المقالات

صديق البادي يكتب: الخروج من الأزمة يقتضي الوضوح والصراحة وعدم دفن الرؤوس في الرمال!!


 

عندما عاد الإمام الصادق المهدي رحمه الله من الخارج لأرض الوطن في اليوم التاسع عشر من شهر ديسمبر عام 2018م نزل بقبة جده الإمام المهدي ومسجده بالبقعة المباركة بأم درمان لتلقي واجب العزاء في شقيقه الراحل السيد فيصل الصديق المهدي رحمه الله وكان عدد المستقبلين والمعزين كبيراً وانتهز البعض تلك الفرصة السانحة وأقاموا ندوة سياسية تحدث فيها عدد من رؤساء الأحزاب أو من يمثلهم وقد تخصصت بعض الأحزاب الصغيرة في المعارضة وعلو صوتها وقلة عملها وسجلها خال من أي انجاز وطني تنموي وخدمي ولكنه حافل في مجال المعارضة ويجد بعضهم متعة ولذة في ذلك، وكان الشارع يغلي كالمرجل لأن الأزمات المستفحلة بلغت ذروتها القصوى وكانت صفوف المواطنين المنتظرين ممتدة ومستمرة بلا انقطاع أمام المخابز وطلمبات الوقود والبنوك والصرافات ..الخ وكان للصراع والحرب الباردة المحتدمة بين مراكز القوى والنفوذ المتجاذبة داخل النظام الحاكم دوراً كبيراً في تفاقم تلك الأزمات بالإضافة لأسباب عديدة أخرى. وناشد بعض المراقبين الرئيس السابق أن يكوّن حكومة مهام صعبة قوامها عدد من الوطنيين المخلصين الأكفاء المؤهلين أصحاب الخبرات التراكمية والقدرات العالية على العطاء والبلاء والعمل الجاد المثمر مع ورعهم ونزاهتهم وعفة أيديهم وحسن خلقهم ويكون رئيس الوزراء في مستوى دكتور مهاتير محمد وأمثاله من القامات السامقة ومن حول الرئيس السابقكانوا يرفضون ذلك أما هو فكان همه منحصراً في ضرورة خوضه وفوزه في انتخابات عام 2020م ويظن أن ما يثار عن الأزمات هي مجرد زوابع عابرة وكان تمسكه وتشبثه بمنصبه الرئاسي يزيد ويشتد عندما تحضر وفود من بعض مكونات المجتمع التي عرفت بتزلفها بكل حاكم لمبايعته ومساندته وتشجيعه للمضي قدماً في تقديم نفسه والتمسك بضرورة خوض انتخابات عام 2020م واشعاره بأنه وحيد زمانه وليس له مثيل أو بديل مع تنافس الولاة لاقامة مهرجانات الزيف والولاء الكاذب وجمع حشود مصنوعة لمبايعته وقام بزيارات لعدد من العواصم في الخارج وصدته جميعها ولم تدعمه وكانت ترى أنه استنفذ أغراضه وأن عليه أن يترجل وكان الشارع السوداني مهيأ للانفجار التلقائي العفوي وفي تلك الأجواء الملتهبة عقدت تلك الندوة المشار إليها وطالب المتحدثون بضروة اسقاط النظام وعدم التخاذل ولم تخلو كلمات بعضهم من الغمز واللمز والمطاعنات التي لا تليق في تلك المناسبة ولا ذلك المكان، وتحدث أحدهم مشدداً على ضرورة اسقاط النظام بشتى السبل ورفض اي حوار معه أو مهادنته وذات المتحدث في تلك الندوة أخذ يتحدث الآن بطريقة انتقامية وعدوانية سافرة ويعلن قفل الباب نهائياً أمام أي حوار من المكون العسكري ومع رئيسه على وجه التحديد وكأن لسان حاله يردد ضربة بضربة والبادئ أظلم ولا بد من اقصاء وابعاد من اقصاهم وأبعدهم وفي سبيل تحقيق هذه الغاية تحت اي غطاء فليحدث ما يحدث ويدفع غيرهم ثمن صراع طرفين حول السلطة. وبعد اثنين وثمانين يوماً من تلك الندوة سقط النظام السابق وقبل انهياره بقليل ادركت اللجنة الأمنية الخماسية العليا في الساعة الخامسة والعشرين أنه آيل للسقوط لا محالة وأرادت أن يكون ذلك بيدها لا بيد عمرو وتدخلت وسقط النظام وانطوت صفحته وبدأ عهد جديد وفترة حكم انتقالي أمضت حتى الآن ثلاثة وثلاثين شهراً وعشرة أيام بكل منعطفاتها ومنحنياتها وصراعاتها حول كراسي السلطة وتداخل السلطات والصلاحيات وتقاطع الاجندات مع فشل ذريع في عدة مجالات وإهمال العمل والانتاج وقضايا المواطنين المعيشية والخدمية وتقع المسئولية على المكونين المدني والعسكري على حد سواء ولا تقع على مكون واحد دون الآخر.وقد أذاع القائد العام للقوات المسلحة بياناً في الخامس والعشرين من شهر اكتوبر من العام المنصرم أعلن فيه حل مجلس السيادة وحل مجلس الوزراء ..الخ ووصف هو ما ورد في بيانه بأنه لتصحيح مسار الفترة الانتقالية وتقويم اعوجاجها بالعودة لمنصة البداية لتقوم أجهزة ذات مهام محددة تعمل حتى انتهاء الفترة الانتقالية وقيام انتخابات حرة تتسلم بموجبها السلطة أجهزة منتخبة ذات تفويض شعبي ووصف المناوئون له بأن ما حدث هو انقلاب عسكري والمعروف ان الانقلابات العسكرية تعزف فيها الموسيقى العسكرية ويعلن فيها تشكيل مجلس عسكري وتشكيل مجلس الوزراء وتعيين حكام عسكريين فور اذاعة البيان الانقلابي بلا تأخير وابطاء وهذا لم يحدث ومضى حتى الآن سبعة وثمانون يوماً والوطن بلا حكومة ومجلس وزراء وعندما طال الانتظار وحار بالناس الدليل تم تكليف وكلاء الوزارات قبل يومين ليصبحوا وزراء ولم تحدث اصلاحات وعد بها بيان القائد العام ولم يعاد تكوين المحكمة الدستورية التي ظلت مجمدة لأمد طويل ولم تكون المفوضيات وعلى رأسها مفوضية الانتخابات ولم يكون المجلس التشريعي الانتقالي وأصبح الوضع عجيباً غريباً ويمكن وصفه بأنه (خديج) وما حدث لم يكن انقلاباً عسكرياً مكتملاً وفي نفس الوقت لم يقم بأي اصلاحات تذكر وظل كل شئ يراوح مكانه وأصبح الوضع كدامر المجذوب كما وصفها توفيق صالح جبريل .. أيا دامر المجذوب لا انت قرية بداوتها تبدو ولا انت بندر. وما حدث في الخامس والعشرين من اكتوبر الماضي لا هو انقلاب عسكريكامل ولا هو عمل اصلاحي وأصبحت الأمور معلقة ومتروكة للمجهول .. والواجب يقتضي عدم دفن الرؤوس في الرمال ويتطلب تسمية الأشياء بأسمائها ووضع الأصبع على الجرح لتبدأ عملية العلاج التي يتبعها الشفاء وكل الدلائل تشير إلى أن الأحزاب التي أطلق عليها المكون العسكري مؤخراً مجازاً وصف أربعة طويلة والتي كانت تبسط هيمنتها وتمسك بمقابض السلطة فقدت ذلك وهي تسعى جاهدة لاستعادة ما فقدته وإن لم تدرك ذلك فإنها تريد أن تنتقم من خصمها وعدوها اللدود المكون العسكري في مجلس السيادة وبالأخص رئيس المجلس لشرب من ذات الكأس الذي سقاهم منه، و(مدنياو مدنياو) شعارات ومطالب لا بأس بها ولكن البأس كل البأس أن تكون مجرد غطاء لأهداف أخرى وإذا أعلن ان الهدف هو إعادة السلطة للأحزاب المشار إليها فإن احداً لن يحدث خروج في المظاهرات لهذا السبب وبالنسبة للمكون العسكري عليه أن يدرك أنه غير مخول ليكون مطلق اليد في السلطة وعليه ان يتأسى بتجربة المجلس العسكري الانتقالي الذي في أعقاب انتفاضة أبريل عام 1985م، وقد أدى واجباته في حدود السلطات المحددة والمخصصة له وعمل في تناغم تام مع مجلس الوزراء والمكون المدني دون ان يحدث احتكاك بين الطرفين حتى انتهاء الفترة الانتقالية … والخروج من النفق الحالي يقتضي ان يعرف كل طرف اختصاصاته وحدوده ولا يتعداها وعليه ان يدرك تماماً ويعي أنه يعمل في فترة انتقالية ذات أجل محدود معلوم ويمكن ان يستمر مجلس السيادة بمكونه المدني الذي يضم تسعة أعضاء ومكونه العسكري الذي يضم خمسة أعضاء بينهم رئيس المجلس ونائبه ويكون لمجلس السيادة الرمزية السيادية والحفاظ على هيبة الدولة وتكون من مهام العسكريين في الفترة الانتقالية التركيز على الدفاع عن الوطن والحفاظ على أمنه القومي والحفاظ على على منعة الجيش لئلا يخترق وألا يتدخل مجلس السيادة في العمل التنفيذي والمسائل التفصيلية التي هي من صميم مجلس الوزراء والجهاز التنفيذي. وأن تكون حكومة قوية من أصلب وأقوى العناصر وأكثرها قدرة على العطاء والبلاء ومواجهة تحديات المرحلة العويصة وأن يكون على رأسها رئيس وزراء ذو شخصية قوية وقدرات قيادية وتنفيذية عالية والكفاءات في الداخل متوفرة بحمد الله – والضرورة تقتضي على جناح السرعة تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي من الخبراء في لجان المجلس المتخصصةومن قيادات شعبية مرتبطة بالقواعدويكونون في مجملهم المجلسالذي لن تكون عند وجوده أي حوجة لاعادة حاضنة قديمة أو اقامة حاضنة جديدة يكون ضررها أكثر من نفعها مع ضرورة اعادة تعيين وتشكيل المحكمة الدستورية وهناك مئات الاستئنافات وربما آلافهافي انتظار اعادة تكوينها مع ضرورة تكوين المفوضيات وعلى رأسها مفوضية الانتخابات، وأن يتفرغ السياسيون الحزبيون كلهم وبلا استثناء لتنظيم احزابهم واقامة تحالفاتهم استعداداً للانتخابات القادمة ويمكن استيعاب بعض ممثليهمفي المجلس التشريعي الانتقالي .. والمظاهرات السلمية التي ليس فيها تخريب أو اعتداء على حقوق الآخرين مشروعة ورفع شعار مدنية مدنية ولا لأي هيمنة وسيطرة عسكرية هو الذي جذب المشاركين في المظاهرات ولكن اذا اعلن أنها من أجل استرداد بعض الأحزاب للسلطة التي ابعدت منها أو انطلاقهم من روح انتقامية وتصفية الحسابات مع آخرين فلن يخرج في هذه المظاهرات إلا القليلون على أحسن تقدير. وليس هناك خلاف بين الشعب والجيش. (شعب واحد وجيش واحد) هو الشعار المرفوع المحبب. والصراع الحالي في حقيقة أمره هو صراع جزئي بين المكون العسكري في مجلس السيادة وبين الأحزاب التي ابعدت من مقابض السلطة بعد بيان الخامس والعشرين من اكتوبر الماضي. والمظاهرات الحالية لواستمرت بطريقتها هذه ستجعل المكون العسكري يتمسك أكثر ويرفض التنازل واذا اقتحمت القصر ستحدث مواجهات دموية مؤسفة يروح ضحيتها أبرياء. ومن الصعوبة أن تتم مفاوضات يعقبها اتفاق لان الأحزاب المبعدة تعلن بجلاء ووضوح انها لن تجلس في مائدة واحدة مع المكون العسكري وهذه معركة جزئية بين طرفين نأمل ألا يدفع الشعب السوداني كله ثمنها الغالي ومع ذلك نأمل أن يصلا لحل وسط. وإذا افترضنا مجرد افتراض ان المكون العسكري تنازل عن السلطة وتخلى عن مواقعه في مجلس السيادة وأصبحت السلطة كلها مدنية فهل سيتفق المنتمون للأحزاب الكثيرة (وهم لحم رأس) على توزيع مواقع السلطة في كل مستوياتها السيادية والتنفيذية والتشريعية والولائية والمحلية أم أنهم سيختلفون ويتصارعون وربما يحصل بينهم في الاجتماعات في القاعات ملاسنات وتشابك بالأيدي وربما يحدث ضرب بالكراسي وغيره. ونرجو أن يترجل العسكريون والمدنيون من السلطة عند انتهاء الفترة الانتقالية واجراء الانتخابات العامة كما ترجل قبلهم بكل هدوء من تولوا السلطة الانتقالية بعد ثورة اكتوبر في عام 1964م وفي الفترة الانتقالية بعد انتفاضة ابريل في عام 1985م من مدنيين وعسكريين.

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف صديق البادي يكتب: الخروج من الأزمة يقتضي الوضوح والصراحة وعدم دفن الرؤوس في الرمال!!





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى