المقالات

عودة إلى قانون حماية الأطباء.


في البدء أثمن عاليا المجهود المقدر الذي يبذله الأطباء وكل أصحاب المهن الصحية خلال عملهم النبيل في كل مرافقنا الصحية والطبية، وأخص بالذكر مايفعلونه بين يدي العديد من الجوائح التي تتالت على أهلنا بدءا من الكورونا وانتهاء بهذه الحميات العديدة نسأل الله أن يكتب لأهل السودان العافية والسلامة.
وكلنا نعلم بأن هناك تعديات تحدث من بعض المرضى أو مرافقيهم على طبيب هنا أو هناك، وذاك بلا جدال أمر مرفوض ومدان، ولقد انتهي الأمر بإستصدار قانون لحماية الأطباء في بدايات حكم الدكتور حمدوك تضمن الآتي:
تشديد العقوبة والتي تصل إلي السجن لعشر سنوات في حق من يعتدي أو يهدد أي كادر طبي أثناء عمله.
وحدد القانون عقوبات على من يتهجم على المنشآت الصحية ويعمل على تخريبها مما يتسبب في حرمان المواطن من تلقي العلاج.
وجاءت الصياغة بصورة مشددة جدا كالآتي:
(مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد في أي قانون آخر، ودون المساس بالحق في التعويض يعد مرتكبا جريمة ويعاقب عن الإدانة…. )!.
وتبع هذا القانون تكليف لشرطة بعينها للحماية، تماهيا مع هذا القانون.
أرى بأن هذا القانون قد تُسُرِّعَ في استصداره كسواه من بعض القوانين والقرارات التي تم اتخاذها خلال فترة حكم قوى الحرية والتغيير، ومن ذلك قرار زيادة الرواتب لفئات بعينها دون بقية منسوبي الخدمة المدنية، مما أدى إلى خلل كبير ومظالم ترتبت عليها مطالبات عديدة من فئات وجهات تضررت من قرار رفع الدعم الذي تم اللجوء إليه وسط خلافات وملاسنات من قيادات قحت ان كان في الحكومة أو بين الرفاق وبعضهم داخل مجلسهم المركزي، ومعلوم يقينا بأن السعي لإستصدار أيما قانون (خاص) لصالح جهة بعينها -استثناء- فيه اخلال كبير وأضرار بالقوام القانوني للدولة، وكذلك فيه اضرار كبير بمعايير العدالة، ولا أخال التعديات على الأطباء حينها والآن لاتزيد على التعديات التي حدثت خلال فترة اصدار هذا القانون على أساتذة الجامعات مثلا، وكذلك على اساتذة المدارس وسواهم من الموظفين، وللعلم فإن القانون (العام) في السودان يدين ويجرم كل تعدي يطال أيما موظف في أي مرفق من مرافق الدولة، ويستطيع الموظف المعتدى عليه الانتصاف وأخذ حقه كاملا غير منقوص طالما تم الاعتداء عليه في مكان عمله او مكتبه، ولعل هذا الأمر (نافلة) في كل بلدان العالم دون استثناء، لذلك ما كانت هناك حوجة أصلا لاستصدار أي قانون جديد، وكان الأولى بالجهات القانونية والبحثية دراسة السبب الأساس في تعرض طبيب هنا أو هناك لأيما تعدي من قبل مريض ما أو أحد مرافقيه، وبكل تأكيد فإنني لا ادافع عن أي اعتداء حدث لطبيب، انما يدفعني الحرص على السلامة العامة ان كان لاطبائنا أو المرضى ومرافقيهم، فإن هؤلاء وأولئك أهلنا، وكم هي أصلا عدد التعديات التي بنت عليها وزارة الصحة لتضغط على المؤسسة القضائية لاستصدار ذلك القانون؟!.
ولماذا الأطباء بالذات؟!
إنه الخطل الذي لازم قحط سعيا إلى استمالة هذه النقابة او الجهة أو تلك؛ استجداء للمناصرة ضاربين عرض الحائط بالكثير من الاعتبارات الخاصة بدولاب العمل العام!
هل سعى احد منا البحث عن إجابة لذلك؟!
إن أهلنا في هذا السودان من حسن الطوية بمكان، ويكفي اننا أكثر الشعوب إيمانا بمبدأ (عفا الله عما سلف)، وكذلك من امثالنا المعروفة (ياخي الروح بتروح)، لذلك فإن الأمر الذي يستدعي غضبة تدفع بمريض أو مرافقه – بالضرورة قد يكون ابنه أو شقيقه أو والده- إنما الشديد القوى، وبالتالي حري بنا أن نتبين كنه هذه الغضبة وسببها، فلماذا الجزم دوما بأن الخطأ يكون من جانب المريض أو مرافقيه؟!
لذلك ما كان لهذا القانون أن يصدر بتلك العجلة دون دراسة وافية تستلهم كل التفاصيل صغيرها وكبيرها.
ثم أليس من حق أي مواطن أن يسأل: (ماهي الجهة التي أصدرت هذا القانون اصلا، والبلد لم ليس فيها مجلس تشريعي منذ عام 2019)؟!
قد يقول قائل بأنه قد يحدث من مريض أو مرافقيه مايصل حد الضرب والإتلاف، ذلك صحيح؛ لكن القانون الجديد ينص على الإدانة حتى على (التهديد اللفظي)، وتعتمد فيه شهادة الطبيب دون تعويل على شهادة أخرى معضدة!، أليس في ذلك دلالة واضحة بأن الجهة المصدرة للقانون كانت ممالئة لطرف دون آخر؟!، هذا لعمري خطل كبير، فالقانون يمكن أن يستغل من طرف الطبيب ضد أيما مريض ومرافقيه، وبالتالي تكون عليهم (مرضة/ميتة وخراب ديار) كما يقول المثل.
هناك الكثير مما ينبغي اعتباره والركون إليه قبل الخلوص إلى قانون (خاص) بأي جهة مهما كان التقدير والتثمين لعطائها، وإن كان الأطباء أبناء لنا، فإن مرافقي المرضى هم أيضا أهل لنا.
وعلينا أن نكون منصفين.
ولعلي أقولها:
لقد درجنا في بيوتنا -أمهات وآباء- بالسعى حثيثا لأن يصبح أبناءنا وبناتنا أطباء وطبيبات، واعتدنا اسباغ كلمة (يادكتور) على الابن او الابنة منذ دخوله سنة أولى طب، وذاك ما يجعل أبناءنا هؤلاء يطال الكثير منهم احساس بالتميز والفوقية وشئ من غرور، وينعكس ذلك على أسلوب تعامله مع من حوله، وهو الذي يتحدث والمريض ومن معه ينصتون، دعك من بعض التصرفات التي قد ترفع من ضغط المرضى ومرافقيهم من جلافة واقتضاب في الردود، وجفاء في التعامل، دون اعتبار لعمر مريض أو مرافق، وقد كان من الممكن وبكل يسر- وقد عهدنا ذلك في العديد من كبار الأطباء سنا في جيلنا- القدرة والمسعى إلى امتصاص غضب المرضى مرافقيهم عندما يجدونهم متذمرين من واقع طبي متدهور في المستشفيات، فيكون رده لهم:
انتو براكم شايفين الحال في المستشفى وفي البلد، وتعرفوا اني ماعندي يد في الحال دا، ونسأل الله الشفاء لوالدكم ووالدتنا/ابنكم وابننا. بالله عليكم إن قال الطبيب مثل هذا الكلام، هل سيستمر مريض أو أيما مرافق له في غلواء غضبه؟
وحتى إن حدثت وفاة وتشكك المرافقون في وجود خطأ طبي، فإن الرد بحكمة من الطبيب يسهم في معالجة اي ردة فعل آنية غير سليمة.
لقد كتبت عن هذا القانون قبل سنوات عندما تم اصداره، وهل أنا اكتب مرة اخرى وقد وردني ما يثبت استغلال القانون كما توقعت من قبل.
اللهم احفظ بلادنا وأهلنا من كل سوء.
[email protected]

بعد-ارتفاع-معدلات-الانتشار-الإدمان-في-السودان-…شباب-على-حافة عودة إلى قانون حماية الأطباء.



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى