن المعلومة والمتعارف عليه أن هذا الوضع يحتِّم إدارة شئون الدولة خلال هذه الفترة بواسطة مجلس عسكري يمثل سيادة الدولة ويستعين بمكون مدني قومي يمثل الكيان التنفيذي يعيّن بالتشاور مع القوى السياسية ويعتمد بواسطة المجلس العسكري الذي يمثل السيادة هذا هو الوضع النموذجي الذي يفرضه خلو الدولة من المرجعيات الشرعية وهذا هو هيكل ادارة الدولة المتعارف عليه دوليا في مثل حالتنا في السودان والحالات الشبيهة ،والشاهد على ذلك أن الإعتراف الإيحائي من الدول الكبرى والمنظمات الدولية والإقليميه بدعوتها لرئيس مجلس السيادة الإنتقالي بصورة رسمية للمشاركة في فعالياتها الدورية ومراسمها الرسمية ممثلاً في شخص البرهان وهذا امر معترف به ومُتبع في اضابير السياسة والبروتوكولات الدولية(اذاً فالامر لايتعلق بأن الغرب يريد البرهان او يؤيد الحكم العسكري او عكس ذلك كما يعتقد البعض بل هو فعلٌ طبيعيٌ يفرضه الشكل القانوني للدولة حين استحقاق الدعوة للمشاركة وأمرٌ معلوم لكل من يهتم بالسياسات الدولية ولجميع المشتغلين بالسياسة عدا ناشطي المشهد السياسي خلال المرحلة خاصةً مجموعة قحت ومؤازريها وآخرون تبّعٌ اختلط عليهم امر ادارة المرحلة الإنتقالية وحكم البلاد وزاد الأمر تغبيشاً كثافة الفعل السياسي غير المناسب مرحلياً خلال الفترة والذي يعتبر محور اخفاقات المجلس العسكري حينما ساء التقدير بمحاولته التماهي العاطفي وغير الحكيم مع من تَسنَّمُوا قيادة الثورة دون معيار حصيف ظنَّاً منهم ان ذلك سيُكسبهم ثقة الشارع والثوار فساقتهم نواياهم التي ربما تكون بريئة ولكنها لم تكن صائبة التقدير- الى طاولة المفاوضات لتشكيل منظومة ادارة الانتقال -والتي تحولت -بقدرة قادر -الى مُفَاصلات (متوازية الندّية ) وهكذا تطاولت بينهم فصول الحوار وإمتلأت بينهم بالونات المحاصصة بالهواء غير النقي وتمددت حتى إنفجرت في وجوههم ورشحت على كامل المشهد فتلاشت تراتيبية القيادة وغابت احقية الولاية المتعارف عليها وتشتَّتتْ المسؤولية ومن هنا تاه عن ركب الإنتقال الطريق وتعثرت الخطى وعُتِّمت الرؤى وفقد المرشدين الأثر ، ومن هنا بدأت سَمُومْ السياسة تمزق رايات هذه المرحلة الحساسة بطبيعتها وسِمومها تُدَسُ في كل حركةٍ وسكنة وخالطت شيطنة الفعل ردود الأفعال ،واصبحت لمستقبلات القول اكثر من تفسير وجُرِِّفَتْ الثقة حتى تعرَّت اعصاب الغبائن فاضحى الوقوف يُرى جلوساً والجلوس يُعدُّ اختباء وانعدم التنسيق بالمطلق، وعجزت القلوب والعقول عن الالتقاء في اي أمر ، ونسوا ان هناك شعبٌ ينتظر !!!ولم يبق في ظني الا مغامرة العبور القسري مخرجاً كما اشرت في غير مقال!!!

تلك هي مشكلتنا حرفياً يا سادة وهذه هي الحقيقة التي طاشت عن مراميها السهام،وهي أن ما بنا لم يكن سوى سوء تقدير من قادة المجلس العسكري في ذاك الزمان الذي كاد أن يكون غابراً قبل أن نخطوا خطوةً واحدة الى الأمام وتعقدت الحالة السودانية على الحادبين حتى المعالجات التي يبادر بها اي طرف لا تنجو من فايروس إنهيار الثقة ،فما نحن فيه ياسادة هو نتاج حتمي للتراخي وتسييس الأمور في مواضع تتطلب الشدة وصرامة الادارة وإنتصاب قوام الولاية بما يدعم صمود هذه المرحلة السائبة المفاهيم وهشّة القوام بحكم طبيعتها بما يضمن عدم انحرافها الى ما نحن عليه من حال!! والذي يعتبر أسوأ أعراض مخاطر متلازمة الإنتقال من سيولة مرجعيات وصعوبة السيطرة المترتب على إحساس العامة وبعض الناشطين بالتجرد من القيود والضواط وإختلاط ذلك بالمفهوم الخاطئ للحرية الثورية وهذا الخلط (المتعمد)من بعض القيادات الانتهازية،وغفلة الغالبية غير المدركة من الذين أيقظهم هتاف الثورة ودغدغت شعاراتها هواجس التغيير فيهم ، وتلك الفئة من الشباب التي شَبّت خلال الثلاث عقود الماضية فهؤلاء نعذر عدم ادراكهم ويبقى العتب على من يعلم ويتغافل ويموِّه ليستغل حماس هؤلاء الشباب ورغبتهم الجامحة في تغيير رتابة آلية تداول السلطة وفشلها في تلبية طموحاتهم في الإستقرار والتغيير الطبيعي والمنطقي نحو الأفضل رغم ان البلاد لا تنقصها الموارد ولا البيئة اللازمة لهذا التغيير فضلاً عن العراقة والأمتداد التاريخي والعمق الحضاري الداعم لحدوثه ،ولا تنقصنا الا الوسيلة العادلة لتداول السلطة والمنهج الراشد في ادارة هذه المنح الإلهية و المعطيات الموروثة والموارد البشرية المشهود لها كفاءةً وانجازاً – من أقوامٍ كانت لهم في مصائبنا فوائد- وهذا ما فشلنا في الإهتداء الى ممسكاته ويأتي على رأس ما فشلنا فيه التجرد عن الذات لصالح الوطن الرحيب الذي يحوي بالضرورة أطماع تلك الذوات الضيقة – لو يعلمون- ولن يعلموا إلا إذا ما كبرت النفوس وعلت الهمم وطغى الرشد في تقدير الأمور على الإنفعال،وسادت المفاهيم الإستراتيجية ذات الأهداف القومية الشاملة ،على مظاهر التعامل الثنائي ذو الطابع التكتيكي الحصري في اطار ردود الأفعال وتجزئة التعامل مع الأحداث على اساس تفاعلي ضيِّق تتحكم فيه الأهواء وسيطرة النزوات بدلاً عن شمول الرؤى المقيَّدة بالتخطيط الممنهج الذي يتجاوز الإنحرافات عن الغايات المستهدَفة ويأتي على رأسها إستغلال تلك الموارد وتنميتها وترشيدها وتسخير ريعها لصالح انسان هذا البلد الذي اعيته الحيلة في توافق ساسته على أمرٍ يُهيأ به انتخابٍ شفاف وعادل يفضي الى حكمٍ راشد يكون فيه لهذا الشعب ذراع فاعل يتحكم به في معيار المفاضلة -ينتخب به – من يفوضه لإدارة شأنه طاعةً وهو محكومٌ بغريزتي الخوف من عواقب الإنحراف والطمع في البقاء في السلطة وحينها ستحتم علية سطوة تلك الغرائز الإنضباط اللازم والهمة في الأداء والتجرد لإدارة شأن البلاد والعباد ومن ثم إعتماد منهج التخطيط العلمي الجاد لتدبير أمر تلك المنح والهبات لتستقر البلاد وتنطلق المسيرة في الإتجاه الصحيح وحينها ستصبح طموحاتنا الحالية واقعاً ،ونَشْرَئِبُ الى طموحات تجعل مناكبنا في محاذاة من سبقونا !! وحينها سيصبح مستحيل اليوم في الغدِ القريب واقعاً ميسوراً ،ونمضي الى عوالم كنّا نراها حلماً وأصبحت بين ايدينا بأمر الله>>
وأخيراً اهمس في اذن المستنيرين للتركيز على هذه المفاهيم الغائبة عن معظم الأذهان عمداً كان ام جهلاً لنعلم موضع اقدامنا …
فلا يمكن أن يستقيم السير والطريق أعوجُ>>
وبالله دائماً يكون التوفيق…

عادل هواري
مساء الأحد
١٩/سبتمبر/٢٠٢٢م

بعد-ارتفاع-معدلات-الانتشار-الإدمان-في-السودان-…شباب-على-حافة *قراءة في ملف الأزمة*



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى