المقالات

صديق البادي يكتب: لا للإنتخابات الرئاسية المبكرة وضرورة أخذ الدرس من جمال عبد الناصر


 

 

كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل أن الرئيس جمال عبد الناصر كان يتمتع بصلابة وقوة فولاذية في المواقف التي تتطلب ذلك ويتخذ أقوى وأخطر القرارات دون أن يرمش له طرف وعندما تفجرت أزمة قناة السويس وكانت مصر مهددة بعدوان غربي إسرائيلي شرس وقف عبد الناصر كالرمح الملتهب ممدود القامة ومرفوع الرأس في شموخ وأخذ يردد أن مصر أمام موقف مفصلي عصيب وأما أن تتخذ موقفاً قوياً صلياً أو تتخذ موقفاً ضعيفاً رخواً وأما تكون مصر أو لا تكون وأتخذ قراراً جريئاً شجاعاً بتأميم قناة السويس وأعلن ذلك على الملأ وعلى جناح السرعة تناقلته وكالات الأنباء العالمية والإذاعات وإنتصر لمصر إنتصاراً باهراً كان مثار إهتمام العالم كله … وأقف هنا في هذه الجزئية عن عبد الناصر بإتخاذه القرار الجريء الشجاع في أخطر موقف واجهته مصر . ويحتاج السودان في ظروفه المعقدة الحالية لمثل هذه القرارات الحاسمة الحازمة الشجاعة الجريئة القاطعة على حد السكين بلا تردد وبطء وضعف وخلط الأوراق ودس الأجندات الخاصة المتقاطعة في الأجندات العامة .. والوطن يمر الآن بأزمات حادة ومرحلة هرج ومرج وصخب وتيه وفوضى سياسية لم يشهد السودان مثلها منذ الاستقلال ومع ذلك تسير الحياة سيرها الطبيعي ولم ولن تتوقف بإذن الله سبحانه وتعالى وهو لطيف بعباده والمركبات العامة مليئة بالركاب والأسواق تعج بمرتاديها وكذلك المطاعم بكل درجاتها وأماكن بيع المشروبات الباردة والساخنة وحلقات الأنس عامرة والمجاملات والمناسبات الإجتماعية والمناشط الدعوية والثقافية والرياضية والفنية متصلة وكل هذا وغيره كثير يتم في إطار الحراك المجتمعي وأن جل الأموال والسيولة النقدية يتم تدويرها خارج أطر الدولة وسيطرتها وميزانية الدولة والأموال المرصودة فيها تمثل جزءً محدوداً من الأموال المتداولة والموجودة في السودان أو المودعة خارجه ويملكها سودانيون . وفي ظل الفوضى والهمجية السياسية الحالية والإنفلات الأمني الذي أدى في بعض الحالات لأن يدافع البعض عن أنفسهم بردع المجرمين واللصوص وتجاوز للقانون بكل أسف في بعض الحالات بعد فقدانهم الأمل في أن تبسط الدولة هيمنتها وهيبتها وتردع المجرمين واللصوص وإنعدم الإحساس عند كثير من المواطنين بوجود دولة أو حكومة وهذا مؤشر خطير يتطلب المعالجة العاجلة غير الآجلة ولا بد من التكامل بين المجتمع والدولة لتستقيم المعادلة المختلة … وعندما كانت الأرض تميد تحت أرجل نظام الإنقاذ السابق وكثرت الأزمات بسبب السياسات والقرارات الإقتصادية الخاطئة وبسبب صراعات مراكز القوى داخل النظام ضمن أسباب أخرى عديدة وإنتظم الحراك الجماهيري المنادي بالتغيير في الفترة الممتدة من التاسع عشر من شهر ديسمبر عام 2018م وحتى اليوم الحادي عشر من شهر أبريل عام 2019م وفي الساعة الخامسة والعشرين أدركت اللجنة الأمنية أن النظام (ساقط ساقط) لا محالة ولذلك سارعت بالقيام بعزل الرئيس السابق إيذاناً بسقوط النظام ولسان حالها يردد اسقطه ( بيدي لا بيد عمرو ) وفور سقوط النظام أطلقت العديد من المكونات والأحزاب اليسارية على نفسها وصف القوى الثورية وفي مرحلة الثورة والدولة صرفت هذه القوى فاتورتها كاملة غير منقوصة وبسطت نفوذها في السلطة والساحة السياسية لمدة تسعمائة ثمانية وعشرين يوماً ( الحادي عشر من أبريل عام 2019م وحتى الخامس والعشرين من شهر أكتوبر عام 2021م ) وتسعى تلك القوى الثورية لإسقاط ما أطلقت عليه النظام الإنقلابي وأعلنت الآن أنها ترتب لكيفية أيلولة السلطة لها بعد اسقاطه أي أنها تسعى لتحل محله وتعود للإمساك بمقابض السلطة ( والرضاعة سهلة والفطام صعب ) والمقاومة والمظاهرات تقودها لجان المقاومة وهي ليست كتلة صماء بكماء وجسماً سياسياً واحداً ومنهم المنتمي لهذا الحزب أو لذاك ومنهم اللا منتمي سياسياً وحزبياً وهم الآن دروع بشرية وقتل منهم أبرياء كثيرون وفي المدة الممتدة من بداية الفترة الإنتقالية وحتى بيان البرهان كانت لجان المقاومة مهمشة والآن يعول عليها كثيراً لتستعيد تلك القوى سلطانها وصولجانها … والصراع المحموم الآن هو صراع حول السلطة وكراسيها بين العسكريين والمدنيين من جهة وصراع داخل المدنيين بأحزابهم ومكوناتهم من جهة أخرى وهؤلاء وأولئك يتصارعون على نيل السلطة بوضع اليد ( بالزندية ) بلا تفويض من الشعب عن طريق صناديق الإقتراع … والمفاوضات ثبت فشلها الذريع وكانت كالحرث في البحر والجولات التي قادها فولكر في المفاوضات كان الهدف منها إعادة تنفيذ ما ورد بالوثيقة الدستورية وإشراك المكون العسكري في السلطة وإشراك قوى الحرية والتغيير في السلطة مع إحداث تغيير جذري داخلها باستبعاد الشخوص السابقين الذين شاركوا في السلطة قبل بيان البرهان مع إعادة تعيين من تم إختياره بالاسم في المرحلة السابقة من الذين ليس لهم إرتباط يذكر بقحت مع إحداث تغيير في تركيبة مكونات (قحت) باستبعاد ما تسمى أحزاب أربعة طويلة أو خمسة طويلة وإبعاد أحزاب اليسار من المشاركة في السلطة والدول الغربية ( أمريكا والدول الأوروبية .. والخ ) لا ترغب في مشاركتهم والدول العربية النفطية الغنية المحافظة كانت في مرحلتهم الماضية في السلطة تتعامل معهم بعدم استلطاف وحذر وفتور ظاهر لا تخفيه وكان فولكر ( ومن ورائه أمريكا والدول الأوروبية ومن يتحالفون معهم ) يسعى لإعادة تعيين دكتور عبد الله حمدوك رئيساً للوزراء وهو في تقديرهم علماني ميوله غربية وهو أنسب من يسهل التعامل معه لتحقيق أهدافهم ومراميهم وكان يضيق ذرعاً بـ (قحت) لمحاولة فرضت وصايتها عليه .

وقد أعلن الفريق أول البرهان إنسحاب المكون العسكري من المفاوضات وتركها للمدنيين وأعلن أنهم إذا إتفقوا ووضعوا برنامجهم وإتفقوا على تشكيل حكومتهم فأنهم سيحلون مجلس السيادة ويكونوا مجلساً أعلى للقوات المسلحة . والبرهان يدرك يقيناً أنهم لن يتفقوا وسيمهلهم فترة كافية من الزمن وإذا لم يصلوا لإتفاق فأنه سيتخذ خطوته التالية ومن التوقعات غير المؤكدة أن يعلن عن إنتخابات مبكرة لرئاسة الجمهورية أسوةً بما حدث في مصر التي نصب فيها الفريق عبد الفتاح السيسي رئيساً للجمهورية وتم إنتخابه بعد ذلك وهناك فوارق كبيرة بين التجربتين والحالتين من حيث المعطيات المحلية لكل دولة منهما ومن حيث علاقة كل منهما بالعالم الخارجي والمجتمع الدولي . وإذا أجريت إنتخابات رئاسية فهل تتم بالطريقة المايوية أم بالطريقة الإنقاذية وفي عهد مايو كان المرشح واحد باسم التنظيم الحاكم الأوحد ويتم وضع صندوقين في كل مركز إقتراع يكتب على أحدهما (نعم) وعلى الآخر (لا) وفي كل النتائج التي أعلنت في عدة دورات كانت النتيجة هي النجاح والحصول علي نسبة مائة في المائة أو ما يقاربها مع الهتاف ( ملايين ملايين قلناها نعم ليك يا القائد الملهم ) . وفي عهد الإنقاذ تم حل مجلس قيادة الثورة وتعيين رئيسه رئيساً للجمهورية وفي عام 1996م أجريت إنتخابات رئاسية وتم ترشيحه باسم الحزب الحاكم وفتح باب الترشح لآخرين وعند إعلان النتيجة كان هو الفائز وحصل على المرتبة الثانية صديقنا السباح العالمي الظريف اللطيف سلطان كيجاب الذي تجول بين عدد من الصحف وأعلن وهو يضحك هازئاً أن الإنتخابات مزورة وأنه هو الفائز ( يعني المسألة أصبحت نكتة ) وفي آخر إنتخابات رئاسية كانت النتيجة معروفة سلفاً ونقلتها عند إعلانها كافة الأجهزة الإعلامية نقلاً مباشراً وأعلن أن مرشح الحزب الحاكم وهو رئيس الجمهورية حصل على كذا مليون من الأصوات ( كلام والسلام ) والمرشح الذي يليه في الترتيب كان هو الثاني وأعلن أنه حصل على مائتي ألف وأكثر قليلاً وصفق هو ومن معه كثيراً وهزوا بأيديهم وأصيبوا بموجة من الفرح الغامر وحصل أحد المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية في تلك الإنتخابات على سبعة آلاف وخمسمائة صوت وكان هذا المرشح قد بدأ قبل إعلان النتيجة في تشكيل حكومته والتشاور مع البعض في إختيار طاقمه الوزاري .. وهل كانت تلك إنتخابات أم كانت مهزلة؟! وكان يمكن إعلان فوز مرشح الحزب الحاكم بدون إجراء إنتخابات صورية وإذا أجريت الآن إنتخابات على الطريقة المايوية فكيف يتم إختيار المرشح الأوحد وإذا تنافس أثنان فهل يمكن أن يتم الإتفاق على ترشيحهما في بطاقة إنتخابية واحدة تضم الرئيس ونائب الرئيس!! مع وضع صندوقين يكتب على أحدهما (نعم) ويكتب على الآخر (لا) كما كان يحدث في العهد المايوي أم يفتح باب الترشيح واسعاً كما كان يحدث في العهد السابق وفي هذه الحالة لن تكون النتيجة معروفة سلفاً كما كان يحدث في تلك الإنتخابات وإذا إفترضنا أن أحدهم  فاز فهو بالتأكيد لن يستطيع أن يفعل كل شيء بمفرده لأنه ليس إنساناً اسطورياً خارقاً للعادة .. وهذه مسألة إفتراضية لو حدثت فإنها تدخل البلاد في متاهة أخرى .

والوضع يتطلب التعامل مع الواقع المعقد بالطريقة الناصرية المذكورة آنفاً والتي تقتضي أن يعلن الفريق أول البرهان قرارات حاسمة حازمة وقاطعة على حد السكين وبلا تأخير وإبطاء مع التنفيذ الفوري وألا تكون مثل وعوده وقرارته التي أعلنها في بيانه الذي أذاعه في الخامس والعشرين من شهر أكتوبر الماضي ولم تنفذ ولا زالت معلقة في الهواء . والمطلوب الآن هو أن يعلن أن مجلس السيادة الذي يضم المكون العسكري وثلاثة من قادة الحركات المسلحة الموقعة في جوبا أن يقتصر دورهم علي المسائل السيادية الرمزية والحفاظ على هيبة الدولة ووقارها وتكون من أهم مهامهم الدفاع والأمن القومي.. وتعيين رئيس وزراء لا يكون متهافتاً ومتساقطاً ولاهثاً وراء الموقع وأن يكون صاحب خبرات تراكمية وله قدرات إدارية وقيادية وإلمام كامل بالملفات الإقتصادية وصاحب رؤية وقدرة على التنفيذ وألا تكون له علاقات مشبوهة بالسفارات الأجنبية والإستخبارات الخارجية وألا تكون له طموحات زعامية مستقبلية يريد تقويتها من خلال موقعه ويتطلب هذا ألا يكون نرجسياً منشغلاً بذاته وتضخيمها وعليه أن يركز على العمل والإنتاج وقيادة الجهاز التنفيذي في صمت وحزم وبلا ثرثرة وتصريحات كثيرة وبلا تبديد للوقت في الإنصرافيات وأن يكون ورعاً نزيهاً وألا يكون أداة طيعة ودمية في أيدي العسكريين أو المدنيين أو القوى الأجنبية  وأن يختار وزراءه بذات المواصفات وتكوين حكومة خبرات عالية من العمالقة الذين يشغلون أنفسهم بمعالي الأمور لا سفاسفها وأن تكون الحكومة قوية في مستوى تحديات المرحلة مع ضرورة تكوين المجلس التشريعي الإنتقالي من الخبراء المختصين كأن تكون لجنة الزراعة من الزراعيين بشتى تخصصاتهم والمزارعين المستنيرين وأن تكون لجنة الإقتصاد من الإقتصادين والمصرفين وعدد من رجال المال والأعمال المستنيرين وأن تكون اللجنة القانونية من القانونيين … ألخ مع ضرورة إعادة تكوين المحكمة الدستورية على جناح السرعة وفي غيابها المتعمد حاق الظلم بكثيرين مع ضرورة تكوين المفوضيات وعلى رأسها مفوضية الإنتخابات …وألخ  ونأمل أن تكون القرارات عاجلة ونافذة وألا تكون كقرارات الخامس والعشرين من أكتوبر عام 2021م التي لا زال أغلبها معلقاً في الهواء .

خارج النص : ـ الفريق أول محمد حمدان دقلو حميدتي ظل (برتكولياً) هو الرجل الثاني في الدولة منذ اليوم الثاني في العهد الإنتقالي الحالي وظل ممسكاً ومشاركاً في ملفات كثيرة مهمة سياسية وتنفيذية وإقتصادية وأمنية سنقف على تفاصيلها عند رصد يوميات الثورة والدولة في العهد الإنتقالي وهو شريك أصيل في كلما جرى وهو موجود الآن بغرب دافور وقد أدى دوراً مشكوراً غير منكور في السعي بهدف إطفاء نيران الفتنة والقيام بمصالحات والعمل علي إرساء دعائم الأمن والسلام الإجتماعي في غرب دارفور وبعد أن أدى دوره هناك فإن وجوده في الخرطوم مهم في هذه الأيام للمشاركة في إيجاد مخرج من النفق المظلم الذي تردت فيه البلاد والمسؤولية التضامنية تقتضي أن يكون شريكاً أصيلاً في إتخاذ قرارات تاريخية تخرج البلاد من وهدتها التي تردت فيها .

 

 

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف صديق البادي يكتب: لا للإنتخابات الرئاسية المبكرة وضرورة أخذ الدرس من جمال عبد الناصر





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى