المقالات

عادل عسوم: إدريس جمّاع، عندما تشِفّ الروح


لان قُدّر للملائكة أن تمشي بين الناس، لكان إدريس جمّاع مَلَكاً!
مقولة ظلّ يرددها والدي رحمه الله كلما دار الحديث عن هذا الإنسان المرهف…
والكتابة عن جمّاع ظلت تراودني زمانا، وأحمد الله أن يسّر لي ذلك اليوم.
من القصائد التي وقرت في وجداني لشاعرنا النبيل قصيدة (صوت من وراء القضبان)…
أذكر بأنني قد أهديتها -يوما- إلى زميل دراسة فلسطيني زاملني خلال مرحلة البكالوريوس في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، سافر الرجل إلى الأردن خلال العطلة الدراسية ثم عاد وقال:
والله ياأخي عادل
لقد أصبحت هذه القصيدة أثيرة لدى كل من قرأها من الأهل والأحباب في فلسطين، وتيقنت من صدق الرجل عندما قال الوضئ اسماعيل هنية عند زيارته الأخيرة الى السودان قبل سنوات:
لقد ظل السودان وأهله يعيش بين جنبات دورنا من خلال قصيدة الشاعر ادريس جماع صوت من وراء القضبان!
هذه هي القصيدة:
على الخطب المريعِ طويتُ صدري
وبحتُ فلم يفدْ صمتي وذكري
وفي لُـجج الأثيرِ يذوب صوتي
كساكب قطرةٍ في لُجّ بحر
دجى ليلي وأيامي فصولٌ
يؤلّف نظمُها مأساةَ عمري
أُشاهد مصرعي حيناً وحيناً
يخايلني بها أشباحُ قبري
وفي الكون الفسيح رهينُ سجنٍ
يلوح به الردى في كلّ شِبر
وأحلامُ الخلاصِ تشعّ آناً
ويطويها الردى في كلّ سِتر
حياةٌ لا حياةَ بها ولكنْ
بقيّةُ جذوةٍ وحطامُ عمر
خطوبٌ لو جهرتُ بها لضاقت
بها صورُ البيانِ وضاق شعري
جهرتُ ببعضها فأضاف بثّي
بها ألماً إلى آلام غيري
كأني أسمع الأجيالَ بعدي
وفي حَنَقٍ تُردّد هولَ أمري
يقلّبني الفِراشُ على عذابٍ
يهزّ أساه كلَّ ضميرِ حُرّ
تطالعني العيونُ ولا تراني
فشخصي غيّرتْه سنينُ أسري
يصمّ صليلُ هذا القيدِ سمعي
وفي الأغلال وجداني وفكري
وأين الأمنُ حتى من حياتي
فقد فنيتْ وما خطبي بسِرّ
وتسلبني الكرى إلا لماماً
يدٌ من حيث لا أدري وأدري
وفي جنبيَّ إنسانٌ وروحٌ
وحبُّ الناسِ في جنبيَّ يسري
وقاكِ اللهُ شرّاً يا بلادي
سرتْ نيرانُه لحصاد عمري
ينازعني الحياةَ وفي ضلوعي
هوًى ضجّتْ به خفقاتُ صدري
وأيامي تَساقط من حياتي
كأوراقٍ ذوتْ والريحُ تذري
تَطامنَ دوحُها وهوى مُكِبّاً
وأجفلَ عنه تيّارٌ بنهر
وهُدِّمَ مؤنسُ الأعشاشِ فيه
فلم تهزج له أنغامُ طير
ولستَ ترى حواليه رُواءً
ولكنْ وحشةً وذبولَ زهر
يغالب محنتي أملٌ مُشِعٌّ
وتحيا في دمي عَزَماتُ حُرّ.
لقد أمتلك جمّاع رحمه الله ناصية اللغة العربية، كيف لا وهو المشتغل بتدريسها منذ تخرجه، ولديه قدرة فائقة على تخيّر كلماته لتكون كل كلمة هي الأمثل للتعبير عن مراده في كل مقطع شعري، ودونكم سياقه البديع المذهل:
أنت السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنا!
ياااااه
يالجمال الكلمات، ويالسموّ المبنى والمعنى، هكذا كان حال جماع مع محبوبته، يراها بين يديه كل يوم تغدو وتروح بكل بهائها، لكنها تبقى-عنه- بعيدة المنال…
لماذا ياتُرى؟!
أيكون السبب في ذلك الفارق الاجتماعي بينهما؟
لا ليس ذلك هو السبب، اذ يسمو شاعرنا باحاسيسه ويبلغ مبلغا عجيبا عندما يقول:
أعلى الجمال تغار منّا؟!!!
والغيرة تكون دوما بين متماثلين أو شبه متماثلين، لكنه هنا لا يجعل من نفسه مقابلا لمحبوبته انما يجرّد منها (جمالها) كطرف ثالث ثم يجعل المقابلة بين عناصر ذاك الجمال الفتّان وشخصه…
هاهو يقول:
هـزته مـنك مـحاسن
غنى بها لـمّـَا تـغنَّى
يا شعلةً طافتْ
خواطرنا حَوَالَيْها وطــفنــا
انـسـت فيكَ قداسةً
ولــمستُ إشراقاً وفناً
ونظـُرتُ فـى عينيكِ
آفاقاً وأسـراراً ومعـنى
رحم الله والدي فقد كان كلما ذُكر جمّاع يقول:
هذا شاعر أبكَى شِعرُه (العقّاد)!
واستطرد يوما وقال:
كنا طلبة في مدرسة المساعدين الطبيين الكائن مبناها داخل مباني كلية غردون،
وقد كان تخرجنا في عام 1956…
قال حضر ادريس جماع حفل التخرج في معية أحد الزملاء من ابناء الحلفايا، وكان جمّاع-حينها- معلما في المرحلة الثانوية، وقد بدت عليه بوادر مرضه الأخير من خلال ملبسه وسكونه واسلوب ردوده الحيية على الزملاء، وكانت الفقرة خاصة بالوالد الذي التزم بالقاء أحدى قصائد أحمد شوقي، فقال:
– لقد دفعني اعجابي الشديد بشعر شوقي إلى حفظ القصيدة وارتجالها باجادة شهد عليها كل الاساتذة والزملاء،
فإذا بي بادريس جماع يجهش بكاء من بين الجلوس،
ثم نهض وجاء ليقف بجواري، وما ان انهيت القصيدة إذا به يرتجل قصيدة يجاري بها قصيدة شوقي، قال الوالد:
لعله أنشد اكثر من خمسين بيتا يومها!
وبدءا من ذاك اليوم توثقت العلائق بين الوالد وجمّاع رحمهما الله.
لقد كان الشاهد في سوقي لهذه الحادثة قول الوالد رحمه الله:
زرت جمّاع بعد الأمسة بأيام في بيتهم أملا في الحصول على القصيدة التي ألقاها،
ودهشت عندما رد الراحل بأنه لم يعتد حفظ قصائده!…
وهكهذا أضاعت جبلّتنا السودانية بعدم التوثيق دررا أقسم الوالد بأنها كانت أندى كلمات وأجمل سياقا واوقع موسقة من ابيات شوقي المجاراة!
وأضاف الوالد رحمه الله بأنه يكاد يجزم بأن جُلّ قصائد جمّاع التي وصلتنا كانت أكثر ابياتا، لكنها تناقصت حين تساقطت العديد منها مابين ذواكر الحُفّاظ والتحبير!
وخلال جلسة استماع -من خلال التلفاز- والراحل سيد خليفة يبدع في اداء أغنية (أعلى الجمال تغار منا) سألت الوالد هل حدثكم الراحل جمّاع عن التي أنشد فيها جماع هذه القصيدة؟
قال لي الوالد بأنه سأل الراحل بنفسه هذا السؤال، فكان رده بأن القصيدة -بل كل قصائده- لم تكتب في أمرأة بعينها!!!
أعدتُ الاستماع إلى كلمات الأغنية فوجدتها تصطرخ بالتعبير عن هوى حقيقي لأنثى بعينها:
أعلى الجمال تغــــار منا
ماذا عليك إذا نـظــــــرنا
هى نظـــــرةً تنسى الوقارَ
وتســــــعدُ الروحَ المعنىّ
دنـيــــــاى أنت وفـرحتى
ومنــــــى الفؤادِ إذا تَمَنىّ
أنتَ الســــــــماءُ بدتْ لـنا
واستعصـــــمتْ بالبعدِ عنا
هلاَّ رحـمــــــــــتَ مـتيمـا
عصــفت به الأشواق وهنا
وهفــــت به الذكرى فطاف
مع الدجى مغنــــــى فمغنى
هــــــــــزته مـنك مـحاسن
غنـــــــــــى بها لـمّـَا تـغنَّى
يا شعلةً طــــــــــــــــــافتْ
خواطرنا حَوَالَيْها وطــفنــا
آنـســــــــــــــت فيكَ قداسةً
ولــمســــــــتُ إشراقاً وفناً
ونظـُــــــــرتُ فـى عينيكِ
آفاقاً وأســـــــراراً ومعـنى
كلّمْ عهـــــــوداً فى الصـبا
أسألْ عهــــــوداً كيف كـُنا
كـمْ باللقا سمـــــــــحتْ لنا
كـمْ بالطـــــــــهارةِ ظللـتنا
ذهـبَ الصـــــــــبا بعُهودِهِ
ليتَ الطِـــــــفُوْلةَ عـاودتنا.
ظلت أجابة الوالد تلحُّ عليّ بأن أسائل نفسي هذا السؤال:
هل يمكن لشاعر ما أن ينداح شعرا بهذه الحميمية العاطفية والصدق البائن في المشاعر دون أن تكون هناك حبيبة بعينها في خاطره ووجدانه؟!
الأجابة عن هذا السؤال كانت تتطلب سبرا لغور اشعار هذا الشفيف للوصول الى منابع يقينيات مشاعره وأحاسيسه،
وقد ساعدني الوالد رحمه الله عندما أومأ لي بهذه الأبيات العميقة المعنى لشاعرنا النبيل،
أقرأوا الله عليكم هذه الجزالة في اللغة والسياق والمعاني!:
نمشي علي الدرب الطويل ولا يطيب لنا مدي
إن الحياة بسحرها نغم ونحن لها صدي
من مات فيه جمالها فمقامه فيهاسدي
كم عاشق لسعادة ضل الطريق وما اهتدي
هي فيك وهي رضاك عنك ففيم تبحث أبعدا
يااااه
ان جمال السعادة كامن في وجدان جمّاعنا لا ينفكُّ عنه سلوكا وشعرا وحتى علائق اجتماعية!
وهنا مهوى قرط المعني والمبني لدى جمّاع
ولكن كيف لوجدان أن يتصالح ذاك التصالح ثم ينداح للناس بكلّ هذا الأسى والحُزن الدفّاق؟َ!!!
وكم كنت ولم أزل يحار عقلي بين يدي أبياته التي تحكي عن حظه العاثر في هذه الدنيا:
إن حظى كدقيق فوق شوك نثروه
ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه
صعب الأمر عليهم ثم قالوا اتركوه
ان من أشقاه ربى كيف أنتم تسعدوه
لان رمنا الاجابة:
يلزمنا الابحار في ديوانه الأوحد الذي بين يدينا (لحظات باقية)…
اذ حتى ذاك الديوان الأوحد ماكان له ان يجمع ويطبع لولا التقاء نفر كريم بالراحل عندما سافر الى القاهرة للعلاج فاجتهدوا في الوصول الى ما وجدوه في دار أهله من قصاصات كتب عليها بعض ابداعه ،فطبعوه له!
والقارئ لديوانه حظات باقية هذا يشده منذ الوهلة الأولى وهج الحرية التي يكتنف كل كلمة فيه!
فالرجل كان عاشقا للحرية الى حدّ الترف…
وان كان شاعرنا قد فاته قطار الترف المادي فانه كان مترفا إلى حد الجنون بترف الحرية الانسانية في اسمى مراداتها…
الحرية في أن يعبر عن ال(حب) السامي لانثى يراها بعين محب عاشق واله…
الحرية دون احتلال بغيض لا يجد في وطنه الاّ بقرة حلوب يسرق قطنها وذهبها وصمغها وثروتها الحيوانية لصالح بني جلدة له هناااااك من خلف البحار،
فالاحساس الداخلي بالحرية يعضده احساس بجمال السعادة في دواخله
بذلك…
لكل ذلك فقد افرد جمّاع لنفسه فضاءات وسوح ممتدة الافق،
فضاءات وسوح جعلها تحتمل كل المشاعر الانسانية التي تتخلل اشعاره الجذلى وهو دونها باسم الثغر وضّاء المحيا…
قال لي الوالد:
اعتاد جمّاع بأن يلقي علينا القصيدة الحزينة وهو يبتسم!
وأعود مرة أخرى إلى بكائيته (أعلى الجمال تغــــار منا)
لعمري إن هذه القصيدة تكتنفها رؤية فلسفية ريّانة بأدب جم وحياء يرتكز الى تدين فطري يجمل دواخل شاعرنا…
أعلى الجمال تغار منا؟!
من أو ما هي أطراف الغيرة هنا؟!
الخطاب وان بدا لنا مباشرا من جماع الى محبوبته، إلا إنه في الواقع يعني خيالها المستصحب لديه، يجرد منها صورتها التي تمثل لديه الجمال في أبهى معانيه ثم يصوب نظراته الهائمة إلى الصورة لعلها تهدئ من غلواء نار شوقه وهيامه،
فهو من فرط تديّنه لا يريد لنظراته أن تصوب مباشرة إلى شخص محبوبته المتخيلة، ويراها -هي أيضا- تغار -حتى- على صورتها!
فماذا تراه يفعل؟!
لايملك إلا أن يخاطبها لائما فيقول:
أعلى الجمال تغار منّا؟!
ماذا علينا إذا نظرنا (إلى الصورة)؟!
اذ يكفيجماع أن ينظر إلى الصورة لا الأصل، فالنظر إلى الصورة ينأى به عن مغبة النظر إليها عيانا!
دنياي أنت وفرحتي
ومنى الفؤاد اذا تمنّى.
يالجمال البوح بين يدي تلك الصورة،
ويالابداع تناسق موسيقى الأحرف مع مرادات المشاعر والأحاسيس!
وأشار لي الوالد رحمه الله إلى خواتيم القصيدة وقال:
جمّاع كما علمت عشعشت في دواخله صورة قريبة له نشآ وتشاركا حراك (الطفولة) سويا لكنها توفيت قبل البلوغ ولعلها كانت الموحية له،
وهذه هي خواتيم القصيدة:
كلّمْ عهـــــــوداً فى الصـبا
أسألْ عهــــــوداً كيف كـُنا
كـمْ باللقا سمـــــــــحتْ لنا
كـمْ بالطـــــــــهارةِ ظللـتنا
ذهـبَ الصـــــــــبا بعُهودِهِ
ليتَ الطِـــــــفُوْلةَ عـاودتنا.
وحتى البيت الأبهى والذي سبق في هذه القصيدة يحمل في ثناياه ذات المعنى:
أنت السماء بدت لنا
واستعصمت بالبعد عنا!
فالسماء دوما تتسق مع الفطرة والنقاء والبهاء، وانها -وان اكتنفتها السحب والأنواء أحيانا- الاّ أنها تعود إلى صفائها ونقائها وبهائها المعلوم، وذاك سمت الطفولة وحالها،
ولا أخال الأمر أمر فوارق اجتماعية نأت به عنها كما كتب بعض النقاد،
فالرجل سليل أسرة معلومة الأصل والمحتد، فيا لهذا التشبيه العميق،
ولا أخالني قرأت من قبل لشاعر يصف فيه معشوقته بالسماء!
اضاف الوالد رحمه الله بأن جمّاع كان موهوبا أيضاً بملكة الرسم والتلوين،
توحي بذلك صورة يدوية (كبيرة) للوحة الموناليزا رسمها جماع بنفسه حيث يجدها الوالج إلى غرفته مثبتة على الحائط، ذات الموناليزيا بابتسامتها الحيرى التي لا تكاد تجلس الاّ ويتملكك الاعجاب بها ويستبد بك الادهاش لابداع كثيف يجده في كل تفاصيلها…
ولديه في ذات الغرفة رسومات أخرى بديعة لزهور في غاية الروعة والجمال، منها زهرة السوسن، وزهرة الشمس، وزهور أخرى بلا أسماء…
وقد كان لصور وجوه الناس حضور كبير في ذات الغرفة، ومنها رسم لوجه والدته وجَدّته…
وبجوار سريره كانت هناك صورة بديعة لشاب وسيم ما ان رأى نظرات الاستفهام عنها الاّ وأبان بأنها لصديق عزيز هو في الأصل قريب له قاسمه نشأة الطفولة والصبا وتوفي غرقا قبل سنوات طويلة، قال ذلك وهو يجفف بكم قميصه دمعتين،
واضاف الوالد:
من يزور جمّاع في بيته يخاله رسام لا شاعر، لكنك ان حادثته تعلم يقينا بأنك تحادث شاعرا وأديبا…
وولج جمّاع الى داخل الدار ليحضر لي ولزميلي الذي رافقني شيئا من لوازم الضيافة فنبهني زميلي إلى أوراق مبعثرة على ارضية الغرفة، فنهضت وتناولت ورقة منها فوجدتها لقصيدة (لاميّة) بها مايزيد عن الستين بيتا، أقسم لي الوالد بأنه لم ير هذه القصيدة لاحقا في ديوان جماع.
اللهم اغفر لعبدك ادريس محمد جماع وأفتح له في مرقده بابا من الجنة لايسد، واغفر اللهم لوالدي، انك ياربي ولي ذلك والقادر على ذلك.
[email protected]

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف عادل عسوم: إدريس جمّاع، عندما تشِفّ الروح





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى