المقالات

عادل عسوم: والرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مدن


عادل عسوم

لان طربت -ولم أزل -لراحلنا مصطفى سيدأحمد وهو يهتف في أذن الزمن:

 نمشي في كل الدروب الواسعة ديك

والرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مدن

ايدي في أيدك نغني

واللاّ نحنا مع الطيور المابتعرف ليها خرطة

ولا في ايدا جواز سفر

فإن طربي كم كان عَظيما عندما رأيت راكوبة من تلك الرواكيب تتسع لتصبح أكبر من مدن…

والبيوت يا أحباب وإن اتسعت وسمقت طوابقها؛ قد تفوقها راكوبة أو قطية لتكون موئلا ومبعثا للسعادة والمحبة والالفة والتحنان…

أحكي لكم عن صبية شبّت في بيت شقيقتي التي يدير زوجها مركزا دينيا في أمبدة، وقد جاء بها أهلها إلى بيت يكنون لأهله من الحب الكثير، فنشأت في كنفهم وألحقوها -مع أبنائهم- بالمدرسة إلى ان تخرجت معلمة في كلية التربية بإحدى جامعات العاصمة…

وما لبث أن خطبها قريب لها يقاسم أهلها السكنى في أرض تتوسط الطريق بين العاصمة والولاية الشمالية…

أصرت الصبية بأن نشاركها فرحها من بعد عيد عيد الفطر، فانطلقتُ في معية اسرة شقيقتي، وصلنا مضاربهم فإذا بها رواكيب وبعض قطاطي، ظاهرها يوحي بشظف للعيش ومعاناة، ولكن عندما دخلنا احدى الرواكيب سالت مشاعر مشاعري جداول، إذ تسبق وشوشة الريح المنسربة من بابها المفتوح الترحيب بقدوم الناس…

نظرتُ يُمنةً فإذا بالعريس (حسن) يمسك بيد عروسه ميممان صوب راكوبة أخرى نُصِبَتْ لهما بالجوار …

العينانُ منهما تبوحان للكون حُبّ الدنيا كُلُّو…

مشى حسن عَلَى الرمل حافِي حالِق، والضريرةُ تَضِجُّ من فوق رأسِهِ وتهتف بأن يادنيا جاكي عريس، ومشت في ركابه عروسه حافية يسيل من شعرها الذهب ويهتف بأن ياأرض احفظي ماعليك…

فنظرت إلى الدّرْبِ الذي سارا عليه فإذا به يسع الكون كلو، فما كان مِنِّي الاّ أن غنيت بلسانهما:

نمشي في كل الدروب الواسعة ديك

والرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مدن

ايدي في ايدك نغني

واللاّ نحنا مع الطيور المابتعرف ليها خرطة

ولا في أيدا جواز سفر!.

وصلناهم ظهرا، والظهر في صحرائنا لعوالم لا يقو على تحمّلها الاّ من هيَّأهُ الله لها، تقدمنا زوج شقيقتي الشيخ محمد الحسن أحمد الأبكراوي فانْكَبَّ الناسُ على يمينه مقبّلين وهو ينهاهم وينأى بها رابِتَاً على الأكتاف محييا ومقالدا…

وتقدم المستقبلين والدُ العروس وبيده مدية آمرا جمعنا بأن نقف حيث نحن، ثم رفع يده مناديا، فإذا بإبنه يجُرُّ من خلفه كبشا اقرنا ويتبعه صبيّان آخران بكبشين رديفين…

شرع الأب في ذبح الخراف واحدا تلو الآخر، ثم تقدم الى زوج شقيقتي قائلا:

– يَلاّ ياشيخنا، اتعدُّوا الضبايح دي وباركوها…

فتعدينا الذبائح وولجنا إلى الداخل، فأخذوا الرجال منا إلى داخل الراكوبة لنجد انفسنا في ساحة فسييييحة وإذا بالولدان يرشّون رمالها بالماء، وعلى الجوانب (عناقريب) قد رصّت عليها مخدات نظيفات وأنيقات…

وتقدم شقيق العروس إلى شقيقي – وقد بان لي بأنهما يعرفان بعضيهما – فدعانا للجلوس والاستلقاء على تلك العناقريب ال(هبابية)…

جلست على احداها، وإذا بي أفطن الي الحكمة من قول شقيقتي لي عندما تحركنا من الخرطوم:

– ياريتك ياعادل أخوي لو كان لبست ليك جلابية بدل لبستك دي، ساعتها لم أدرك مراداتها ومآلات حديثها،

لكنني مع الجلسة على العنقريب تبينت مرادها والمآلات…

وتمددت على عنقريبي فأتانا الصبية بمياه بااااردة!

وانتبه شقيقي إلى دهشتي فأشار بيده إلى سقاء ماء جلدي كبير موضوع في مدخل الراكوبة من جهة مهب الريح، وقد بقي صبيّان يَرُشّان عليه الماء كُلّما جَفّ، فقلت مخاطبا شقيقي:

– هو بالله الموية الباردة دي موية سعن؟!

ردّ شقيقي باسما:

– دا اسمو (سقو) ياعادل اخوي ما سعن.

لا ادري، منذ أن وطأت قدماي تلك السوح والفضاءات، ظلت تتردد في خاطري كلمات الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء). ثم قال أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم: (فطرة اللَّـه التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق اللَّـه).

لعل الرابط هنا هو هذه الفطرة النقية البيضاء التي تجلل وجدان واهاب أولئك القوم…

فالكرم هنا صادق،

والصدق هنا له بريق، إذ كم تُضْفِي المدائنُ من غَبَشٍ على دواخلنا ياأحباب…

ذات البساطة التي تراها في سمت معاشهم تجدها في ثنايا حديثهم وابتساماتهم وقهقهاتهم، فإذا بالحياة من النقاء بمكان!…

خلدنا الى هَدْأة من بعد طعامٍ شهي، وأغفى الناس كلهم ونأى عَنِّي النوم، فانسللتُ من بين سقوات الماء لأجد نفسي بين يدي الصحراء الفسيييييحة…

ياااااه

لَكَأنَّ الأرض قد طليت بماء الذهب…

وافْتَرَّت ثغورُها عن شجيرات من الحلفا وشئٍ من عُشب قليل، أدرت بصري في جنباتها فلم أجد سوى بعض جِمالٍ ترعي، وأرهفتُ سمعي فاذا بثغاءِ شياهٍ يأتي من البعيد…

يالهذه الصحراء والبوادي، كم هي حبيبة الى نفس نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فقد أُرْضِعَ وحَبَى في صراء صنو لها، ومشى عليها، ولعب على أديمها…

عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله علية وسلـم قال:

(ما بعث الله نبياً ألا رعى الغنم، فقال أصحابه وأنت؟ فقال نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة) رواه البخاري.

وما فتئت الصحاري والبوادي ملجأ وملاذا للصالحين والعباد…

عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال قال رجل، أي الناس أفضل يا رسول الله؟ قال: (مؤمن مجاهد بنفسه وماله فى سبيل الله) قال: ثم من؟ قال (رجل معتزل فى شِعْبٍ من الشِّعاب يعبد ربه)!

ويقول العلامة بن خلدون فى مقدمته تحت عنوان؛ البدو أقدم من الحضر وسابق عليه:

(إن البدو هم المقتصرون على الضروري فى أحوالهم وعوائهم وأن الحضر هم المعتنون بحاجات الترف فى أحوالهم وعوائهم)

ثم يقول:

(فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة)…

ملأتُ قبضةَ يدي من رمالِ الصحراء الصفراء ونثرتها في وجه الرياح، فتناثرت حبات الرمال بعييييدا الى جهة الجنوب…

هذه الرمال بلغة الكيمياء هي ثاني أوكسيد السيليكون (SIO2) وهي المادة الخام لصناعة الزجاج وكذلك خلايا الطاقة الشمسية، لعلها تصبح يوما كما البترول يتسابق إليها الناس، ويصبح سوداننا يوما اكبر مصنِّعٍ للخلايا الشمسية Solar Panels وهي البديل المتوقع للبترول لما يسببه من تلوث ودمار للأرض مصداقا لقول الحق جل في علاه:

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.

فتذكرت مقولة لاستاذي الدكتور كرم الله الذي درست على يديه الكيمياء في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، قال وهو يخاطبنا وفينا العديد من الزملاء من دول عربية عِدّة:

توجد في السودان أنقى أنواع الرمال لصناعة الزجاج البايركس، وكذلك خلايا الطاقة الشمسية، لا تشاركه دولة عربية في ذلك سوى موريتانيا!

فانبرى أحد الزملاء العرب وقال:

هناك كم كبير من الرمال في صحراء الربع الخالي وفي الصحراء الكبرى في أفريقيا؟

أجاب الدكتور:

رمال الربع الخالي ذات بلورات دقيقة ومختلطة بالعديد من الأكاسيد، أما رمال الصحراء الكبرى فهي ذات بلورات أكبر، لكنها مختلطة بأملاح الكالسيوم، فانبرت لي في خاطري قيزان الرمال الضخمة في شمالنا الحبيب، ترقد على الرمل فلا يتسخ لك ثوب ولا تشوبه شائبة، ونساء بعض القرى في الشمال وفي كردفان عندما يغسلن الملابس يجففنا على سوح تلك القيزان بطرحها عليها فتجف دون ان تلتصق بها او تتسخ.

تيامنتُ، فإذا بطريق (شريان الشمال) يَتَلوّى كثُعبانٍ أليف على أديم صحرائنا فترى السيارات من البعيد تمر سراعا ومتباعدة، وجُلتُ ببصري من حولي فإذا بسيارتين يسمونها البَكاسي، تدلفان من انحناءة الطريق ويعلوهما خلق كثير، إنهم أقرباء لأهل الدار، وقيل لي بأنهم من شمال كردفان،

فأهل الدار من قبيلة الهواوير، وهي قبيلة تساكن أهلي الشايقية بالشمالية وتتصل بجذورها في ولاية شمال كردفان…

لعمري إنهم قومٌ سمحي السَّمت والدواخل، الإبتسامة تجدها أصيلة على محياهم برغم لسع حرارة شمس الشمال ولفح السموم وهجير رمال الصحراء…

عُدْتُ أدراجي مرحِّبا بالقادمين، ما أجمل عناقهم ياأحباب،

يَمُدُّ الرجلُ يده للآخر فتتماس الأصابع ثم يرفعان يديهما إلى الأعلى والكفان متماسان مرات ومرات، ويتخلل كل تماس واستعلاء لليدين سؤال عن حال ومآل:

وليداتك…

عوينك…

حاجة كلتوم…

حاج صالح…

ولا يستثنى السلام حتى الغنيمات والجِمال في ثنايا السؤال عن الحال، ثم يعقب ذلك عناق حار وربت على الظهور والأكتاف، أما الشيوخ منهم فيعمد الشباب الى تقبيلهم على رؤسهم تعظيما واجلالا، وكلما يأتي دوري لا أنل سوى مصافحة سريعة يشوبها حياء مغلف باعتذار، وعلمت لاحقا بأنه نأيٌ منهم عن ايساخ ملابسي بغبار الطريق الذي يكسوهم نتاج الرحلة الطويلة، إذ رأوني الأوحد الذي يتزيا بببنطال وقميص…

وعاد بعض الفتية منهم لينزلوا من (بوكس) ثالث يتبعم عجلين سمينين لهما خوار، وشرع أطولهم شاربا في شحذ مدية أخرجها من جفير يتدلى من عضده وبدأ في ذبح العجلين…

ثم انطلقوا جميعا إلى زوج شقيقتي منادين كي يتعدى ويبارك لهم الذبائح…

وآل العجلان إلى أكوام من لحم تحت أيدي الرجال، ونقل الشباب اللحم إلى خيمة تؤمها النسوة ليؤل بعد سويعات إلى ثريد وطعام شهي…

مالت الشمس قليلا، فإذا بي أسمع رغاء كثيفا لِجِمالٍ بالجوار،، خرجنا فإذا بالشباب يمتطون ظهور الجمال وقد تهيأوا للسباق، ولم تمض دقائق حتى خرجت النساء وبين ايديهن طبل يضربن عليه فيرجحنّ، وتراص الشباب صفّا فإذا لحناجرهم كرير وإذا لصدورهم رغاء كرغاء الجِمال:

همّم …همّم…همّم

همّم…همّم…همّممم

ثم اتبعوا ذلك بأغنية الليمونة، وافتتحت أم العروس الرقص وبجانبها رصيفات لها في عمرها يحاكين بصدورهن اسراب الحمام، وأتى دور الصبايا فرقصن رقصا طروبا وكان كان من نصيبي شبَّالُ لم أزل أتحسس اثر شعر صاحبته الطويل على ظهري إلى يومي هذا…

وتلفعت الشمس بقرميصها مئذنة بالغروب فعدنا أدراجنا إلى الرواكيب، ومافتئ الصبية طوافين علينا ب(كفتيرات) شاي المغرب، وبينهم من يحمل(جكوكا) ملأى بحليب الابل لمن اراد…

وأزف موعد العشاء فمدت الموائد بصحاف الثريد وعليها قطع اللحم الشهية، وانسرب الليل، فرقدنا واستغرقنا في نومة هادئة إلى أن أوشك الفجر، فنهض ابن اختي وأذن للفجر فتوضأنا من (اباريق) وجدناها ملأى ثم استوينا وأمّنا زوج شقيقتي بطلب من والد العروس، وأتى الصبية بشاي الصباح وبعض حليب النوق، وما أن وضعنا أكواب الشاي بانت بالجوار أعناق النوق وعليها الفرسان

وقفز العريس برشاقة على ظهر جمل جعلوا عليه زينة خاصة، واصطف الشباب دون ميسٍ خطه أبو العروس بعصاه، و(قَجّت) زغاريد النسوة من أطراف الرواكيب لتشرع انداهن صوتا تغني للعرسان…

ما أجمل هذا السودان يااحباب، هؤلاء نسوة في اقاصي صحرائنا العزيزة قد جعلن تراث كل القبائل تراثا لهم!

أحسست ساعتها بأنني اقف في مقرن النيلين

وأنظر الى النيل الآتي من الجنوب ميمما الى الشمال وهو -وان لم يتشرف بالمرور على ديار أهلنا هؤلاء- الاّ أن أشواقه قد طالتهم وغشيتهم في رفقة الأنسام، اشواقٌ ترجمتها اغاني السيرة التي جادت بها قريحة من سكنوا شطآنه وهاهي تكتنف وتسع أهلنا هؤلاء فتتبدَّى في ثنايا رقصهم وغنائهم…

وانطلق العريس كالهلال والفرسان في ركابه كالأنجم الزواهر، واشعة شمس الصباح تتلألأ منعكسة من قرمصيص يزين جسده الفتيّ، وحال الغبار دون رؤيتنا للجمال، أو لعل الفرسان قد بعدوا عنا كثيرا، ثم تغير الإيقاع الى التمتم،

وعاد الفرسان يتقدمهم العريس، واذا بأخوان العريس ينطلقون إلى خيمة العريس ليحملوا العروس على (بنبر) فيخطفها منهم العريس، تم ذلك بسرعة عجيبة،

وانطلق العريس تشيعه زغاريد النسوة إلى أن اختفى وعلمت بأنها جزء أصيل من عادات الزواج لديهم،

ومع اختفاء ركب العريس بانت في من الجانب الايمن سحابة من غبار انقشعت عن فرسان على ظهور الجياد،

وهنا نبا الى خاطري وصف اديبنا حسن نجيلة عندما وصف ذات المشهد في كتابه البديع ذكرياتي في دار البادية…

وصل ركب الفرسان فإذا بكل فارس يردف من خلفه زوجه وقد رأيت احداهن وهي حامل!

وعلمت أيضاً بأنها عادة لديهم حيث يأتي كل من تزوج حديثا بعروسه بهذه الطريقة ليباركوا للعرسان، ثم يبقون بالجوار إلى أن يخبرهم موفد بأن العريس قد غادر المكان بعد أن ردف معه عروسه…

شرعت اسال نفسي:

كل هذه التفاصيل ألا تدل عن ماض تليد لهذه القبيلة؟!

لعمري إنها حقا تنبي بالكثير المثير في حياة هذه القبيلة استصحابا لماضٍ لهم يضرب بجذوره في أعماق التأريخ، إنهم فرسان بمعنى الكلمة، وهم كذلك من الذكاء بمكان، فقد حدثني صديقي الدكتور عبدالمنعم حسين قبيل هجرته للعمل بإحدى جامعات الخليج بأنهم وجدوا أطفال أهلنا الهواوير يتمتعون بنسبة ذكاء عالية، أما سيماء الجَمالِ والوسامة فتنبيك عنها وجوه مسفرة ضاحة مستبشرة، وقوام ممشوق، واعين نجلاء، وجبين ومحيا يحكيان عن عزة وشموخ…

ثم عدنا ولم ازل اغني:

نمشي في كل الدروب الواسعة ديك

والرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مدن

إيدي في ايدك نغني

واللاّ نحنا مع الطيور المابتعرف ليها خرطة

ولا في أيدا جواز سفر.

[email protected]





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى