المقالات

عادل عسوم: قصة بنك فيصل الاسلامي


اسمحوا لي بهذه المقدمة -الطويلة- توطئة للحديث عن بنك فيصل الاسلامي…
يقول الله مالك الملك سبحانه وتعالى في شأن الربا:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ(279)} البقرة.
ياترى ما الذي أغضب الله رب العالمين وقيوم السماوات والأرض ليعلن حربه على العباد؟!
لعمري انه أمر جلل وعظيم!…
لم يكن غضب الله بسبب ترك الصلاة بالرغم من كونها عمود الاسلام والفارق بين الاسلام والكفر!
إنه بسبب الربا، وما أدراك ما الربا!!!…
اقرأوا ان شئتم ماذا قال ربنا في وصف حال آكل الربا يوم القيامة:
{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} 275 البقرة
وفي الصحيحين قال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم:
(لعن اللهُ آكِلَ الرِّبا، وموكله، وشاهديه، هم فيه سواء).
وفي صحيح الجامع من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الربا ثلاثة وسبعون باباً، أيسرها أن ينكح الرجل أمه)!
ياااااه
ما أعظمه من ذنب، وما أشنعه من فعل!
الربا دمار للبشرية بأجمعها، ويكفي للتدليل على ذلك ما أصاب جل الدول النامية من تبعيّة اقتصادية بسبب الربا/الفائدة المركّبة، فقد عانت -ولم تزل- جل دول العالم من تضاعف حجم القرض الأصلي سنوياً بسبب الفوائد المركّبة وغرامات التأخير، فتضاعفت الديون الخارجية للدول العربية (كمثال) بين عامي 2000-2017 ثلاث مرات، فكانت في عام 2000م 143.8 مليار دولار إلى 1.14 تريليون دولار عام 2017م!
وقد نشرت صحيفة بريطانية بأنه من المتوقع استحواذ واحد بالمائة من سكان العالم على ثلثي ثروة العالم في عام 2030، بما يعادل 305 تريليون دولار أمريكي، بينما يمتلكون اليوم 140 تريليون دولار، وهذا يعني تضاعف حجم الثروة مع هؤلاء الواحد بالمائة الأغنى في العالم!
وفي ذلك قال الله تعالى:
{…كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ…} 7 الحشر.
السؤال الذي يطرح نفسه:
ماذا نحن فاعلون لننأى بأنفسنا عن هذا الربا الذي يقوم عليه الاقتصاد الرأسمالي والاشتراكي الشيوعي معا؟!
والسؤال موجه إلى الذين اعتادوا القول (الدين دا علاقة بين العبد وربه)!
طيب يا أبو المفهومية، إن كان هذا الفهم سليم، لماذا غضب الله في أمر اقتصادي (بحت) ولم يكن غضبه بسبب ترك الصلاة؟!
لقد كانت معاملات الدولة المسلمة بعيدة عن الربا منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم عهود الخلفاء الراشدين وإلى عهد الدولة العثمانية، وما كانت السياسية المالية في بيت مال المسلمين تعترضها من الاقضية مثل التي نشأت مع اضطراد حياة البشرية من عمران وحراك في كل مجالات الاقتصاد، فهذه المستجدات تحتاج إلى تفصيلات للتعاملات المالية التي كثرت واختلفت مناحيها، وظهرت الرأسمالية وتم تأسيس البنوك التي قامت على الربا كأساس لكل تعاملاتها المالية.
النظام الاقتصادي الرأسمالي قام على الملكية (الفردية) لعناصر الإنتاج، و(الحرية) الاقتصادية في إدارة وتسيير وممارسة النشاط الاقتصادي من خلال الثمن أو قوى السوق، وجعل الفائدة المركبة (الربا) هو الأساس للتعاملات البنكية.
أما النظام الاقتصادي الاشتراكي فقد قام على الملكية (الجماعية) لوسائل الإنتاج و(تحكم) الدولة في إدارة وتسيير وممارسة النشاط الاقتصادي من خلال (التخطيط المركزي)، وكذلك كانت الفائدة المركبة/الربا هو أساس التعاملات البنكية لديهم.
أمَّا النظام الاقتصادي الإسلامي فإنه يقوم على تطبيق الشريعة الإسلامية في كافة أنواع المعاملات داخل النشاط الاقتصادي.
وبشهادة المنصفين من المستشرقين فإن الإسلام هو الأسبق في تقرير الأصول العامة والقواعد الكلية التي ينبني عليها تقرير النظام الاقتصادي بتطبيقاته المختلفة، ومن هؤلاء:
– جوزيف ستيغليتس، الأمريكي الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد.
– رود رينجرو، وهو نائب أول لرئيس شركة ستيت ستريت في الدوحة.
– همايون دار، كبير الإداريين التنفيذيين في مصرف BMB.
– رافي حنيف، المدير التنفيذي في (فجر كابيتال).
– توبي بيرش، المدير التنفيذي لشركة (موجودات بيرش المحدودة).
وقد قال الأخير (توبي بيرش) وهو مدير صندوق بيرش اسيتس لادارة الاصول؛ ان التمويل الاسلامي يمكنه توسيع نطاق جاذبيته الى ما هو ابعد من قاعدته التقليدية في اعقاب الازمة المالية، كما يمكنه المساعدة في اعادة الانضباط الى النظام المالي. وقال توبي بيرش لرويترز «ستساعد مبادئ الشريعة مديري الاصول على الانصراف عن الهندسة المالية والتحول الى المشاركة في المخاطر والارباح، وهو نظام افضل بكثير».
وتابع ان كثيرا من المستثمرين ينجذبون الى الاستثمارات المطابقة للشريعة الاسلامية لانها تتجنب المنتجات التي يستعصي فهمها ع‍لى الكثيرين وتركز على منتجات ملموسة، وقال «تدمير الاصول الحقيقية اصعب من تدمير المنتجات المالية المعقدة».
واضاف «من الناحية المصرفية لا يمكن للبنوك الاسلامية ان تقرض سوى ما لديها من ودائع، وهو ما يتفادى تخليق الائتمان بكل اثاره التي شاهدناها خلال الازمة المالية، والاقراض يصبح اكثر انضباطا بدرجة كبيرة».
وكانت مخاوف بيرش من ان يشكل الافراط في الاقراض تهديدا رئيسيا للنظام المالي العالمي قد دفعته الى نشر كتابه «الانهيار الاخير» مطلع عام 2007 والذي ناقش خلاله تداعيات ازمة الائتمان التي كانت وقتها تلوح في الافق.
وقال بيرش «كنت اتساءل كيف يمكن ان نتعلم شيئا مما كنت اعتقد انها كارثة مالية وشيكة وتجنب خلق نفس الظروف مرة اخرى».واضاف «عندما نظرت الى مبادئ التمويل الاسلامي، وجدت كل الاجابات فيها».
نشر بجريدة القبس الكويتية – تاريخ النشر : 18 / 4 / 2009.
لقد وضع الاسلام اسسا وقواعد تكون موئلا لاستنباط نظام اقتصادي عالمي ناجع وسليم،
انبرى لتلك الموجهات العديد من علماء المسلمين وجماعاتهم ممن جعلوا الاسلام هما، فعكفوا على الكتاب والسنة لينفحوا البشرية بنظام اقتصادي (اسلامي) راسخ وضيء يلبي حاجة البشرية دون ظلم او تفريط في حقوق أو قيم عدلية، واستطاع هذا النظام خلال سنوات قليلة من تطبيقه انتزاع (الاعتراف) ونال شهادات علماء كبار للاقتصاد الرأسمالي والاشتراكي معا، ومنهم من ذكرت أعلاه، وقد كان أسبق العلماء المسلمين في (استنباط) تلك الأسس والقواعد العامة للاقتصاد الاسلامي ابن خلدون (أبو الاقتصاد)، وللعلم فقد نبه البعض بأن كتاب (مقدمة ابن خلدون) الذي ظهر عام 784هــ يعد صورة مماثلة لكتاب (ثروة الأمم) لمن يسمونه أبو الاقتصاد الحديث (آدم سميث)، والذي ألفه عام 1776م!، بل يعتبر كتاب (ثروة الأمم) صورة مشوهة لمقدمة ابن خلدون، ولا يختلف عنه إلا اختلافا بيئيا وزمنيا كما ذكر ذلك الفنجري في كتابه (الوجيز) ص27!. ومن علماء الاقتصاد المسلمين المقريزي، والعيني، والغزالي الكبير، والفارابي، وابن سينا، ثم مالك ابن نبي بكتابه المرجع (المسلم في عالم الاقتصاد)، والعالم الباكستاني خورشيد أحمد، وعلماء وأساتذة كثر، ومن ذكرت من الاسماء امثلة لاحصرا، وماذاك إلا لكوني لست من اهل الاقتصاد، إنما درست الكيمياء، لكن كان لي شرف الدراسة في جامعة أم القرى بمكة المكرمة حيث أنشئت أول كلية للاقتصاد الاسلامي في العالم، فاخترت -برغبتي- العديد من مواد الاقتصاد الاسلامي ضمن مواد الاختياري العام واختياري الكلية في كلية العلوم التطبيقية والهندسية.
وللفائدة، هذه هي القواعد العامة التي استنبطها علماء المسلمين لتصبح عمادا للاقتصاد الاسلامي:
1- المشاركة في المخاطر: وهي أساس الاقتصاد الإسلامي وعماده، وهي الصفة المميزة له عن غيره من النظم. فالمشاركة في الربح والخسارة، هي قاعدة توزيع الثروة بين رأس المال والعمل، وهي الأساس الذي يحقق العدالة في التوزيع.
2- موارد الدولة: لا ينفرد هذا النظام عن غيره في هذا الباب إلا في وجود الزكاة كمورد ينفرد به الاقتصاد الإسلامي. وهي أشبه شيء بالضرائب. لكنها تعطى للفقراء وبقية المصارف الثمانية المعروفة للزكاة، وهي جزء صغير من أموال الأغنياء، بالإضافة إلى الجزية وهي تؤخذ من غير المسلمين ولاتؤخذ منهم زكاة وهي مقابل أن تحميهم الدولة وتوضع في أموال الدولة.
3- الملكية الخاصة: يحمي النظام الإسلامي الملكية الخاصة، فمن حق الأفراد تملك الأرض والعقار ووسائل الإنتاج المختلفة مهما كان نوعها وحجمها. بشرط أن لا يؤدي هذا التملك إلى الإضرار بمصالح عامة الناس، وأن لا يكون في الأمر احتكاراً لسلعة يحتاجها العامة. وهو بذلك يخالف النظام الشيوعي الاشتراكي الذي يعتبر كل شيء مملوك للشعب على المشاع.
4- الملكية العامة: تظل المرافق المهمة لحياة الناس في ملكية الدولة أو تحت إشرافها وسيطرتها من أجل توفير الحاجات الأساسية لحياة الناس ومصالح المجتمع. وهو يخالف في ذلك النظام الرأسمالي الذي يبيح تملك كل شيء وأي شيء.
5- نظام المواريث في الإسلام، يعمل نظام المواريث على تفتيت الثروات وعدم تكدسها. حيث تقسم الثروات بوفاة صاحبها على ورثته حسب الأنصبة المذكورة في الشريعة.
6- الصدقات والأوقاف: تعد الصدقات والأوقاف من خصائص الاقتصاد الإسلامي التي تعمل على تحقيق التكافل الاجتماعي، وتغطية حاجات الفقراء في ظل هذا النظام.
7- تغليب المنفعة العامة على المنفعة الخاصة عند التضارب.
8- مراقبة السوق ولكن دون التدخل في تحديد السعرعن طريق بما يسمى المحتسب.
9- الشفافية – حض الإسلام على الشفافية من خلال منع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- التجار من تلقي القوافل القادمة (منع تلقي الركبان).
10- تمييز ما يقع ضمن الممتلكات العامة أو الفردية وليس معناه التفرقة بين الممتلكات العامة والخاصة ولكن التمييز يعنى تبعا للقاعدة الفقهية دفع الضرر العام بالضرر الخاص.
هذا هو الاقتصاد الاسلامي الذي سيكون المخلص للعالم من اشكاليات نظاميه الاقتصاديين المؤسسان على الربا، اذ تعرض الاقتصاد العالمي إلى انهيارات منها الكساد الكبير في الولايات المتحدة في 4 سبتمبر 1929 بعد الانخفاض الكبير في أسعار الأسهم، وأثر على الاقتصاد العالمي بكامله مع انهيار سوق الأسهم في 29 أكتوبر 1929، وقد عُرف باسم (الثلاثاء الأسود). وبين عامي 1929 و1932، انخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 15%.
وكان السبب الأساس في ذلك الفائدة (الربا).
واختم بالقول بأن الله لطيف بعباده لايريد لهم امثال هذه الانهيارات الاقتصادية المهلكة للدول والأفراد، انه سبحانه لأرأف بنا من الشاة بوليدها كما قال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، لذلك علينا كمسلمين ان نأتمر بأمره لنعيش حياة اقتصادية معافاة بال(يقين والقناعة) بمنهج الاقتصاد الاسلامي بضوابطه التي اتانا بها الله ورسوله، وبالتالي ننأى بأنفسنا عن حرب اعلنها الله علينا ان اصررنا على الربا.
ومن ذكر الفضل لأهل الفضل فقد كان لثلة من العلماء المعاصرين الفضل في (بلورة) منهج بنكي متكامل ليكون بديلا لنظام البنوك الربوية وبقي امامهم تحدي انشاء بنك (اسلامي) يتم فيه تنزيل وتطببق الرؤى الاقتصادية البديلة للربا التي استنبطوها من القرآن والسنة والسيرة الشريفة، فانبرى الأمير محمد الفيصل لذلك ليتم الشروع في إنشاء اول بنك اسلامي يطبق الصيغ الاستثمارية البديلة للربا وتمت تسميته ب(بنك فيصل الاسلامي) وقد كان ذلك في جمهورية مصر العربية وليس في السودان، ثم وافق النميري على الفكرة وصدق بانشاء بنك فيصل الاسلامي السوداني، ولعل هذه المعلومة تغيب عن البعض ممن يعتبرون بنك فيصل الاسلامي منشأة سودانية واسقط عليها اليسار الكثير من الاختلاقات التي تشي بهم وبشنآنهم ورفضهم لكل شيء يمت لمنهج الاسلام بصلة، ثم سعوا من خلال منابرهم الاعلامية الى تغبيش الرأي العام.
الحق يقال أن تجربة بنك فيصل الاسلامي في السودان كان ولم يزل تجربة اسلامية رائدة كان لعلماء السودان جهدهم المقدر فيها ولعلي اكتب مجددا عن ذلك استصحابا للقاءات لي مع خالي أحمد محجوب حاجنور رحمه الله الذي حكى لي عن تفاصيل فقهية وشرعية عديدة لأقضية وتحديات تصدى لها هيئة الرقابة الشرعية للبنك المكونة من عدد من علماء السودان في الاقتصاد الاسلامي وفي الشرع.
اختم بالقول:
لاينصتن البعض إلى الشيوعيين والبعثيين وبقية العلمانيين الرافضين لمنهج الله، القائلين بأن الدين سلوك فردي وشخصي بين العبد وربه!، فمناهجهم وفكرهم العلماني لايرى ولايؤمن لله بسلطان على مال أو سياسة، ألا ترونهم ينادون وبسعون إلى فصل الدين عن الدولة، وكأن الله لايحسن التشريع في الاقتصاد ولا في السياسة والوثائق الدستورية والعياذ بالله!…
اللهم لاتحقق لهم غاية ولاترفع راية.
والله المستعان وعليه التكلان.
(اعذروني الاطالة)
[email protected]

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف عادل عسوم: قصة بنك فيصل الاسلامي





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى