المقالات

عادل عسوم: يا ضنين الوعد


إنها درة يصعب أن تجد لها شبيها أو مثيلا…

أعجبت عباس محمود العقاد فاقترح لكابلي بأن يقول (ياضنينا بالوعد) عوضا عن ياضنين الوعد.

وقال عنها شاعرها صديق مدثر: (كتبتها بكل جوارحي , وأودعتها كل الصدق)…

اسمحوا لي بالتوقف هنيهة أمام هذين البيتين لأحكي لكم عن هذه القصة…

يقول الشاعر:

ان يكن حبك مجهول المدى فخيال الشعر يرتاد الثريا

ان تكن انت بعيدا عن يدى

فخيالى يدرك النائي القصيّا

هنا يستوثق المرء بأن الحب يفعل الأفاعيل!

ما أجمل ثقة الشاعر بنفسه ونعمة الشعر التي وهبه الله!

فكم من قصص حب جمعت بين قلبين وزوجين، وقد نأت بهما أحكام الناس واعتبارات المجتمع…

كلما قرأت هذا البيت، أو استمعت إليه من كابلي وهو (يهتف به)، أجدهما أمامي، انهما استاذ جعفر وأستاذة رانيا…

قصة عايشت شخوصها في سنار المدينة…

اليكم القصة:

كانت في الجوار أسرة تتسم بثراء عريض، وقد خرج الأبوان من الدنيا بأبنة وحيدة بدأت حياتها المهنية كمعلمة في المرحلة الأبتدائية في المدينة، أحبت رانيا معلما من أرياف سنار، لا يملك من الدنيا سوى طبشورة وماهية لاتكاد تفي متطلباته، عوضا عن أسرته الكبيرة!…

هذه المعلمة رفضت العديد من أبناء الحسب والنعمة من أقربائها من أهل سنار وماجاورها، واختارت أستاذ جعفر!

زارنا هذا الاستاذ يوما خلال أحتفال مدرسي، وكانت المدرسة تستعين به لتدريس (طلبة الاعادة) في الصف الثالث الثانوي، فعزف لنا على العود أحسن مايكون العزف، وغنى معنا كأفضل مايكون عليه الغناء، وتحدث لنا عن (الوجدان وسبل الأرتقاء) فاستلب منا الانتباه والقلوب!

وعندما أُذّن للعشاء، قدمه وكيل المدرسة فصلى بنا تاليا ومجودا بصوت يتصعد بنا إلى السماء!

حدثني من لا أكذبه بعد سنوات عشر فقال:

لقد سكن أستاذ جعفر وأستاذة رانيا بجوارنا في ذات العمارة التي سكنت فيها في مدينة جدة، حيث يعمل أستاذ جعفر في وزارة التربية والتعليم السعودية، بينما استاذة رانية تعمل مدرسة في مدرسة خاصة، فلم أجد زوجين أكثر سعادة منهما!!

لعمري إن أمثال هذه الأشعار الوضيئة لتشعل في النفس جذوة استنطاق جمال ال(أنسنة) فينا، تماما كما يفعل المصباح حين نشعله فينداح فينا ضياء…

لقد كانت من ألهمت شاعرنا تصطرخ جمالا ودلا …

يمتلئ خداها بماء الشباب ويعلو عارضيها بهاء ماتع…

إنه بلا جدال انعكاس لدواخل مفعمة باللّطف والجمال …

طرفها كحيل بفطرته التي فطره الله عليها…

انه نبع للسحر، فكل نظرة منها تأسر القلوب وتنزع عنها التخيير فتصبح مسيّرة منقادة اليها…

أسرته بنظرة سلبت منه الارادة؛ فأضحى تابعا كالقمر يدور في فلكها بلا انفكاك…

بل أصبح لا يقو على الحياة بدونها…

ولكن ماذا تراه يفعل وهو يعلم الفارق الكبير بينهما؟!

إنها ابنة أكابر، وهو بعيييييد عنها في سلم الحياة …

الذي يجعله مشدودا إليها نظرة حزن يتبينها كلما نظرت إليه، وكم تزيد النظرة الحزينة جمال العيون…

يومها …جاءته وهي الضنينة في وعدها …

وصلته فأشرقت الدنيا بمقدمها، وهو الذي عاش أشهرا ينتظر هذا اللقاء…

واختلط صحوه بمنامه، فكم حلم بلقياها من قبل، واضحى يسائل نفسه هل هذا اللقاء حقيقة؟!، أم هي بعض أحلامه التي ينسجها خياله؟!

وهنا… يبدع صديق مدثر وهو يعبر عن تداخل الواقع مع الوهم!

أسمعه وهو يقول:

كان بالأمس لقاء عابرا

كان وهما، كان رمزا عبقريا

كان لولا أنني أبصرته

وتبينت (ارتعاشا) في يدي؛

بعض أحلامي التي أنسجها

في خيالي وأناجيها مليا…

يااااه

ما أبرع وصف توهانه مابين الحقيقة والوهم؟!

وما أبلغ تصويره لدليل حدوث اللقاء!…

هاهي صورتها مابرحت تمور أمام ناظريه، وهذه يده مازالت (ترتعش) من بعد السلام عليها…

إنه ليس في حلم، انها الحقيقة!!!

جاءته وهي عجلى، وقالت بأنها تخشى من تغول الفارق بينهما، ولم تعطه الفرصة ليتحدث…

فأظلمت الدنيا في عينيه، وانفطر فؤاده، واغرورقت عيناه بالدمع فلم يعد يبصر شيئا…

لكنه أقنع نفسه بكونه رأى حبها الحزين يطل من عينيها، فهتف وقال:

كلما اخفيته فى القلب

تنبي عنه عيناك

ولا يخفى عليّ

انا ان شئت فمن اعماق قلبى

ارسل الالحان شلالا رويا

وابث الليل اسرار الهوى

واصوغ الصبح ذوبا بابليا

انها بالفعل تحبه، لكنها تخشى الفارق بينهما…

والآن فقط عرف سر هذا الحزن الدفين في عينيها…

أرضى ذلك كبرياءه، فأعلن لنفسه بأنه سيظل يحبها الى أن يشاء الله، وسيستقوي بخيال الشعر، فخيال الشعر يرتاد الثريا…

لنعش معها ياأحباب…

ضنين الوعد

صديق مدثر

يالماء الشباب فى خديك

وتلألئ البهاء فى عارضيك

ورمى طرفك المكحل بالسحر فؤادى

فصار رهنا لديك

انا مستهتر بحبك صب

لست اشكو هواك إلا إليك

يا كثير الجمال والحسن والدل

حياتى وميتتى بيديك

ياضنين الوعد

اهديتك حبى

من فؤاد يبعث الحب نديا

ان يكن حزنك مجهول المدى

فخيال الشعر يرتاد الثريا

كلما …

اخفيته فى القلب تنبي عنه عيناك

ولا يخفى عليّ

انا ان شئت فمن اعماق قلبى

ارسل الالحان شلالا رويا

وابث الليل اسرار الهوى

واصوغ الصبح ذوبا بابليا

لاتقل انى بعيد فى الثرى

فخيال الشعر يرتاد الثريا

كان بالأمس لقاء عابرا

كان وهما كان رمزا عبقريا

كان لولا أنني أبصرته

وتبينت ارتعاشا في يديا

بعض أحلامي التي أنسجها

في خيالي وأناجيها مليا

ومضة عشت على اشراقها

وانقضت عجلى

وما اصغت اليّ

كلمة خبأتها في خافقى

وترفقت بها برا حفيا

من دمى غذيتها

حتى غدت

ذات جرس يأسر الاذن شجيا

وافترقنا…

وبعينى المنى

غالها الدمع فما ابصرت شيئا

ان تكن

انت جميلا فانا….

شاعر يستنطق الصخر العصيا

ان تكن

انت بعيدا عن يدى

فخيالى يدرك النائي القصيّا

لاتقل انى بعيد

فى الثرى

فخيال الشعر يرتاد الثريا

[email protected]





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى