المقالات

صديق البادي يكتب: الفتن القبلية سببها الاستقطابات والسعي للمكاسب السياسية الرخيصة


 

 

توجد في السودان قبائل كثيرة داخل كل منها فروع عديدة ويضم كل فرع عدداً من خشوم البيوت وتوجد مجموعات قبلية وتضم كل مجموعة قبلية عدداً من القبائل كل قبيلة منها قائمة بذاتها . وتوجد قبائل حدودية متداخلة بين السودان وجيرانه وجزء منها هنا وجزء منها هناك وبينهم تواصل وتبادل زيارات عائلية . ويوجد في جنوب مصر أو بالأحرى في صعيد مصر وفي أقصي شمال السودان نوبة هنا ونوبة هناك ولغتهم ولهجتهم واحدة وعاداتهم وتقاليدهم وفنونهم الشعبية مشتركة ، وسحناتهم وأشكالهم متشابهة ، وبين السودان وأريتريا قبائل متداخلة حدودياً وأصلها واحد ولغتها واحدة وبين المنتمين إليها مشتركات كثيرة . وبين السودان وتشاد قبائل حدودية مشتركة مع وجود كثيف لها داخل القطر كقبائل سودانية ، وجنوب السودان قبل وبعد الانفصال كانت ولا زالت فيه قبائل استوائية لبعضها امتدادات داخل دول الجوار الافريقي مثل يوغندا وكينيا والكنغو .

وقد أتي للسودان مهاجرون كثيرون استقروا فيه بصورة دائمة منذ أمد بعيد وأصبحوا مواطنين فيه وجزء من نسيجه وأذكر منها الهجرات من غرب افريقيا وقد أتي المهاجرون بغرض العمل ومن المهاجرين من جاءوا مارين بالسودان في رحلة طويلة شاقة للأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج وعند عودتهم وهم في طريقهم لبلدانهم الأصلية طاب لهم المقام واستقروا في السودان ومنهم من أتي قبل مائة وعشرين عاماً أو بعد ذلك ومنهم من أتي قبل قرنين ومنهم من أتي قبل ذلك وبعض الأحفاد والأسباط الآن ولد آبائهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم في السودان وأصبحوا سودانيين ولا يعرفون أو ينتمون لوطن سواه وجل هؤلاء كانت هجراتهم القديمة تلك من نيجيريا ومنهم من أتوا من مالي وفولتا العليا وينسبون إليها ومنهم من أتي من أفريقيا الوسطي . وقبل أعوام زار السودان دكتور كوفي عنان السكرتير العام للأمم المتحدة وقتئذ وهو من غانا والتقي هنا في الخرطوم بابن عمه (لزم) الذي كان يعيش بعشش فلاتة مع أسرته . ويوجد سودانيون جذورهم تركية وقد حضر اجدادهم للسودان واستقروا فيه أبان عهد التركية السابقة في الفترة الممتدة بين عامي 1821م و1885م . ويوجد آخرون أتوا منذ زمن بعيد من الشام واستقروا في السودان الذي أصبح بالنسبة لهم مستقراً ووطناً دائماً ويعرفون بالشوام ويعرف الواحد منهم بأنه شامي . أما السودان ومصر فان الهجرات المتبادلة والمصاهرات التي حدثت بينهم كثيرة واستقر الكثيرون منهم بالسودان وينسب بعضهم للمدن التي أتوا منها مثل ( الدمياطي والفيومي ..الخ) وأضحت هويتهم منذ زمن بعيد سودانية وليست مصرية ويوجد سودانيون كانت هجرتهم من مملكة المغرب ولا ينتمون لجد واحد إذ أنهم أتوا في أزمان مختلفة ومن مناطق عديدة في المغرب وأشكالهم وألوانهم متباينة ومنهم ذوى البشرة السمراء أو الفاتحة قليلاً ومنهم ذوى البشرة البيضاء . ويوجد سودانيون في أقصي شمال السودان جذورهم ترجع لقارة اوربا ويقال لهم المجراب لأن جدودهم أتوا من المجر .. وهذه مجرد نماذج للهجرات والمهاجرين الذين أتوا للسودان منذ أمد بعيد واستقروا فيه وأصبح لهم مستقراً ووطناً دائماً وأصبحوا جزءً من نسيجه وحدثت مصاهرات واختلاط للدماء بين كافة هذه المكونات المذكورة وغيرها .. وتجرى الآن عمليات مصاهرات وزيجات لا حصر لها في كل أرجاء القطر لا سيما في المدن التي تكسرت فيها الحواجز الجهوية والقبلية وتوجد الآن في السودان خلاطة كبيرة تقوم بعملية خلط وصهر ومزج للدماء بين السودانيين في هدوء وبطريقة انسيابية ولكن الاستقطابات والمكاسب السياسية الرخيصة الضيقة هي التي تؤجج الصراعات وتفتعلها وتحول الحبة لتصبح قبة وتشعل نيران الفتن وهي جنادل تعترض المسيرة المجتمعية المنسابة في هدوء .

وكان شيوخ القبائل يمارسون مهامهم في حدود الأعراف والتقاليد وقد ورث الكثيرون منهم ذلك اباً عن جد لا سيما في مناطق الرحل ولكن هذه السلطات قننت بعد صدور تقرير لجنة ملنر في عام 1919م الذي اعطي رؤساء القبائل مع أعيان قبائلهم سلطات قضائية وإدارية وأيد الحاكم العام في عام 1921م تقرير لجنة ملنر وصدر تشريع ينظم ممارسة زعماء الإدارة الأهلية لسلطاتهم وبلغت وحدات الإدارة الأهلية ذات الميزانيات المستقلة ثماني إدارات ثم إزداد عددها تباعاً  .

وكان بين جل المتعلمين وبين الإدارة الأهلية ما صنع الحداد . وسعي المسؤولون لحل توفيقي يمتص ثورات وغضب المتعلمين ويحافظ علي مشاركة الإدارة الأهلية وممارسة صلاحياتها وفي الإدارة الأهلية كان يوجد عدد محدود من نظار العموم وناظر العموم يرأس عدداً من نظار الخط ويليهم شيوخ الخط وكان  يطلق علي بعضهم مجازاً لقب ناظر رغم أنه في الوثائق الرسمية يعتبر شيخ خط ويليهم العمد ويلي العمد شيوخ القرى . ومنذ عقود خلت من الزمان أضحت وظيفة شيخ الحلة في كل أنحاء القطر لا وجود يذكر لها وإن وجدت فهي بلا سلطات وتحولت الصلاحيات للجان الشعبية للقري ورئيس اللجنة الشعبية هو صاحب السلطة الأعلى وفي كافة المناطق التي ألغيت فيها الإدارة الأهلية كونت محاكم شعبية آلت لها السلطات القضائية بدلاً عن الإدارة الأهلية وكونت لجان شعبية في تسلسل هرمي آلت لها السلطات الإدارية التي تتمتع بها الإدارة الأهلية .

وتعامل نظام الإنقاذ السابق مع الإدارة الأهلية في المناطق التي لم تحل فيها بطريقة فرق تسد وعلي سبيل المثال في كردفان مثلاً يوجد ناظر واحد لكل المنطقة بمختلف قبائلها ( وغير الحسيني في كردفان في لحظات حماس واندفاع التسمية من ناظر لأمير ) وقام نظام الإنقاذ بتعيين عدد من الأمراء في بعض المناطق بدلاً من أمير واحد وجعل لكل فرع من فروع القبيلة أمير مع تعيين عدد من العمد من خشوم البيوت داخل الفرع الذي ينتمي إليه الأمير وفي هذا تفتيت للإدارة الأهلية بالمنطقة وسعي لتفتيت القبيلة . وتؤدي المنافسات بينهم لسعي كل منهم أن يكون أكثر قرباً للسلطة الحاكمة . وشهد العهد السابق محاصصات قبلية في تقسيم المناصب الدستورية واحدث هذا منافسات بين القبائل وصراعات داخل فروع وأبناء القبيلة الواحدة وكل منهم يريد أن يتسلق عن طريق قبيلته ولعل في هذا سوء قصد ونية لتفتيت وحدة هذه القبائل وتمزيق النسيج الاجتماعي الذي كانوا يصفونه بأنه تقليدي ويريدون إعادة صياغته وفق هواهم … وفي العاصمة لا سيما في عهد أحد الولاة السابقين في العهد الماضي منحت بطاقات كثيرة لعدد من المواطنين أطلق علي كل منهم وصف عمدة لأبناء القبيلة الفلانية بالعاصمة القومية وليس لهؤلاء العمد سلطات قضائية أو إدارية ولا يتبعون للادارات الأهلية بمناطقهم التي ينتمون إليها ولكن تتاح لهم تسهيلات وامتيازات ومنح ومن بين أسباب هذه التعيينات التقليل من شأن العاملين رسمياً في الإدارة الأهلية بمناطقهم وخلق ازدواجية وثنائية بين الطرفين . وشهد ذلك العهد اعلان البعض أنهم نظار علي قبائلهم وليست لهم سلطات قضائية أو إدارية ووقف أحد هؤلاء وخاطب في احتفال كبير أحد كبار الدستوريين الذي كان يشغل منصباً كبيراً في الدولة وموقعاً قيادياً بالحزب الحاكم وقال بالحرف الواحد بإنضمامي لحزب المؤتمر الوطني انضم معي كل أفراد القبيلة بكافة أنحاء السودان !! وهذا يعني أنه يظن انهم جميعاً طوع بنانه وإذا استمر فإنهم يستمرون معه وإذا خرج فإنهم يخرجون معه . وظهر عدد من الذين اعلنوا أنهم نظار لقبائلهم وكانت مجرد إعلانات وفرقعات إعلامية ليس لها تأثير يذكر ولكن هذه المسألة تفاقمت وانتشرت بسرعة كانتشار النار في الهشيم في الثلاثة أعوام الأخيرة . وفي العام الأول في الفترة الانتقالية الحالية أعلن عن انعقاد مؤتمر عام للإدارة الأهلية المفترض أن تقتصر عضويته علي العاملين في الإدارة الأهلية المعتمدين رسمياً في أجهزة الدولة ولهم محاكم رسمية تخضع وتتبع للهيئة القضائية . وان يتم الاعداد للمؤتمر وتحضير أوراق العمل فيه مع تحديد أجندته وعقد جلساته وإصدار توصياته ولا يستغرق أكثر من يومين أو ثلاثة علي الأكثر ولكن المؤتمر المشار إليه حضره واشترك فيه ونال عضويته عدد ضخم منهم كثيرون ليست لهم أي علاقة بالإدارة الأهلية بصفة رسمية معتمدة واختلط الحابل بالنابل واعلن هؤلاء انهم يمثلون قبائلهم ويبدوا أن ميزانية المؤتمر كانت ضخمة ومفتوحة مع البزخ في الصرف والضيافة وعند انفضاض جلسات المؤتمر وزعت أموال مليارية طائلة بنسب متفاوتة بقدر المقام واهديت عربات كثيرة بعضها فارهه لعدد منهم واستضيف عدد من النظار والعمد بعد انفضاض جلسات المؤتمر في أرقي الفنادق في الخرطوم لشهرين أو أكثر ويؤكد بعض العاملين في هذه الفنادق ان الضيافة كان فيها بزخ . وبعد ذلك توالي تشكيل النظارات القبلية ويتم الإعلان ان فلان الفلاني اصبح ناظراً للقبيلة الفلانية في كل ارجاء القطر و.. الخ وتداعت كل القبائل لاعلان نظارها ( وما فيش حد أحسن من حد ) وبعضهم يسعي فور اعلان اسم الناظر لاقامة احتفال ودعوة اكبر عدد لحضوره علي شرف المسؤول الكبير وكاد يحدث إشتباك دموي بين قبيلتين لولا تدارك الامر وإلغاء الاحتفال . وحدثت مؤخراً في النيل الازرق فتنة قبلية فقدت بسببها أرواح كثيرة وانفس عزيزة وقبلها كانت كل الأطراف متعايشة في انسجام ووئام وندعو الله سبحانه وتعالي ان تحقن الدماء ويسود الصفاء والنقاء بينهم والمؤسف ان المشاجرات العادية بين الافراد احياناً تأخذ طابعاً قبلياً ومؤازره من منتمين لهذه القبيلة أو تلك يقيمون بمناطق وولايات أخري . وبعض المستشارين المختصين في هذا المجال والملتفين حول بعض كبار الدستوريين النافذين كانوا يظنون ان هذه الاستقطابات تؤدي لمكاسب سياسية تقربهم اكثر ولكنهم لم يكونوا مستشارين مخلصين ناصحين وادي العمل باستشاراتهم لنتائج سيئة ادرك أولئك المسؤولون اخطائها ونأمل ان يعملوا علي تصحيح الأخطاء وإصلاح الاعوجاج والمعروف في الإدارة الأهلية التابعة رسمياً للدولة ان الناظر تكون له سلطات محددة لكل سكان المنطقة وليس للقبيلة التي ينتمي إليها وحدها ولكن ظهرت نظارات للقبائل تكون كل نظارة قاصرة علي أبناء القبيلة فقط وليست للناظر سلطات قضائية أو إدارية وليست له محكمة واسمه غير معتمد عند الدولة وغير مسجل رسمياً في رئاسة الهيئة القضائية أو ديوان الحكم الاتحادي وبعضهم لا يكتفي بالقول بأنه ناظر القبيلة الفلانية في منطقته بل يعلن انه ناظر القبيلة في كل أرجاء القطر الشاسع الواسع ومن ناحية عملية وواقعية لا يمكن ان يلم بكل أسماء المنتمين لقبيلته في كل أرجاء الوطن وليست بينه وبينهم علاقات شخصية مباشرة وهم يعملون في مهن مختلفة ولهم مشاربهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية والرياضية المتباينة وكل إنسان حر في اختياراته وقناعاته وهواياته الشخصية ولذلك ليس من حقه ان يتحدث باسمهم جميعاً ويصدر بيانات تأييد أو شجب بلا تفويض منهم .

ومع فائق الاحترام والتقدير لهؤلاء النظار القبليين وادرك ان الكثيرين منهم وبعضم أصدقائي لهم ثقلهم الذاتي وتاريخهم الشخصي الناصع ولا تضيف لهم هذه المناصب الشرفية شيئاً . ولفك الاشتباك بين الإدارة الاهلية الرسمية وبين هذه الكيانات القبلية نأمل ان يدعو رئيس وأعضاء مجلس السيادة ووزير الحكم الاتحادي كل النظار القبليين لاجتماع مع استضافتهم والتعامل معهم بلطف وانزالهم في منازلهم ودون حوجة لقرارات رسمية او فرمونات سلطانية التوصل معهم لاتفاق يتم بموجبه اختصار صفة ( ناظر – عمدة .. الخ ) علي العاملين في الإدارة الأهلية وان يتم اختيار مسميات مناسبة لمن يرأسون الكيانات القبلية مثل ( المنسق العام للقبيلة ) و يقتصر دوره علي  الجوانب الاجتماعية وما فيها من تعارف وتعاون علي البر والتقوى وتآزر وتواصل حميم مع التعايش في صفاء ونقاء مع المنتمين للقبائل الأخرى ليرتبطوا ويتحدوا في لحمة ونسيج واحد ومن أراد ان يمارس السياسة فمن حقه ان يفعل ذلك ولكن بصفته الشخصية وليست القبلية لأن من حق كل فرد في القبيلة أن يتخذ الموقف السياسي الذي يروق له … والتواصل الاجتماعي الحميم يجمع ولا يفرق ولكن بعض الممارسات السياسية غير المنضبطة هي التي تقود للاحن والمحن والفتن ونأمل ان تطوى صفحتها وتفتح صفحة بيضاء من غير سوء .

 

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف صديق البادي يكتب: الفتن القبلية سببها الاستقطابات والسعي للمكاسب السياسية الرخيصة





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى