المقالات

صديق البادي يكتب: الحركة الاسلامية وضرورة فتح ومراجعة ملفات الانقاذ الشائكة (12)


بعد رحيل الرئيس جمال عبدالناصر عن الدنيا في شهر سبتمبر عام 1970م وإنطواء صفحة حكمه بكل مالها وماعليها إنهال عليه عدد من الكتاب والصحفيين بالنقد اللاذع الجارح وكان عبدالناصر معجباً بكتابات الأستاذ توفيق الحكيم لما يجده فيها من متعة ومؤانسة مثل (يوميات نائب في الأرياف) و(عودة الروح) وغيرهما وكرمه عدة مرات وكان يحترمه ويقدره وبعد وفاة عبدالناصر ركب توفيق الحكيم الموجة الجديدة وقتئذ وكتب ونشر كتاباً بعنوان (عودة الوعى) وذكر أنهم تحت تأثير شخصية عبدالناصر الجاذبة الساحرة كانوا كأنهم في غيبوبة لم يفيقوا منها ويقفوا على الواقع إلا بعد رحيله. والآن فإن السودان الوطن الشامخ تشهد ساحته السياسية فوضى وهمجية وحالة غيبوبة نأمل الإفاقة منها وعودة الوعى التي عنون الحكيم كتابه بها… والوطن يمر بأزمة اقتصادية ومعيشية مع توقع عجز كبير في ميزانية العام المالي القادم بدأت إرهاصاتها تظهر منذ الآن ويصحب ذلك موجة من الإضرابات عن العمل أخذت تشتد وتحتاح لمعالجات كلية شاملة لا تبعيضية جزئية تشعل نارها وتزيد هيجانها. وتحذر وتنبه منظمات دولية بأنها تتوقع إذا لم تتم معالجات مبكرة أن تحدث فجوة غذائية وربما تحدث مجاعة في بعض المناطق لا قدر الله. ويشهد الوطن بكل أسف مواجهات دموية وإقتتال وبؤر ملتهبة في عدد من أجزاء القطر مع تفلتات أمنية وكثر عدد اللصوص والمجرمين وعصابات النهب المسلح وهذا غيض من فيض والمؤسف أن المتصارعين حول كراسي السلطة في شغل شاغل عن كل ذلك وهم في ترف وعيشة مخملية باذخة ويعتبرون تلك القضايا والهموم من سقط المناع بالنسبة لهم..
وإن الفترة الانتقالية بدأت في اليوم الحادى عشر من شهر أبريل عام 2019م وكون مجلس عسكرى إنتقالي مارس السلطات السيادية والتنفيذية لمدة أربعة أشهر كانت فيها البلاد بلا رئيس وخرجت مظاهرات كثيرة فيها هتافات (مدنياو مدنياو) وعقدت إجتماعات وأتى وسطاء ومسهلون من الخارج وتم الإتفاق على تكوين مجلس سيادة يكون مناصفة بين المكون العسكرى وبين قوى الحرية والتغيير مع إضافة عضو آخر مستقل وتم الإتفاق أن يعهد لقوى الحرية والتغيير (قحت) إختيار رئيس الوزراء وتم الإتفاق أن يكون عمر الفترة الانتقالية ثلاثة أعوام وثلاثة اشهر أي تسعة وثلاثين شهراً وتم الإتفاق أن تجرى الإنتخابات قبيل إنتهاء الفترة وتبدأ مرحلة الديقراطية الرابعة وتنتهي تلقائياً مرحلة الشرعية الثورية. وكما يقولون (الحساب ولد) وقد تم الاتفاق أن يكون عمر الفترة الانتقالية بعد التوقيع على الوثيقة الدستورية تسعة وثلاثين شهراً وإذا أضفنا إليها الأربعة أشهر التي كان فيها المجلس العسكري هو الحاكم يكون عمر الشرعية الثورية ثلاثة وأربعين شهراً والآن قد أكملت الفترة الانتقالية ثلاثة أعوام وسبعة أشهر أي ثلاثة وأربعين شهراً ولأن إجراء الانتخابات لم يتم ولا توجد سلطة لها شرعية عبر صناديق الاقتراع وتفويض مباشر من الشعب يمكن أن نعتبر ما تبقى من الفترة الانتقالية الراهنة هي مرحلة شرعية الأمر الواقع وبكل أسف فإنها أضحت فترة تيه سياسي ودولة اللادولة وللخروج من هذا النفق المظلم قدمت مبادرات وطنية ولكن بكل أسف تم تجميدها ووضعها على الرف وتدخل عدد من الأجانب بدعوى أنهم وسطاء ومسهلين ولكنهم أصبحوا أوصياء وأولياء أمر ويعتبرون أن توصياتهم وتوجيهاتهم من وراء ستار هي التي يجب أن تنفذ وأن كلمتهم هي التي تعلو ولا يعلى عليها. والمروءة وكريم الأخلاق توجب إكرام الضيف الأجنبي وحمايته وضمان سلامته مع عدم الإذعان والخضوع له إذا أراد أن يكون هو الآمر الناهى إذ لا يعقل أن يكون الضيف هو الذي يأمر مضيفه وسيد البيت هو الخاضع المطيع لأوامره. وهؤلاء الخواجات درجوا على تقديم وعود سرابية ويبررون تجميد مساعداتهم ودعمهم المزعوم بأنهم يشترطون إقامة نظام ديمقراطي علماً بأنهم يدعمون نظماً شمولية ديكتاتورية ويعلمون أن الفترة الراهنة في فترة انتقالية لو مرت بسلاسة وإنتهت في موعدها المحدد فأنها تقضي لنظام ديمقراطى مدني مائة في المائة. والسودان جزء من العالم منفتح عليه وليس جزيرة معزولة عنه ولكن الإعتماد على الذات والموارد الداخليه يكون في المقام الأول (وما حك جلدك مثل ظفرك) وللآخرين في الخارج أجندات وحسابات يقيمون على ضوئها علاقاتهم مع الآخرين وفق ما تمليه مصالحهم. وقبل أيام صرح الفريق أول البرهان بأن اسرائيل إذا دعته لزيارتها فأنه سيستجيب ولم توجه له دعوة ونشرت بعض الصحف الاسرائيلية الصادرة باللغة العبرية آراء ترجمت للغة العربية مفادها أن اسرائيل في هذه المرحلة تكتفي بما حققته من مكاسب بايقاف تهريب السلاح الذي يتم تمريره عبر السودان ويصل لمن تصفهم بأنهم أعداؤها والمكسب الثاني هو السماح للطائرات الاسرائيلية بالمرور عبر الأجواء السودانية مع إيقاف العداوة وعدم وجود صداقة وهم غير مستعدين للتقدم أكثر في هذه العلاقة في الوقت الراهن وهذا يعني أنهم لن يساهموا كما هو منتظر في تحسين العلاقات مع أمريكا والدول الأوروبية والغريبة كافة. والدول الغربية تتعامل مع الأقوياء بإهتمام شديد وحرص وتتعامل مع من تعتبرهم ضعفاء باستخفاف واستهانة ومن يهن يسهل الهوان عليه وكانوا يضعون إعتباراً كبيراً لكاسترو (رئيس جمهورية كوبا الجزيرة الصغيرة) الذي هزم كل مؤامراتهم ضده وتعامل معهم بقوة وصلابة. وبعد إنتهاء الحرب بين أمريكا وفيتنام جلس ممثلو الطرفين في مائدة مفاوضات قبل التوقيع على الاتفاق النهائى وأبدى رئيس وأعضاء الوفد الفيتنامي صلابةً وعناداً وقوةً وبعد عدة جولات من المفاوضات رضخ الجانب الأمريكى لكل شروطهم ومطالبهم وتم التوقيع على الاتفاق بعد ذلك. وأفغانستان عرف مفاوضوها بالشراسة وكانوا يجلسون كيف ما إتفق لهم ويمكن أن يمدوا أرجلهم على طاولة المفاوضات دون إكتراث ولذلك كان الطرف الآخر يبدي مرونةً معهم. ونحن هنا نرجو أن يكون التعامل طبيعياً ليس فيه تهور وليس فيه ضعف وإنكسار وذلة بل فيه قوة وإعتداد بعزة الوطن.
والوطن تحيط به الأطماع الأجنبية حول موانيه وسواحله وموارده مع التآمر لإضعافه لئلا ينهض وهو المؤهل ليكون مارداً اقتصادياً ورقماً إقليمياً ودولياً ورغم هذه التحديات والمعوقات يدور فيه صراع شرس بين جل الأحزاب على مواقع السلطة كأنهم جياع يتدافعون بالمناكب على قصعة طعام وكل منهم يريد أن يأخذ نصيبه منها والمؤكد أن يحدث بعد ذلك نزاع داخل كل حزب حول كيفية توزيع الجزء الذي ناله من الكيكة. والحركات المسلحة التي وقعت في جوبا قبل عامين وأربعين يوماً فان الإنجاز الوحيد الذي حققته هو إعتلاء قادتها مواقع وزارية ودستورية كبيرة ويهدد بعضهم إذا لم ينالوا النسبة المخصصة لهم في إتفاقية جوبا فأنهم سيحملون السلاح والمقصود هو توجيه بعض منسوبيهم ليعتلوا الدراجات البخارية ويحملوا المسدسات ويقوموا بعمليات إجرامية تزتزع الأمن وفي كل الأحوال يمكن منحنهم نسبتهم المتفق عليها شريطة أن يختار رئيس الوزراء ذوى الكفاءات الذين يرتضيهم منهم مع عدم التقيد بمنحهم وزاراتهم السابقه وبعد إنتهاء الفترة الانتقالية وإجراء الإنتخابات يسقط تلقائياً هذا التميز. وعلى الأحزاب أن تتفرغ لتنظيم نفسها استعداداً لمرحلة الديمقراطية الرابعة القادمة وهى الآن في أضعف حالاتها وتحتاج لإعادة بناء وإقامة تحالفات قوية. وكما ذكرت في الحلقة (11) السابقة فأن الجيش برىء براءة الذئب من دم ابن يعقوب من أي أخطاء حدثت بعد بيان البرهان الذي إذاعة قبل عام وأكثر من أسبوعين والساحة السياسية والوضع العام في السودان يشهد توهان سببه البرهان لأن ما وعد بتنفيذه من قرارات ظلت لأكثر من عام حبر على ورق وعليه الآن أن (يملا قاشو) والتسوية وما أدراك ما التسوية واللعب على حبال التناقضات وإملاءات الخواجات ينبغي تجاوزها وليترك مقود البلاد وشؤون العباد في بقية الفترة الانتقالية ومرحلة شرعيه الأمر الواقع التي تلت مرحلة الشرعية الثورية للخبراء والتكنوقراط ونأمل بلا إبطاء أو تأخير أن يتم تعيين رئيس وزراء يكون شخصاً وطنياً محترماً ومستقلاً ومقبولاً وله وزنه وثقله وسجل إنجازات حافل وخبرات تراكمية وقدرات إدارية وقيادية وأن يكون قوى الشخصية وألا يكون ظلاً باهتاً وأداة في يد المكون العسكرى أو أداة في يد حزب أو قوى سياسية وألا تكون له شبهات علاقات باستخبارات خارجية أو سفارات أجنبية وأن يكون في سن مناسبة للعطاء ولا يطمح بعدها في بناء مستقبل سياسي بخدمه من خلال موقعه وأن يكون الوزراء بنفس المستوى وتكون حكومة الخبراء التكنوقراط قوية وجادة وأن يتم تكوين مجلس تشريعي إنتقالي من الخبراء في اللجان المتخصصة مع ضرورة إعادة تكوين المحكمة الدستورية التي إختل في غيابها ميزان العدالة وحاق الظلم بكثير من المظلومين الذين يريدون تقديم استئنافات أو حبسوا وقتاً طويلاً أو قصيراً بلا توجيه إتهامات أو تقديمهم لمحاكمات مع ضرورة تكوين المفوضيات وعلى رأسها مفوضية الإنتخابات… الخ
والضرورة تقتضى مراجعات للآداء الإقتصادي في العهدين الحالي والمنصرم وفى إطار المراجعات ووصلاً للحلقات السابقة نقف في محطات عجلى بإيراد خطوط عريضة ولمس بعض القضايا لمساً خفيفاً من أجل إنعاش الذاكرة لئلا يتم نسيان ما حدث وتقتضي الضرورة أخذ الدروس والعبر وشهدت بدايات عهد الإنقاذ شح في الضروريات من دقيق وسكر ووقود… الخ وصبر المواطنون وصابروا ولم يتبرموا وفرضت ضرائب وجمارك كثيرة أدت لرفع الأسعار ولم يتضايقوا وبذلت الحكومة جهداً للحصول على العملات الحرة للوفاء بالواردات وحدثت في تلك الفترة محاكمة للشاب مجدي محجوب محمد أحمد لإتهامه بأنه يملك دولارات لم يبلغ عنها ودافع عن نفسه بأن الخزينة لم تفتح بعد وفاة والده لأن ما فيها يعتبر ورثة لا تخصه وحده وتقدمت أسرته بطلب لمصادرة الخزينة بما فيها من أموال والإفراج عنه ورفض طلبهم وأعدم وكذلك أعدم الشاب القبطى جرجس لأنهم وجدوا بحوزته دولارات ودارت الأيام دورتها وأصبحت الدولارات سلعة تباع وتشترى جهاراً نهاراً وضبطت في آخر العهد أماكن تحوي أضعاف مضاعفة لما كان بحوزة مجدي وحرجس… وحدث إضعاف ثم إنهاء متعمد للمخازن والمهمات وللنقل الميكانيكي الذي حدثت بعد إنهائه فوضى وفساد في العربات الحكومية وأهملت القطاعات المُنتجة كالقطاع الزراعي بشقيه مع إهمال وإضعاف الصناعات التحويلية ولو خصص جزء معتبر من عائدات النفظ المليارية الدولارية للزراعة والصناعة لأصبح السودان الآن في وضع اقتصادى ممتاز. وبالنسبة للصادرات فأن السودان في الثروة الحيوانية ملايين الرؤوس ويمتلكها أصحابها أفراد أو عائلات ولا تملكها الدولة ولكن يمكن أن تعود عائدات الصادر عن طريق الدولة بأموال طائلة للخزينة العامة ولكن ترك الأمر فوضى وفقدت الدولة الكثير وينطبق هذا القول على القطن والحبوب الزيتية والصمغ العربي والذهب… الخ وعائدات الصادرات تودع منها أجزاء في الخارج بلا رقيب وحسيب. والنظام المصرفى حدثت فيه تجاوزات تحت سمع وبصر السلطة… وحدثت إنجازات لا ينكرها أحد ولكنها أقل كثيراً مما كان ينبغي أن ينجز في الفترة الطويلة التي إمتدت لثلاثة عقود من الزمان. وضاعت أموال كثيرة هدراً ولو استثمرت الإستثمار الصحيح لأصبح السودان الآن في مصاف اليابان وماليزيا… الخ وإن لميزانية التمكين مصادر عديدة منها الإعفاءات والتسهيلات وغيرها ويصرف منها على سبيل المثال على الإحتفالات والإنتخابات والاستقطابات وتفتيت الأحزاب (وبعزقتها) وتسليمها بداً بيد دون إمضاءات بالتسليم والتسلم في الدعم الإجتماعي. الذي يتم بطريقة (الخيار والفقوس) وعلى سبيل المثال منح شخص مهم مائة الف دولار ولا إعتراض على ذلك وفي نفس الوقت رفض تقديم مساعدة لإمام جامع من حفظة كتاب الله سبحانه وتعالى طلبها مضطراً لأن زوجته كانت مريضة والمسألة فيها شوفونية وإعلام بل يمكن إحضار فكي أو شيخ من نيجيريا هو وحاشيته والصرف عليهم من الأموال السائبة وهو مجرد نموذج لكثيرين مثله في الداخل والخارج والأموال السائبة (هبطرش) هنالك أشياء كثيرة لا أريد الخوض فيها وما كل ما يعرف يقال أو يكتب وكما قال السياسي المعروف كلمته المشهورة التي أصبحت مثلاً شروداً (خلوها مستورة) والغرض من ما أوردته هو مجرد لفت نظر لإجراء مراجعات ونقد ذاتي للاستفادة من ذلك في إعادة البناء وما أوردته هو مجرد طرقات خفيفه على الباب الخارجي من عابر سبيل ينبه أهل الدار (أنتبهوا أيها السادة).

بعد-ارتفاع-معدلات-الانتشار-الإدمان-في-السودان-…شباب-على-حافة صديق البادي يكتب: الحركة الاسلامية وضرورة فتح ومراجعة ملفات الانقاذ الشائكة (12)



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى