المقالات

عادل عسوم: المطر والإعجاز الإلهي في ال(وَدَق)!


هذا المقال تلخيص بإيجاز لبحثٍ عكفت عليه لأشهر، فحواه البحث عن مفردة ال(وَدَق) وماتعنيه، توقفت بين يديها مليا وتبينت فيها إعجازا علميا وفائدة عظيمة قد تخفى على الكثير من الناس.

يقول الحق جل في علاه في سورة الروم: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ۖ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} 48.

ويقول جل في علاه في سورة النور: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} 43

الآيتان الكريمتان تتحدثان عن المطر، والآية الأولى تتحدث عن تأثير المطر (المباشر) على البشر: {… فإذا أصاب به من يشاء من عباده…}. والنتيجة لذلك استبشارهم {إذا هم يستبشرون}، قد يقول قائل ليس بالضرورة أن تكون الإصابة مباشرة لبنى آدم ليستبشروا، فالمطر عندما يصيب الأرض ويسقي الغرس فإن الناس يستبشرون أيضا، لكنني تبينت الفرق عندما قارنت الآية بأية كريمة أخرى:

{وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ كَذَٰلِكَ النُّشُورُ} فاطر 9.

هنا يمكن للمستبصر أن يتبين الفرق.

والآية الأولى تعضدها آيات أخرى عديدة هي على التوالي:

{وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} الحجر 22.

{وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۚ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} الفرقان 48

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} النور 43.

وهنا فإن استخدام (مَنْ) عوضا عن (ما)؛ يدل بأن الإنسان هو المعنى.

وبالتالي هناك نوعان من الآيات تتحدثان عن المطر، النوع الأول يتحدث عن (ربط ما) بين المطر والإنسان؛ أي ما يلي جسده (ملموسه ومحسوسه)، بينما النوع الثاني من الآيات يتحدث تأثير هطول المطر على الأرض لإحياء التربة وانبات الأغراس والزروع ومنها هذه الآيات:

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فصلت 39.

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ العنكبوت 63.

﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ الروم 24.

﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} لقمان 10.

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾السجدة 27.

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ فاطر 27.

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾الزمر 21.

والوصف العلمي لعملية (الإِمْطَار) أن الله يرسل الرياح فتثير السحاب، إنها عندما تهب بشدة على أسطح البحار والمحيطات تأخذ معها بخار الماء المتكون نتيجة الفارق في درجة حرارة الماء والجو العام فوق سطح البحر، وكلما اشتدت الرياح كلما ازدادت إزاحة بخار الماء ليرتفع إلى الأعلى، حيث تقل درجات الحرارة اضطرادا، ويتكاثر البخار في الهواء ويتكاثف ليصبح سحابا تحمله الرياح الى حيث يشاء الله: (وهو الذى يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى اذا اقلت – اي حملت- سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت).

وعن السحب الركامية فقد ذكرت الآية 43 من سورة النور: {ألم تر أن الله يزجى سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله، وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالابصار}، وكلمة (يزجي) تعني يسوق بتمهل ورفق دون عناء، وكلمة (ركاما) تعني تراكمه بعضه فوق بعض، وكلمة الودق -في التفاسير- تعني المطر، وكلمة (سنا) تعني ضوء البرق.

توقفت بين يدي كلمة (وَدَق) هذه فوجدت التفاسير تفيد بأنها تعني المطر أو القَطْر، وليقيني الراسخ بأن ألفاظ القرآن تورَدُ دوما بدِقَّة وضبط لتدل على معنى بعينه لمراد الله؛ فقد آليت على نفسي البحث عن معنى الوَدَق، نعم إنها تعني قطرة المطر، لكنها وردت لمرتين فقط في آيتين مختلفتين، بينما ذُكِرَت لفظة المطر لتعني الماء الذي تمطره السحب أو قطرة المطر في العديد من الآيات الأخرى، وبالتالي بدا لي أن كلمة ودق تعني نوعا بعينه من قطرات المطر.

لجأت إلى معاجم اللغة لأجد الآتي:

وَدَقَ بطنُه: اتسَّع ودَنَا من السِّمَن

وَدَقَ سُرَّتُه: سالت واسترخت أَو خرجت، كأَنه أَبْجَرُ.

الوَدْقُ نُقَطٌ حُمْرٌ تخرج في العين من دمٍ تَشْرَق به، أَو لحمةٌ تَعظُم فيها، أَو مرضٌ فيها ليس بالرَّمَد تَرِم منه الأُذن وتشتدُّ حمرةُ العين.

انتهى.

بهذا المعني لمفردة الودق فإنها تعني نوعا بعينه من قطرات المطر، نوع فيه (ترهل) وشكل يختلف عن قطرة المطر المعلومة، وإذا بي خلال دراستي وتخصصي في الكيمياء أتبين بأن بعض قطرات المطر – خاصة في فصل الشتاء – تحوي نسبة عالية من مادة تسمى بيروكسيد الهيدروجين Hydrogen peroxide

ورمزه الكيميائي هو H2O2، إذ هناك طبقة غازية تسمى طبقة الأوزون تحيط بالكرة الأرضية، هذه الطبقة عبارة عن غاز غير مستقر يحوي الجزئ منه ثلاثة ذرات من الأوكسجين O3، وتظل منه إحدى الذرات نشطة جدا على الدوام، ويبقى ارتباطها بذرتي الأوكسجين في الجزيء ضعيفا جدا، وما إن يبدأ المطر في الهطول – خاصة في فصل الشتاء- تلتصق ذرة الأوكسجين الحرة بجزئ الماء H2O في السحابة، ليصبح الناتج عن ذلك جزئ مختلف يسمى بيروكسيد الهيدروجين H2O2.

هذا المركب الكيميائي يعلمه دارسو الكيمياء إذ يكون لونه أزرق باهت في المعمل، لكنه في العبوات التجارية يبدو عديم اللون كالماء العادي تماما، وهو أكثر لزوجة من الماء العادي، ويسمى أيضا (فوق أكسيد الهيدروجين)، ويعد حمضاً، لكنه ضعيف بالمقارنة مع الأحماض الأخرى مثل حمض الهيدروكلويك وحمض الكربونيك وحمض الكبريتيك.

وهناك فيديوهات تصور تكون فوق أوكسيد الهيدروجين خلال المطر، ويستطيع المشاهد التفريق بين قطرته وقطرة المطر العادية حيث يبدو جزيء البيروكسبد أكثر امتلاءا ويشبه سمك هلام البحر العادي الشفاف أو قنديل بحر صغير، وهما من أنواع جنس الأوريليا وهو الإسم العلمي.

ومن سمات فوق اوكسيد الهيدروجين المتساقط مع المطر أنه يكون لزجا بعض الشئ، ومن يقدر له تعريض جسده لمطر يتكاثف فيه هذا المركب؛ فإنه يحس وكأن طبقة رقيقة من الزيت قد طالت بشرته.

هذا المركب الكيميائي المائي يعد أفضل المواد المؤكسدة الطبيعية النقية، وهو يعتبر أحد أقوى المؤكسِدات والمعقمات المعروفة، فهو أقوى من الكلور الذي يُستخدم لتعقيم مياه الشرب عندنا في السودان، لقدرة الكلور الكبيرة على القضاء على الجراثيم في الماء، وبيروكسيد الهيدروجين يعد أيضا أقوى فعالية من ثاني أكسيد الكلور، وبيرمنجنات البوتاسيوم، وبالتالي فإنه يعد أحد أفضل السوائل التي تقضي على الجراثيم والفطريات المتكاثفة على البشرة، وكذلك يطهر الأرض مما فيها من جراثيم وفطريات ضارة بالنبات، ولكن يشترط استخدامه بتركيزات قليلة جدا ولمدة قصيرة بالنسبة لبشرة الإنسان.

وقد اعتاد جدّي محمد الحسن حاجنور رحمه الله علاج المصابين بأمراض جلدية، بالطلب منهم تعريض جسدهم لماء المطر خلال فترة الشتاء، وأذكر أنه رحمه الله كان يستبشر كثيرا ويُسَر عندما يسقط البَرَد برفقة المطر، وهو نادر الحدوث عندنا في شمال السودان، وقد اعتاد القول رحمه الله بأن المطر عندما يتساقط معه البَرَد يكون الشفاء فيه أرجى للناس، وكنت أحسبه يعني البَرَد في ذاته، لكنني تبين لي من بعد بأن تساقط البرد يعني وجود تكاثف من مركب فوق أوكسيد الهيدروجين، وذلك لتوفر ظروف تكوّنه في وسط السحب.

وهنا يعرض لي حديث نبينا صلى الله عليه وسلم؛ عن أنس رضي الله عنه قال: “أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه تعالى”.

رواه مسلم.

ودوننا المطر الذي أصاب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم خلال موقعة بدر الكبرى كما ذكرت الآية الكريمة، التفاسير بالطبع تتحدث عن تطهير من الاحتلام خلال ليلهم، لكن بالطبع لم يكونوا جميعا قد احتلموا ومن ثم احتاجوا للتطهر، علما بأنهم نزلوا بجوار مورد ماء، فالتطهير يمكن ايساع أفقه ليكون تطهيرا جسديا، وكذلك تطهير من أثر الشيطان الذي يجري من الإنسان مجرى الدم كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم:

(إنَّ الشَّيطان يَجْرِي مِن الإنسانِ مَجْرى الدَّمِ) رواه أحمد والبخاري ومسلم.

وكذلك تثبيت الأقدام يمكن ايساع معناه ليصبح أكثر من تثبيت المطر للرمال تحت أقدام الصحابة الكرام.

وللعلم فإن بيروكسيد الهيدروجين يتخلق بمشيئة الله في لبن المرضعة خلال الأيام والاسابيع الأولى من الولادة، وهو ما نسميه في السودان ب(اللِّبا) في لبن الماعز والضأن، ويبدو كثيفا جدا في أيام الحلب الأولى من الولادة، ويميل لونه إلى الصُفرة، ويتقطع عند التسخين ليصبح أشهى مايمكن تناوله بعد إضافة قليل من السكر إليه، وأنصح الناس على تناول اللبا لغناه ببيروكسيد الهيدروجين المطهر الفائق الذي يفيد الجسم كثيرا بالقضاء على العديد من الفطريات والجراثيم والميكروبات داخل جسم الإنسان، وبيروكسيد الهيدروجين له استخدامات صحية وطبية عديدة، فهو أفضل مايمكن استخدامه لمن يشكون من الإمساك، ولكن لابد أن يكون ذلك تحت إشراف طبي وعن طريق حقنة شرجية في الغالب، وللعلم فإن بيروكسيد الهيدروجين الذي تستخدمه النساء لإزالة طلاء الأظافر تدخل فيه مركبات كيميائية أخرى تعد ضارة إن تم استخدامه بغير الاستخدام الموصى به، وبالتالي فهو لايصلح للاستخدامات الداخلية لجسم الإنسان.

أسأل الله أن ينفع به.

[email protected]





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى