المقالات

عبدالناصر عبدالرحمن يكتب: مهددات الأمن الداخلي في السودان (1)


سهام الحق
عبدالناصر عبدالرحمن مُسبَّل
إن التحديات الكبيرة للأفراد والجماعات و المؤسسات و المنظومات في السودان لإعلاء قيم الوعي، التعقل، البحث، النقد الشجاع البناء، المبادرة، سعة الخيال و روح الإبتكار لم تكن ماثلة بهذا القدر وبهذا الإلحاح في يوم من الأيام كما هي ماثلة اليوم على رأس المنظومات التي أتوجه بحديثي إليها المنظومة الأمنية المتكاملة و المؤسسة العسكرية بصورة خاصة لأن السودان لم يشهد منذ فجر الإستقلال تجييشا للشعب كما شهد في هذا العهد ، تدخل المنظومة الأمنية بأضلاعها الثلاثة (قوات مسلحة،شرطة و أمن) في السياسة الداخلية و في السياسة الخارجية و في تشكيل و صياغة و تنفيذ الإستراتيجية الشاملة للأمن الوطني ، وما تزرعه اليوم هذه المنظومة سيكون هو بعض حصاد السودان في الغد فالعمل العسكري الذي أعنيه في هذا الحديث يشمل عمل المنظومة الأمنية ثلاثية الأضلاع،فلكل ضلع دوره المناط به.
يواجه العمل العسكري الإحترافي بمهام تعليمية تثقيفية تدريبية (مهام إعداد) غير مسبوقة لا من حيث الكم و لا من حيث الكيف،حيث أن الإعداد العسكري اليوم يجب أن يتجه لتطوير المهارات العقلية للفرد بمثلما يفعل لتطوير المهارات الجسدية و يجب أن يفعل ذلك في كافة مجالات الخدمة العسكرية، هذا العمل لا يعتبر مهمة سهلة تحت ظل التغيرات المتسارعة في خطى تطور الوسائط العلمية التكنولوجية، نوعية المهارات المهنية التي كانت مطلوبة بالأمس لم تعد ملائمة ولا كافية ولا كفؤة لتساير حداثة البيئة العسكرية المعاصرة ، هذا الأمر يستوجب على العسكريين بلا إستثناء فهم طبيعة بيئة العمل العسكري الداخلي و إكتساب المهارات العلمية و العملية و الثقافات المتعلقة بالمهن و المهام بصورة تسهل عملية تمييز طبيعة النزاعات الداخلية و الأسباب الكامنة وراء ظهور وتفاقم هذه النزاعات و تسربها إلى بنية المجتمع السوداني في صور متعددة من صور ما يمكن إعتباره
( مهددات الأمن الداخلي) أثبتت التجارب أن الفهم الصحيح للعوامل المسببة لهذه الظواهر والتقدير السليم لتصورات وتقنيات العلاج تتساوى من حيث الأهمية مع إتقان المهارات المهنية الإحترافية للعمل العسكري ، أوجز بالقول إن مهمة العسكريين حاليا هي تضمين إستخدام مهاراتهم العسكرية في ديناميكية و تعقيدات البيئة الداخلية السياسية العسكرية المعاصرة غير المستقرة و غير المنتظمة.
ثمة تعريف قد يكون متفقا عليه يقر بأن الحرب هي مواصلة للسياسة بوسيلة أخرى (وسيلة عنف عسكرية). لكن يجب أن لا يخلط البعض بين هذا و بين أن تستخدم القوات المسلحة لمواصلة الإدارة بطريقة أخرى ، الفرق بين السياسة و الإدارة كالفرق بين الحرب و تفريق المظاهرات هذا من ناحية و من الناحية الأخرى لو وضعنا السياسة في علاقة عكسية مع النزاعات،يمكن القول إن السياسة هي مواصلة النزاعات بوسيلة أخرى
(وسيلة سياسية سلمية) هذا التعريف يمكن إعتباره هو الأكثر حكمة و عقلانية ووطنية للتعامل مع النزاعات الداخلية في السودان، إن التكافؤ النسبي بين قدرات الصراع لمختلف القوى الإجتماعية قد أدى إلى إنتاج نسخة سودانية من (الحرب بالوكالة)و التي إتخذت صورا متعددة وصلت حد المواجهات المسلحة بين مجموعات سكانية في بعض المناطق الأكثر تخلفا في السودان لصالح مراكز المصالح الأكثر قوة و تقدما في السودان ، هذا الشكل من أشكال الحرب بالوكالة صار يمارس في شكل أداة من أدوات الشمولية البغيضة التي لم يعرفها السودان في تاريخه الحديث، شمولية تقفز بعنصر المكان مستخدمة عناصر السكان في حروب إستنزاف هي أسوأ من تجارة االبشر.
بغض النظر عن الزاوية التي ينظر منها الفرد العسكري لمثل هذه النزاعات،إلا أن حقيقتها تجسد واقعا حيا مؤلما لصراع قوات تدافع عن تحالف مصالح يرمز إليه ب.. (نحن) من ناحية و قوات تدافع عن تحالف مصالح يرمز إليه ب.. (هم) من الناحية الأخرى، بما يتضمنه ذلك من أفكار و مهام و نشاطات و إنكار للآخر للتأثير على نتائج الصراع الأمر الذي يجعله يتحول إلى صدام مكلف و متراكمة تبعاته و تأثيراته العاجلة والآجلة على جهود أجيال المستقبل ، النزاعات الكامنة في السودان ليست ناتجة كلها عن مؤامرات ولا كلها مناهضة لمصالح الشعب السوداني، كذلك ليس كل نزاع سياسي سيتحول بصورة أوتوماتيكية إلى نشاط مدمر، هذه التبريرات هي من مخرجات المكايدات المهلكة التي بثتها ولا تزال تبثها و ترسخها في العقول والقلوب آليات تغبيش الوعي من وسائط إعلامية سطحية جاهلة و مضللة، على كل السودانيين أن يعلمو أن الرغبة في نجاح أحد الطرفين المتقابلين في نزاع داخلي هي مسؤولية سياسية بامتياز، و من البديهي أن المدنيين و العسكريين الملمين بالإعتبارات التي يمكن أن تؤثر على مثل هذه النزاعات هم الأكثر وعيا و الأشد قدرة وحساسية وطنية و الأعمق إدراكا لمآلات تنفيذ السياسات السليمة لدعمها أو الخاطئة للتصدي لها.

من بين القدرات الإستراتيجية التي تأتي على رأس عوامل تحليل بيئة العمل العسكري يبرز الموقع الجغرافي للسودان بما يحتويه من أبعاد تاريخية إنسانية، هذا الموقع بأبعاده هو الذي يميز الأمة السودانية كواحدة من الأمم النامية، من أهم خصائص الأمم النامية وجود ما يعرف ب.. (المهددات الكامنة).بعض هذه المهددات مجسدة الآن على المسرح السوداني في أشكال نزاعات تتفاوت درجات سلميتها وعنفها بين المظاهرات المستمرة الآن و عمليات الحركات المسلحة، المهددات الكامنة قد تشمل (تظاهر،أعمال شغب و تخريب،نهب،تمرد وعصيان،أعمال إرهابية،إغتيال وتصفية لأفراد أو جماعات أو مجموعات،عمليات عسكرية لبعض الحركات المسلحة).هذه الأعمال تقع في الجزء المسمى بالنزاعات الخفيفة ضمن ما يعرف عسكريا بـ (طيف النزاعات)..
نواصل

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف عبدالناصر عبدالرحمن يكتب: مهددات الأمن الداخلي في السودان (1)





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى