المقالات

عبدالناصر عبدالرحمن: جنود ملائكة الخير وعساكر الشر المطلق


سهام الحق
عبدالناصر عبدالرحمن مُسَبَّل

السلام و رحمة الله تعالى وبركاته على أهلنا وعلى سهلنا وعلى ( فدائية وفحولة ) من خرجوا يجودون بالنفس والدماء في سبيل وطن للجميع معافى من  عاهات  الظلم والبطش والتسلط مبرئا من عقد  الأنا  وغلبة الدين وقهر الرجال. وطن نسأل الله أن يعفو عنه  و يعافيه  و يستر عوراته و يؤمن روعاته  ويحفظه.
قد لا أجد في رصيدي العلمي ما يمكنني من مجاراة فقهكم البلاغي في تحليل قيم و مآلات جهود الأحجية السياسية في السودان لكنني حاولت تحري رؤية هلال العيد بين كتل الغيوم المتحركة بين السطور . سرني رغم رمزية بعض المعاني الحذرة، أن أجد نبرة تؤكد إمكانية تخطي ما كان يحسب أنه  إدمان اللامبالاة جهرا.
أبدأ حديثي بمرتكز يقيني حررني من خرافة موثقة  في قواميس  لغتنا  السياسية  بمختلف القراءات  و الروايات. خرافة تعتمد على فكرة أن  الساحة السياسية في السودان هي ساحة حرب بين (جنود  الملائكة ) و(عساكر الشر المطلق ).التشبث و الولع بهذه الخرافة تسبب أكثر من أي شيئ آخر في تشويه و عينا  بالمثل السياسية الحقيقية – مثل الحياة اليومية  الحرة الكريمة- كما أدى هذا الولع إلى خلق تماثيل سياسية تحولت بما وجدته من تقدير و احترام مبالغ فيهما إلى أصنام تاريخية تم تقديسها وتحويلها إلى آلهة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. دلت السوابق  و الوقائع أن نمط هذه التماثيل قد فشل في تحقيق أحلام و تطلعات تابعيه ناهيك عن أحلام و تطلعات الآخرين. كما   أكدت السوابق أن  هذه التماثيل قد عبثت بمستقبل عدة أجيال من السودانيين.
قد لا يوجد ما هو أكثر وضوحا من الطريقة المؤذية التي ينمي بها معظم الناس معرفتهم بالأمور السياسية العامة. هم يملكون الضمير و  الرغبة للقيام بدور المواطنة  الحقة.إنهم بكل الحماسة و الحيوية و برغبة إنسانية صادقة  يتبعون ويتابعون تمثالهم ( المرشد/ الحسيب النسيب/الإمام/الشيخ/ الأستاذ/القائد التاريخي/المناضل/البروف/…..إلخ ) في كل زمان و مكان يعيشون معه من خلال عواطفهم متعة  إنتصاراته في معاركه البلاغية. لكن في المسائل التي تتطلب فنيات عمل  رجل الدولة والسياسي، فإن التمثال يتحول إلى آلة روتين سطحي غير مكترث، يتحرك بلا وعي و لا إحساس بواجبه الأخلاقي  ويباشر مسئولياته بأسلوب يعكس الكثير من الغرور  والعجرفة و التعالي. النتيجة ..هذا  الرحم الولود للفاشلين.
السياسي الذي يحرر نفسه من الطبيعة الإنسانية لا يمكن أن ينتج عنه عملا إنسانيا، و لا إنسانية، السياسي تتجلى في أوضح صورة باتباعه للسوابق دون أن يبتكر لنفسه سابقة واحدة. هذا هو (سياسي نمط التماثيل) الذي  يتصرف وفقا لإيقاع تروس آلة الروتين ( التنظيمي/ السياسي/ الإداري /القيادي….إلخ ) خياله لا يستطيع أن يتحرر منها لاكتساب حسا إنسانيا  يعصمه من التشبث والولع بأفكار  وشعارات تكرر تجريبها كما تكرر تأكيد فشلها الذريع. تحت ذريعة الإنضباط التنظيمي ( إذا استبعدنا سوء النية  ) نجد نمط التماثيل السياسية يكررون نفس الأخطاء ويتبعون نفس الطرق والأساليب التي إتبعها أسلافهم. لذلك أقول بمثلما أن سطوة جبهة الهيئات لم تعصم فدائية وفحولة ثوار أكتوبر من أخطاء ما بعد  أكتوبر ، كذلك لم تعصم سطوة المجلس العسكري الإنتقالي ثوار إبريل من أخطاء ما بعد إبربل.  هنا أعود وأذكر بخرافة طرفي معادلة جنود الملائكة  وعساكر الشر المطلق.
أتفق تماما مع حقيقة أن  إنجاز التغيير السياسي الحقيقي  يصبح  حديثا بلا معنى إذا استند فقط على الغضب العارم والعواطف الملتهبة والسعي لاستبدال وضع قائم بوضع آخر مع الإعتماد على  الآلة الروتينية نفسها التي كان يستخدمها الوضع المراد تغييره.  أقول ذلك مؤكدا أن أي نقد  علمي منهجي لفشل تجارب ما بعد 1956 و 1964 و  1985 يشير إلى خلل إستراتبجي في محوري إرتكاز إستقرارنا السياسي ، محور بناء الدولة ومحور بناء الأمة  والسبب الأساسي في  ظهور هذا الخلل بصورة متكررة هو إستخدام تروس الآلة الروتينية  الميكانيكية الموروثة من فترة سابقة لرسم المخطط الإستراتبجي لفترة لاحقة . هذا هو السبب  الأساسي الذي يجعلنا ندور في نفس الدائرة قبل أن يكون السبب هو مغامرات عساكر الشر المطلق.
أتفق كذلك تماما مع   ضرورة أن يرسم الذين يتصدون لقضايا التغيير ملامح واضحة لعملية تغيير النظام بحيث يظهر الفرق الكبير بين تغيير النظام وتغيير الوجوه. تغيير النظام عملية تغيير جوهري للقالب الإستراتيجي للنظام  .هي عملية تغيير مرتكزات فلسفية وفكرية وصياغة غايات كلية  و  أهداف  تتدرج  بحسابات مرحلية للوصول للغايات المرجوة، هي عملية إستنهاض همم  وطاقات كل السودانيين بلا إستثناء للتفاعل الإيجابي مع الموارد البشرية و المادية  لتحفيز مقومات عناصر قوة الدولة بما يعود بالنفع والخير للجميع، هذا هو موجز ما  يعنيه تغيير النظام، السؤال هنا: فهل حدث في أي مرحلة من المراحل التاريخية التي ذكرتها  أن حاولنا بصدق أن ننجز حقيقة عملية تغيير النظام ؟؟
تم تغيير ديكتاتورية الإستعمار بأداة تزيت بالديمقراطية ،  ديمقراطية مظهر إستمدت فعاليتها من تروس الآلة الروتينية الميكانيكية الموروثة من الإستعمار.كانت النتيجة هي ديكتاتورية (ديمقراطية) نمط التماثيل السياسية و أول ضحايا تلك الفترة كانت هي الديمقراطية المظهرية نفسها و…كانت 17 نوفمبر 1958.
تغيير ديكتاتورية  ما قبل أكتوبر لم تكن عملية تغيير نظام لكنها كانت عملية تغيير أدوات وصول الديكتاتوريين إلى السلطة أي تغيير وجوه وزي بوجوه وزي مختلف. كانت نتيجة ممارسات ديكتاتورية (ديمقراطيي) ما بعد أكتوبر هي حل  الحزب الشيوعي السوداني و طرد نوابه المنتخبين من الجمعية التأسيسية وعدم إحترام السلطة القضائية  التي حكمت بعدم  دستورية ما حدث من حل للحزب أو طرد لنوابه. بهذه الأحداث بدأت حلقة تآمر أحد طرفيها بعض جنود ملائكة الخير  (طيف من تنظيمات وكيانات سياسية مدنية) والطرف الآخر  بعض عناصر من عساكر الشر المطلق مرتبطة بالولاء لطيف تنظيمات و كيانات الطرف الأول….فكانت 25 مايو 1969.
في تغيير ديكتاتورية ما قبل إبريل 85 تكرر نفس السيناريو و ربما بطريقة القص واللصق زائدا عليها تراكم الخبرات في مجالات  المكر  والخداع  والكذب والغش و التضليل والإستهتار  بقيم و مثل ومصالح الشعب السوداني وتضحياته. ضحية فترة ديكتاتورية ( ديمقراطيي )  ما بعد إبريل 1985 كانت هي القوات المسلحة بدئا من تشكيل المجلس العسكري الإنتقالي  و  انتهاءا بالمذكرة الشهيرة التي منها تكررت دورة التآمر والمتآمرين من طرفي معادلة الخرافة – ملائكة الخير و عساكر الشر المطلق ….فكانت كارثة  30 يونيو 1989. هنا أتساءل بصدق الباحث عن الحقيقة :  أين يكمن الشر ؟؟؟ هل الشر في  ( الدائرة الشريرة ) أم في الأشرار الذين يديرون هذه الدائرة ؟؟ هل  الأشرار  حقا هم العساكر أم الملائكة الذين يتشيطنون على سنة إبليس قائدهم ؟؟
حركة الشارع السوداني التلقائية  هي أصدق المعايير و  أكثرها دقة و مصداقية لقياس  مستوى الحيوية الوطنية التي من خلال رصدها نتطلع لمعرفة  قدرات مساهمتنا كسودانيين في مسيرة الحضارة الإنسانية.الاسر و الجماعات، الريف و المدينة ، المزارع والمصانع، المدارس والجامعات، ساحات الملاعب ومعاهد ومراكز تأهيل و إعداد رجال القوات المسلحة والشرطة و الأمن ، كلها مؤثرات قوية في حياتنا وكلها  تتأثر بالسياسة بصورة مباشرة. إذا لم تشغل هذه  الأمور الفكر السياسي، فمن المؤكد أن السبب ليس هو عدم أهمية موضوعات العلوم السياسية لكن المشكلة كما أتصورها هي  في الشخص السياسي. ونسق الحقائق العلمية المعاصرة يشير إلى ضرورة تحصين العمل السياسي باشتراطات  تضعه في الموضع الذي يستحقه ضمن منظومة العلوم الإنسانية.
و أعود لأبدأ من النهاية – أقول يا شعبنا إن فدائية وفحولة حراك الشارع السوداني تؤكد بصورة لا تقبل الجدل، الحيوية الوطنية لهذا الشارع. والحيوية الوطنية للشارع هي أقصى درجة من درجات المساهمة المطلوبة تحديدا من هذا الشارع لهز  الشجرة….وقد فعل. يبقى إلتقاط الثمرة هو المساهمة المطلوبة من أصحاب العقول اليقظة والقدرات الخلاقة و  الضمائر الحية من طرفي معادلة خرافة ملائكة الخير و  عساكر الشر الذين تربوا وترقوا في مدارج العلم والوظائف بكافة متيسراتها ومسراتها على أكتاف  جحافل الغضب الزاحفة  في شوارع  المدن و القرى تطالب بحقها  و لا تتسول مكرمة  من أحد.
السيدات و السادة  من حاملات وحاملي ارقام المقاعد الامامية حسب بروتوكول الإمتيازات التي تتمتعون بها بفضل عقولكم التي غذيت علميا  بجهد وكدح وتضحيات ثوار الشوارع ،بالمثل يطالبكم هؤلاء الثوار أن تكونوا  في الصفوف الأمامية  في معركة إلتقاط الثمرة  من أجل وطن  يعم خيره وشره الجميع.
أقول قولي هذا سائلا الله  تعالى لك دوام الصحة و العافية  و أن يجزيكم خيرا على ما تتفضلون به من علم أحسب أنه قد يسمن وقد يغني من جوع. تحياتي…

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف عبدالناصر عبدالرحمن: جنود ملائكة الخير وعساكر الشر المطلق





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى