المقالات

عبدالناصر عبدالرحمن يكتب: مهددات الأمن الداخلي في السودان (2)


سهام الحق
عبدالناصر عبدالرحمن مُسبَّل

قلنا في الحلقة الماضية أن هذه الأعمال تقع في الجزء المسمى بالنزاعات الخفيفة ضمن ما يعرف عسكريا بـ (طيف النزاعات) و طيف النزاعات يتدرج تصاعديا من نزاعات خفيفة إلى متوسطة إلى شديدة. المنظومة الأمنية الكاملة و على رأسها القوات المسلحة مسؤولياتها تشمل كامل طيف النزاعات من حدها البسيط إلى حدها الشديد. رغم أهمية وحيوية الموضوع إلا أننا كرسنا القليل من الوقت والجهد في التركيز بصورة علمية على الجزء البسيط من طيف النزاعات رغم أن معظم تجاربنا العسكرية العملية كانت في هذا الجزء بالتحديد. لقد حللنا وقدرنا مختلف المواقف و وضعنا تصورات لإستراتيجيات التهديدات الخارجية المتوقعة و الإستراتيجيات المضادة لها، إلا أننا خدشنا السطح فقط بالنسبة لهذا النوع من التهديدات رغم خطورته و رغم وجوده المؤكد كامنا في جسد أمتنا، إذا وضعنا رسما بيانيا يوضح ما أهدرناه من موارد بشرية و مادية على كامل طيف النزاعات فسنجد الكفة تميل كل الميل بإتجاه النزاعات البسيطة، حدث ذلك ويحدث الآن بسبب الإصرار في كل مرة ومن أول مرة للجوء إلى الحل بوسائل عنيفة، هذا على عكس ما يجب أن تبدأ به المواجهة مع مثل هذه النزاعات، وقد ذكرت في بداية حديثي أن عقلانية،حكمة و وطنية الحلول تقتضي مواصلة النزاعات الداخلية في السودان بوسائل سياسية سلمية والميل الدائم إلى العنف في كل مرة ترتب عليه إنفاق أكثر على الحروب الداخلية من ناحية و إنفاق أكثر على منظومة أمنية مترهلة بعدتها و عتادها من الناحية الأخرى، في الحالتين الخاسر الأكبر مواطن سوداني وكان ولا يزال من الممكن تفادي إهدار الكثير جدا من الموارد البشرية و المادية و الكثير جدا من الوقت، كان ولا يزال من الممكن تجنب الكثير جدا من المشاكل التي نتجت عن إهدار تلك الموارد و تجنب إهدار المزيد من الوقت.
الأمة النامية هي أمة ترتقي بجهودها إلى ما فوق المجتمعات التقليدية و هي تعيش تجربة تغيير سياسي، إقتصادي، إجتماعي، عسكري،وسيكولوجي ، هذا التغيير يوصف بأنه جهود موجهة نحو الحداثة، النمو و التقدم الوطني، القوة الوطنية للأمة النامية تكون عادة في حالة نهوض لكنه نهوض أدنى بكثير في نوعيته و قدرته و مداه عن ذلك الذي يحدث لأمة صناعية نامية. أي أمة نامية لها ما يميزها عن غيرها في التاريخ، الجغرافيا،الثقافة و الاهداف التي تسعى إلى تحقيقها. إرتباط هذه المميزات ببعضها في دولة نامية مثل السودان يخلق مشكلات تختلف عن المشكلات التي قد تحدث لدولة نامية أخرى، رغم أن لكل أمة نامية ما يميزها عن غيرها إلا أن هناك عوامل
معينة يمكن إعتباره عامة بين الدول النامية.
اولها: العوامل الإجتماعية:
الأمة النامية في حالة إنتقالية مستمرة (عملية تغيير مستمر).خلال عملية التغيير تطرح جانبا بعض التقاليد،القيم، المؤسسات و مدركات المجتمع التقليدي وتستبدلها بأخرى متطورة جديدة ينتج عن ذلك قلق و ربما إحباط يخلق توترا و إضطرابا، تفتقد الأمة النامية إلى الوحدة الوطنية، تميل بعض الجماعات إلى الإنعزال. قد نجد مجموعات من السكان يفصل بين مكوناتها حدود دولية وترتبط بالدولة فقط في محيطها المحلي أو قد ترتبط إجتماعيا بأكثر من دولة.. قرون من الحياة الريفية و الهيمنة القبلية تكون قد أسست و رسخت أنماطا محددة من القيم والعادات و نظم و أساليب الحياة،التغييرات السياسية و الإقتصادية التي تحدث تفسد أنماط القيم والعادات والتقاليد ونظم الحياة التي كانت سائدة و تتسبب في جو من التوتر.. بعض المواطنين يقاومون التغيير الذي يرونه مهددا لمصالحهم و مرتكزات نفوذهم التقليدية، القبلية، العرقية أو الدينية. النخب التقليدية التي لا ترغب في التسليم بتغيرات الزمان أو مشاركة الآخرين لسلطاتها و نفوذها، الطبقة الوسطى الصغيرة ضعيفة النمو و التنظيم بجانب غالبية عظمى من المواطنين تضربهم أعاصير الفقر،الحرمان و قلة الحيلة كلها تؤدي إلى تخلق قوة كامنة للمهددات الداخلية.
+ في أي مجتمع يحدث التغيير بصورة مستمرة، البعض يريد هذا التغيير والبعض الآخر يرفضه و قد يحاول منعه الكثير من الأمم النامية تشهد تغييرات بموارد بشرية و مادية متخلفة و بمعرفة وخبرات تكنولوجية محدودة..الحداثة غالبا ما تغير حياة المواطنين وتقلل حدة الولاءات القديمة للعرق،القبيلة،الجهة و التقاليد. في محاولاتهم للإنعتاق من الطرق و الأساليب القديمة،يبحث المواطنون عن أوضاع جديدة أفضل.سكان الريف دون أن تكون لهم مهارات ذات قيمة سوقية يزحفون نحو المناطق الحضرية المكدسة بحثا عن حياة أكثر راحة و غالبا ما يصابون بخيبة أمل نتيجة لضيق فرص العمل و ظروف الحياة السيئة التي يجدونها،خيبة الأمل تقود إلى الإحباط والشعور بالضعف والعجز وفقدان الثقة في الحكومة.
+ النمو السكاني و تراكم الناس في المدن الكبرى يكون بمعدلات أكبر من معدل النمو الإقتصادي اللازم لمقابلة إحتياجات المواطنين،سرعة الإيقاع بإتجاه الحياة الحضرية تعجز محاولات إيجاد مساكن كافية، خدمات عامة و خدمات إجتماعية مناسبة.. العناية الصحية لا تتوفر إلا للقادرين..القوة ووسائل النفوذ تتركز في أيدي نخبة مهيمنة تتشكل من عدد قليل من المواطنين. القيادة السياسية تبذل كل جهدها للمحافظة على سلطتها و نفوذها.. الفجوة الإجتماعية الإقتصادية كبيرة بين هيكل السلطة الصغير و الأغلبية الساحقة من المواطنين..تطور و إنتشار وسائل الإتصال جعلت عامة المواطنين مدركين لمستوى الحياة العصرية الذي لا يجدون نصيبهم منه.

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف عبدالناصر عبدالرحمن يكتب: مهددات الأمن الداخلي في السودان (2)





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى