أخبار السودان

(فضيحة) موت مرضى السرطان.. جريمة مكتملة الأركان


تحقيق: خديجة الرحيمة

عندما قررت الذهاب الى برج الأمل لعلاج السرطان لمعرفة أوضاع الأطفال بعد انقطاع الكيميائي لأكثر من خمسة شهور والتقصي حول حقيقة الأمر ومعرفة أكثر الأنواع شيوعاً وطريقة العلاج ونوعية الخدمات التي تقدم لمرتادي البرج، لم يكن في مخيلتي أن يكون التردي البيئي ومعاناة المرافقين في الحصول على الجرعات عنواناً لما سأبرزه من خلال هذا التحقيق، فقد كانت البيئة المحيطة بالمرضى سيئة لدرجة أنها ربما تكون باعثاً لإصابتهم بأمراض أخرى على الرغم من أن مريض السرطان لا بد أن يكون في بيئة نظيفة نسبة لضعف مناعته، وبجانب الإهمال الذي يعانيه المريض فبعض العنابر تنقصها النظافة والتعقيم والنقص في الخدمات، إضافة الى أن  المصعد (الأسانسير) يتوقف بين حين والآخر فيضطر المريض وذووه للصعود الى الطابق العاشر مشياً على السلالم.

كما يظل ذوو المرضى يبحثون عن جرعات الكيميائي التي أصبحت في نقص مستمر وليس لديهم حل سوى اللجوء الى السوق الأسود الذي تباع فيه الجرعات بثلاثة أضعافها، فهناك من باع ما وراءه وأمامه لعلاج طفله، والآخر توقف عن شراء الجرعات لعدم توفر ثمنها لديه، وآخرون توفوا الى رحمة الله والجهات المسؤولة تصمت امام كل ذلك.

انتكاسة المرضى

مسؤول قسم الأطفال بالبرج محمد عوض الخطيب حمل وزارة المالية والصحة والإمدادات الطبية مسؤولية ما يحدث، وأضاف في حديثه لـ (الانتباهة) قائلاً: (المرضى في ازدياد ولا يوجد علاج، وفي يومي الأربعاء والأحد الماضيين سجلنا (22) حالة جديدة)، محذراً من حدوث انتكاسة للمرضى التي قد تؤدي الى الوفاة.

ومن جانبه كشف المدير الطبي مؤيد حسن عن أن متوسط حالات الإصابة الجديدة وسط الأطفال تتراوح بين  (40) و (50) حالة أسبوعياً، لافتاً الى أن عدد حالات التردد الأسبوعي بلغ (120) حالة، مؤكداً ارتفاع حالات الإصابة خاصة سرطان الدم.

مأساة حقيقية

(رهنت كليتي عشان علاج ولدي).. هكذا بدأ لنا المواطن جلال مضوي حديثه وهو يغالب دموعه ويفترش كرتوناً أمام برج الأمل برفقة زوجته وطفله المريض البالغ من العمر عشر سنوات، ليضيف قائلاً: (نعاني في الحصول على الجرعة منذ 19/6/2022م)، ومضى قائلاً: (الفي يدي وقفت وبعت كل شي في بيتي حتى أنبوبة الغاز وهسي ما عندي حاجة أبيعها)، وتابع قائلاً: (كتب لي الطبيب جرعة وبعض الأدوية، وعندما ذهبت الى الصيدلية وجدتها بمليار فلم أستطع شراءها، ومنذ الأمس من المفترض أن يأخذ ابني الجرعة التي لم أحصل عليها)، وأردف قائلاً: (في المستشفى اذا ما عندك جرعة ما بخلوك تقعد عشان كدا بايتين قدام المستشفى من أمس في البرد دا، وما عندنا قروش ولا أهل نمشي ليهم)، وذكر ان الحصول على العلاج أصبح صعباً وهناك أزمة، قائلاً: (لذلك نرجو منكم تسهيل الأمر وإيصاله للجهات المسؤولة، وقد رهنت كليتي عشان علاج ولدي لأني أنجبت بعد (40) سنة ولدين، عشان كدا بعمل أي شي عشانهم)، وختم حديثه قائلاً: (الدكتور قال لي لو لقيت زول عايز كلية بكلمك، وانتي يا صحفية لو لقيتي زول عايز كلية اتصلي بي)، وبعدها لم يستطع مواصلة الحديث وأجهش بالبكاء.

معاناة

وازداد الأمر تعقيداً بعد أن أغلقت جميع الطرق أمام ذوي المرضى، فالمشخصون حديثاً ظلوا بدون علاج وتوقف العلاج عن المتابعين والمرضى لم يكن أمامهم سوى الموت ولا بديل لذلك.

المواطن النور التوم يروي لـ (الانتباهة) تفاصيل معاناته بعد انعدام الكيميائي، حيث قال: (لدي طفل مريض عمره (13) عاماً يدعى حاتم أصيب بسرطان العظام قبل عام، وأخذ (9) جرعات وتبقت له بعض الجلسات، ومنذ انعدام الكيميائي ونحن نعاني في الحصول على الجرعة الصفرية التي بلغ ثمنها (337) الف جنيه، وابني لديه جرعة كل ثلاثة أسابيع، كما أصبحت الحقنة الواحد بـ (10) آلاف جنيه بعد أن كانت مجانية، ولديه (26) حقنة وشغالين مجازفات بس، وبعنا كل حاجاتنا الفي البلد عشان العلاج ولسه ما خلص)، وتابع قائلاً: (وسعر الجرعة الصفرية يختلف من صيدلية لأخرى، ومنذ توقف الكيميائي اشتريت جرعات بـ (6) مليارات، وعبركم أناشد وزارة الصحة والإمدادات الطبية توفير الأدوية حتى لا نفقد أبناءنا).

حالنا وقف

أما المواطن الطاهر أحمد فيقول لـ (الانتباهة): (ابنتي البالغة من العمر (9) أعوام تعاني من السرطان لشهرين، وعندما جئنا الى المستشفى وجدنا الجرعة البيضاء وكانت تقدم مجاناً والآن انعدمت، اما الصفراء فلها أكثر من خمسة أشهر متوقفة، وقمت بشراء ثلاثة جرعات  والواحدة بـ (370) الف جنيه، و (22) حقنة بـ (220) الف جنيه) وأضاف قائلاً: (كملنا الهنا والفي البلد وحالنا وقف)، وتابع قائلاً: (اذا لم تتحرك الحكومة بالإسراع في توفير الجرعات فإن أطفالنا سيموتون أمام أعيننا).

وفي سياق آخر تقول المريضة صليحة المدني لـ (الانتباهة): (أعاني من سرطان الثدي، ولدي سبعة أشهر متوقفة عن الجرعة نسبة لعدم توفرها بالمستشفى، وليس لدي ثمنها كي أوفرها من الخارج، وحتى جهاز الإشعاع بالخرطوم توقف، وأخبرونا بأنه ليس لدينا حل الا الذهاب الى ود مدني، ونحن نعاني كثيراً وليس لدينا الا الله).

جريمة مكتملة الأركان

(الموت العاجل أصبح هو المصير الحتمي للمرضى المشخصين حديثاً، كما أن الانتكاسة ثم الوفاة مصير من توقف إمداد الدواء عنهم)…. هكذا قال لنا مسؤول قسم الأطفال بالبرج والاختصاصي محمد عوض الخطيب، ليضيف قائلاً: (بسبب هذا النقص توقف علاج سرطان الدم بأنواعه وسرطان الغدد الليمفاوية والكلى والشبكية والغدد الكظرية)، مشيراً الى أن هذه الأمراض تمثل 75% من السرطانات عند الأطفال، وأضاف قائلاً: (الناس البجونا بنقول ليهم ما في علاج وبرجعوا، عشان كدا ما عارفين حجم الوفيات)، وتابع قائلاً: (في يومي الأحد والأربعاء الماضيين جاءت الينا (22) حالة جديدة، وقمنا بإرجاع (17) منها وعادت منها حالتان فقط، ولا نعلم مصيرهم، والجرعات في السوق الأسود تتفاوت أسعارها، ويمكن أن تكون غير صالحة)، واصفاً حجم معاناة المرضى وذويهم بالكبيرة، وذكر ان هذه جريمة إهمال إداري ومالي مكتملة الأركان، بحسب تعبيره، محملاً مسؤولية ذلك لوزارتي الصحة والمالية والإمدادات الطبية.

ارتفاع الوفيات

ومن جهتها أكدت مدير مستشفى الذرة سابقاً واختصاصية الأطفال ندى عثمان تطور المرض وعدم الاستجابة للعلاج والوفاة جراء انعدام الكيميائي، منوهة بأن عدد الحالات أصبح في ازدياد، وأضافت في حديثها لـ (الانتباهة) قائلة: (حدث ازدياد أيضاً في حجم الورم مما أدى الى ارتفاع نسب الوفيات، وبروتكولات العلاج في سرطان الأطفال متوقفة لخمسة شهور، وحتى الأدوية في السوق الأسود وعند تجار الشنط أصبحت غير متوفرة).

مهمتنا ومهمتهم

وفي ذات السياق نفى مدير عام الصحة بولاية الخرطوم محمود القائم علاقة وزارته بتوفير الأدوية، وقال في حديثه لـ (الإنتباهة): (نحن كوزارة ولائية مهمتنا إعطاء الجرعة للمريض اما توفيرها فهذا عمل اتحادي، واذا توفرت الجرعة نمنحها للمريض، وتوفيرها ليس من صلاحياتنا)، مؤكداً أن تمويل المستشفى كله ولائي.

معدلات مخيفة

وفي منحى آخر كشف المدير الطبي بمستشفى الذرة مؤيد حسن لـ (الانتباهة) عن ارتفاع نسبة الإصابة وسط الأطفال، وقال: (يتراوح متوسط الإصابات الجديدة اسبوعياً بين (40) و (50) حالة جديدة، بجانب أن حالات التردد الأسبوعي بلغت (120) حالة، ولدينا (30) سريراً لتنويم الأطفال، والآن هناك اكتظاظ، كما لدينا (65) سريراً للجرعات القصيرة (30) منها كبار و(20) للأطفال)، مؤكداً ارتفاع نسب الإصابة ومحذراً من تفشي المرض أكثر.

وفي ذات السياق كشف مدير عام مستشفى الذرة أحمد عمر عن تسجيل (1000) حالة إصابة جديدة شهرياً بالذرة، مشيراً الى أن أكثر أنواع السرطانات شيوعاً هي سرطان الثدي وعنق الرحم والبروستات والرأس والدم، لافتاً الى أنه من (10 ــ 20) تعود أسبابها لعوامل وراثية، اما البقية فتعود أسبابها الى استخدام الكيميائيات والتعرض للإشعاع ونظام الحياة الخاطئ والتدخين وتعاطي (التمباك) بجانب وجود أسباب غير معروفة، منوهاً بأن الخرطوم تحتل المرتبة الأولى في حالات التردد.





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى