المقالات

عادل عسوم يكتب: مابين هاشم العطا وعوض ابن عوف.


عادل عسوم
اليوم تمر على السودان ذكرى انقلاب هاشم العطا الذي لم يستمر سوى يومين ونهار اليوم الثالث، وهي ذات المدة -تقريبا-التي قضاها الفريق أول عوض إبن عوف عندما تم تنصيبه رئيسا للسودان، واستحق عوض ابن عوف الاحترام عندما أعلن تنحيه بعد مرور اليومين، ولعله بذلك يسجل نفسه في موسوعة غينيس كأحد أصحاب اقصر فترة رئاسية في العالم، يشاركه في ذلك الرائد هاشم العطا ولكن مع اختلاف وضع الرجلين، فالأخير كان شيوعيا ولم يتنحَّ، بل استطاع النميري -الذي انقلب الرائد عليه- أن يعود إلى الحكم ثم يقرر إعدام الرجل.
أما حال إبن عوف فقد اختلف من حيث الشكل والمضمون، لقد كان التبرير بتنصيب الفريق أول عوض إبن عوف اعتبارات عسكرية بحتة تتصل ب(الرانكنك) في الجيش، لكن الرائد هاشم العطا المدفوع من حزبه الدموي للانقلاب على نميري الذي تبينوا شروعه في إدارة وجهه عنهم -بعد أن عرف الفيهم كما يقول أهلنا- كان ضحية لرعونة لازمت الحزب العجوز منذ نشأته، وما كان لتنحي ابن عوف أيما ارتهان باعتصام القيادة، فالحراك حينها وكما هو معلوم كان ينفذ توجيهات تجمع المهنيين الساعي بجهد جهيد للدفع بالمجلس العسكري ومقاسمته السلطة بأعجل مايكون، فيركب طفابيع اليسار (منفردون) مركب الحكومة الانتقالية دون بقية المكونات السياسية التي تزاحمهم عليها، ومافتئ اليسار يفعل ذلك إلى يومنا هذا، وقد فعل البرهان خيرا عندما أعلن انسحاب الجيش عن حوار فولكر فاختلط البقر على اليسار واتباعهم مريم والصديق، واذا بواجهة لجان المقاومة التي انشأوها وعولوا عليها مستقبلا يشرع الكثير من الأبناء فيها في وليع النور كما فعل من قبل غريمهم التوم هجو، وسيظلون يستميتون للعودة إلى حكم ماهم ببالغيه بانتخابات لامن قبل ولامن بعد، فالحزب الشيوعي منذ استقلال السودان لم يحصل على مقاعد تطلق الضهر، اما حزب البعث الذي قال عنه وجدي صالح: (حزب البعث حزب عظيم لايتحدث عنه إلا العظماء)، ولعله صادق إن كان يعني بالعظمة مقاعد بعينها يعرفها معتادوا السفر إلى الأقاليم بالبصات السفرية، فحزبه هذا ظل منذ استقلال السودان يكمل قماش النصارى في كل انتخابات -ويكمل بتشديد الميم وكسرها- ثم يخرج من كل انتخابات كما ولدته أمه.
ولعلي أقول بأن تنحي أبن عوف قد أحرج واجهة تجمع المهنيين، إذ دفع تنحيه الكثير من أهل الوعي إلى تجيير الحدث لصالح العسكر باعتبارهم اصحاب براغماتية مقبولة وهو يتعاملون مع المحيط الدولي، وهم في ذلك ليسوا كطفابيع اليسار في قحت جناح (المركزي) واحزاب أربعة طويلة وبعض نشطائهم من اصحاب الفهم السياسي رزق اليوم باليوم، واعتبر اخرون التنحي استعدادا موجبا من العسكر للتعاطي بذهنية اقرب لذهنية المدنيين.
وبذلك خسر اليسار من خلال واجهته تجمع المهنيين شوط المباراة، ولاغرو أن اسلوب تعاطي التجمع – ومن خلفه احزاب اليسار- لايمكن تشبيهه إلا بمباريات كرة القدم لما فيها من تعويل من الجهاز الفني على أجساد وعرق اللاعبين، اذ تجقلب الخيل لينال حماميدهم الشكرة، وكانت خسارة تجمع المهنيين جلية في أول تعارض وخلاف بينه وبين الشباب المعتصمين الذين تفاعلوا ايجابا مع التنحي بينما رفضه التجمع،
وهذا لعمري أول اسفين دق بين الشباب وهذه الواجهة السارقة لحراكهم وهي إلى موات بحول الله، وحري بنا كسودانيين ان نشكر الفريق أول عوض إبن عوف الذي أظهر تقديره واحترامه لتحديات المرحلة، ولم تضعف نفسه أمام وهج المنصب وهالات عوالم الرئاسة، ولعله حين تنحى استصحب واستلهم الآية الكريمة {…وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
قبل عامين ظن الطفبوع رشيد سعيد والمراسل لقمان أحمد بأن أهل السودان اصحاب ذواكر سمكية وقنابير عندما سعيا إلى الاحتفال -في تلفزيون السودان الذي تفترض قوميته- بذكرى انقلاب هاشم العطا، ولم يجد احدا من الشيوعيين والشيوعيات الذين استضافوهم للحديث عن الانقلاب الشجاعة لذكر كلام سكرتيرهم عبدالخالق محجوب الفج والدموي القبيح الذي قاله عندما قتلوا الناس في الجزيرة أبا وودنوباوي، قال عبدالخالق:
(إن تصاعد الصراع الطبي والسياسي في بلادنا والذي اتخذ الجزيرة أبا وودنوباوي مسرحا له ليس أمرا عابرا، استطعنا توجيه ضربة قاصمة لتنظيم حزب الأمة الرجعي، هذه الضربة أنزلت بالقوى الطائفية هزيمة واضحة ومهدت الطريق لمرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية).
عبدالخالق محجوب
سكرتير الحزب الشيوعي السوداني
القاهرة
ابريل 1970
صحيفة الصحافة السودانية
وعبدالخالق محجوب في بيانه هذا يحتفي بقتل الف وثمانمائة سوداني في الجزيره ابا وحي ود نوباوي، إضافة إلى قتل الامام الشهيد الهادي وصحبه -الأسرى- في الكرمك بدم بارد، واضطرد احتفاء واحتفال الشيوعيين بتدبيج القصائد والرقص والشرب في الطرقات، فكتب الشيوعي كمال الجزولي:
ها انت تعود إذن ياسيدنا
حسنًا ذلك اخر ما في جعبتنا
أن نقتل أصبح أسهل من إلقاء تحية
أن نطلق في الرأس رصاصة
أن نغرز في الصدر الخنجر
أن نشنق ان نخنق أن نبتر
أن نمسح حد السيف بحد اللحية
اصبح يا سيدنا اسهل من إلقاء تحيه.
انقلاب هاشم العطا اسماه الشيوعيون (حركة تصحيحية)، وهم بذلك يعترفون بمسؤوليتهم عن انقلاب مايو 1969، وللعلم فإن سكرتيرهم العام السابق الراحل محمد ابراهيم نقد قد اعترف بذلك في البرنامج الذي كان يقدمه الاستاذ بابكر حنين، ومعلوم عن الشيوعيين اعتيادهم على الانقلاب داخل انقلاباتهم السابقة لدواعي الهيمنة الكاملة و(الاقصاء) الذي ظل لهم طبعا وجبلة منذ عهد ستالين إلى عهد الطفبوع رشيد سعيد، ولتسألوا التأريخ عن مذابح عدن، وفي أديس أبابا عندما قام منقستو هايلي ماريام بتصفية مجموعة أمان عندوم.
ومن المضحك أن الشيوعيين الذين استضافهم تلفزيون (وكيل أول) رشيد سعيد ومديره المراسل لقمان أحمد سعوا ببلاهة لاتخطئها عين إلى انكار اي صلة بين حزبهم وإنقلاب مايو 69، ولعل السبب في ذلك مسعى منهم لانكار علاقة الحزب بالجرائم والمقاتل والتي اعترف بها ضمنا سليم الطوية سكرتيرهم العام السابق محمد ابراهيم نقد رحمه الله.
والله المستعان
[email protected]

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف عادل عسوم يكتب: مابين هاشم العطا وعوض ابن عوف.





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى