المقالات

صديق البادي: مؤتمر المائدة المستديرة.. ولكن!! 


جاء في الأنباء أن المبادرة التي تحمل إسم مبادرة (نداء أهل السودان للوفاق الوطني) ستعقد مائدة مستديرة في قاعة الصداقة بالخرطوم في يومى 13 و 14 من شهر أغسطس الجاري. وعلى ضفة النهر الأخرى الموازية لها جاء في الأنباء أن دار إتحاد المحامين شهدت قيام ورشة طرحت فيها وثيقة أطلق عليها اسم الإعلان الدستوري الإنتقالى لسنة 2022م وبموجبه يتم إلغاء العمل بالوثيقة الدستورية الإنتقالية لسنة 2019م على أن تظل كل القوانين الصادرة بموجبها قبل صدور هذا الإعلان ما لم تُعدل أو تُلغى. ومضت الورشة أكثر في طرح كيفية تسيير الفترة الإنتقالية وتشكيل مؤسساتها السيادية والتنفيذية والتشريعية بواسطة ما أسمته قوى الثورة ومن أبرز المشاركين في الورشة اللجنة المركزية لقوى الحرية والتغيير وبعض حلفائهم الذين تحدث بينهم أحياناً تقاطعات وتباينات في الرؤى وخلافات حول عدد من القضايا ربما تصل أحياناً لدرجة الإشتباك بالأيدي ولكن الذي يجمعهم هو وقوفهم ضد الطرف الآخر وشهد الورشة لا سيما في جلستها الإفتتاحية عدد من السفراء وممثلي السفارات والمنظمات الأممية أو الإقليمية وعلى رأسهم فولكر الذي لم يكتف بالحضور كضيف مراقب ولكنه كعادته علق. وتؤكد كل المؤشرات والدلائل أن الساحة السياسية السودانية تشهد إنقساماً واستقطاباً حاداً بين قطبين متنافرين وكل طرف يتمترس في خندقه وبالطبع أن أوزانهم غير متكافئة ويمكن مجازاً أن نطلق عليها في هذه الأيام جماعة ورشة إتحاد المحامين وعددهم أقل وجماعة مؤتمر المائدة المستديرة بقاعة الصداقة وكان الأجدى والأفضل أن يتسع أفق الطرفين ويتركا العناد من أجل مصلحة البلاد والعباد وأن يجلس ممثلو الطرفين في مائدة مستديرة تتم فيها مداولات صريحة واضحة وشفافة متجاوزين الأحن والضغائن والصغائر والثارات وتصفية الحسابات… وعليهم جميعاً الاستفادة من تجربة مؤتمر المائدة المستديرة الذي عقد في شهر فبراير عام 1965م بعد ثورة أكتوبر وخصص المؤتمر لبحث مشكلة جنوب السودان والسعى لإيجاد حل ناجح وناجع لها. والأستاذ سر الختم الخليفة عميد المعهد الفني وقتئذ أُختير رئيساً للوزراء لأن معلوماته كانت غزيرة وفيرة عن جنوب السودان الذى عمل فيه لمدة عشرة أعوام مسؤولاً عن التعليم في كل الإقليم بمديرياته الثلاث. وكان الإعداد للمؤتمر محكماً وقام بأعداد الأوراق التي قدمت خبراء مختصون كل في مجاله ودعيت للمؤتمر كافة الأطراف وحضر من الخارج من المعارضين أو بالأحرى المتمردين عدد أذكر منهم الإدارى الشاب المثقف وليم دينق والسيد أقرى جادين الذي كان أكثرهم تطرفاً وتحدث بوضوح وصراحة إذا لم يُمنحوا الحكم الذاتى الذي يطالبون به في إطار الدولة الواحدة فان الإنفصال وإقامة دولة مستقلة قائمة بذاتها سيكون هو هدفهم الذى سيسلكون كل السبل لنيله. وإشترك في المؤتمر من قادة الأحزاب في الشمال سياسيون متمرسون لهم وزنهم وثقلهم وكان من أبرز المشاركين في المؤتمر من الجنوبيين السيد كلمنت أمبورو وزير الداخلية في حكومتى أكتوبر الأولى والثانية وشهد المؤتمر وخاطبه ثلاثة شباب من قادة الأحزاب هم السيد الصادق المهدى رئيس حزب الأمة وكان عمره آنئذ تسعة وعشرين عاماً وشهرين ودكتور حسن عبدالله الترابى الأمين العام لجبهة الميثاق الإسلامي وكان في الثالثة والثلاثين من عمره والأستاذ عبدالخالق محجوب سكرتير عام الحزب الشيوعي وكان في الثامنة والثلاثين من عمره. وكان رئيس مؤتمر المائدة المستديرة الذي أدار جلساته بإقتدار وحنكة هو البروفيسور النذير دفع الله مدير جامعة الخرطوم بكل ألقها ورمزيتها البازخة في عهدها الذهبي ذاك وكان سكرتير المؤتمر ومقرره الأستاذ محمد عمر بشير وصدرت مقررات لجنة الأثني عشر التي استندت وإعتمدت عليها مفاوضات أديس أبابا التي أفضت لإتفاقية السلام التي تم التوقيع عليها في الثالث من شهر مارس عام 1972م وأدت لإيقاف نزيف الدم وإهدار الموارد في الحرب. وشهد الجنوب استقراراً وتنميةً وبسط للأمن ورفعت ألوية السلام خفاقة عالية لمدة أحد عشر عاماً وثلاثة أشهر قبل أن تندلع شرارات التمرد مرةً أخرى في شهر يونيو عام 1983م وكان الطرفان كناقضة غزلها بيديها وتلك قصة أخرى. والمهم أن مؤتمر المائدة المستديرة في عام 1965م كان ناجحاً ومتميزاً ولم يشهد ترهلاً عددياً وتظاهرة سياسية ومراسيم إحتفالية كأنها سيرة عرس وإتسم المؤتمر بالجدية والإنضباط والضرورة تقتضي الاستفادة من تلك التجربة وليكن الحضور الحاشد المفتوح (إذا حدث ذلك) في الجلسة الختامية التي تقرأ فيها المقررات والخلاصات وفي الجلسة الإفتتاحية التي قد تلقى فيها كلمات عن ضرورة وحدة الصف الوطني وما إلى ذلك من العبارات التي تدغدغ العواطف ولكن العبرة في كيفية تنفيذها وتوحيد الصف في ظل هذا التشرزم والإنقسام والاستقطاب الحاد وكان المرجو أن تضم طاولة المفاوضات في المائدة المستديرة كافة الأطراف وألوان الطيف ويكون الحوار بينهم صريحاً واضحاً شفافاً وتعلن بعد ذلك مخرجات ومقررات المائدة المستديرة.. والمائدة المستديرة التي أعلن أنها ستعقد في قاعة الصداقة على القائمين عليها أن يتذكروا أن السودان ظل منذ الخامس والعشرين من شهر أكتوبر 2021م بلا رئيس وزراء وبلا حكومة ووزراء يعملون بالأصالة لا بالوكالة ويوجد جهاز تنفيذي باهت يتمثل في وزراء مكلفين مع وجود عدد قليل من الوزراء الذين يشغلون مواقعهم بوضع اليد ولا يخضعون لأية قرارات بالإعفاء والتعيين وتبعاً لذلك فأيديهم مطلوقة وسلطاتهم مفتوحة ليفعلوا ما يريدون دون رقيب أو حسيب حتى لو أدى ذلك لتعقيدات إقتصادية وزيادة تردي أحوال المواطنين المعيشيه وإرتفاع الأسعار إرتفاعاً جنونياً. وعلى سبيل المثال فأن المواصلات إرتفعت قبل عدة أيام وتبعاً لذلك إرتفعت تلقائياً قيمة كل السلع الأخرى أضف لذلك غياب المحكمة الدستورية وحاق من جراء ذلك ظلم تضرر منه الكثيرون والظلم ظلمات يوم القيامة مع عدم وجود مجلس تشريعي إنتقالى يراقب آداء الجهاز التنفيذي. وينعقد مؤتمر المائدة المستديرة في ظل وجود مطامع أجنبية في موارد السودان وسواحله وموانيه المطلة على البحر الأحمر وحدثت تدخلات في شؤونه الداخلية ومسائله السيادية وبكل أسف فأن دولاً أقل منه تسعى لفرض وصايتها عليه وإقامة ملتقيات خارجه في شأن سوداني داخلي دون أخذ الإذن من الدولة السودانية.

ونأمل أن يغوص المؤتمر في عمق الأشياء وألا يقف على سطحها وعليه أن يعلن مخرجاته وما يتوصل إليه على الشعب السوداني وبعد إعلانها ينفض سامره كما إنفض من قبل سامر من شاركوا في مؤتمر المائدة المستديرة في عام 1965م وعاد كل منهم لآداء عمله والمهنة التي يؤديها بعد تسليم المقررات للجهات الرسمية المعنية. أما قيام جسم قائم بذاته يحمل اسم (مبادرة نداء أهل السودان للوفاق الوطنى) ويكون له مقر ومكاتب وعربات و…الخ وتكون له صلة بالدولة وأجهزتها فهذا أمر غير مقبول لأنه يخلق جسماً هلامياً جديداً وحاضنة جديدة تضاف للحاضنة الأولى والحاضنة الثانية ضرتها المضادة لها وقد عانى الوطن كثيراً من هذه الحواضن التي فرضت نفسها وتسلطت عليه بلا تفويض منه وأصبحت جاثمة على صدره وكاتمة لأنفاسه.

وإن الكيانات التي تعرف نفسها بأنها قوى الثورة نالت على مدى أكثر من عامين في الفترة الإنتقالية فرصتها كاملة غير منقوصة في الحكم وتولت السلطة في كافة مستوياتها السيادية والنتفيذية وفي اللجان المهمة الحساسة مع سعيهم لخلق تمكين جديد في الخدمة المدنية وفي أجهزة الدولة والشركات الحكومية وكل حزب منهم يريد التمكين للمنتمين إليه مع وجودهم الكثيف في المشهد السياسي وفي أجهزة الإعلام لا سيما في الإذاعات والفضائيات الداخلية والخارجية وصرفوا جميعاً فواتير مشاركتهم في إحداث التغيير الذي حدث قبل أربعين شهراً (11 أبريل 2019م ـــ 13 أغسطس 2022م) وهي فترة ليست قصيرة ولابد الآن من فتح صفحة جديدة. وأن عدداً من الأحزاب التي تعرف نفسها بأنها قوى الثورة تدرك تماماً أن ما نالته من سلطة أو تسلط لم يكن بإمكانها نيله عن طريق صناديق الإقتراع وكل الدلائل تؤكد أن الإنتخابات البرلمانية لو أجريت في أي وقت فأن هذه الأحزاب لن تحصل على شئ يذكر ولن تعتلي مواقع السلطة في أي مستوى من مستوياتها ولن تحصل على شئ يذكر حتى داخل مجلس تشريعي ولائي أو مجلس تشريعي في محلية أو في وحدة إدارية ولذلك فأنها تسعى بشتى السبل لفرض سيطرتها وهيمنتها في الفترة الإنتقالية الراهنة. وتؤكد كل المعطيات والدلائل أن كل الأحزاب بلا استثناء من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وما بينهما من قوى الوسط التي تمثل الأغلبية فأنها غير مستعدة مالياً وتنظيمياً ومنهجياً لخوض الإنتخابات وإذا أتتها السلطة تجرجر أذيالها فأنها بوضعها الراهن غير قادرة لتسيير شؤون البلاد والعباد لعدة أشهر وسيسقطها لا محالة إنقلاب عسكري ويضاف لهم الحزب الحاكم أو بالأحرى حزب الحكومة في النظام السابق الذي كان يرضع من ثدييها ويعتمد على أمنها وأعلامها وسيطرتها القابضة سلطوياً وهو أكثر حزب يحتاج الآن لعملية نقد ذاتي ومراجعات لتجربته السابقة وتجديد الدماء فيه بقيادات جديدة مع تغيير اسمه وإعادة بنائه من القواعد على أسس جديدة وخلاصة القول أن كل الأحزاب بلا استثناء غير مهيئة في الوقت الراهن لإجراء إنتخابات عامة وبعضها أضحى كالخيول المسنة المتعبة وتحتاج لإعادة ترميم وبناء وعلى جميع الأحزاب أن تنصرف لتنظيم نفسها ومن الهزل والعبث السياسي الذي إفتعله النظام السابق أن يكون في السودان أكثر من مائة حزب وأن ثلاثة تحالفات قوية راسخة هي المطلوبة. وأن أكثر إنسان يؤدي عمله المكلف به بإخلاص في السودان هو السيد فولكر ومهمته هي إشعال نيران الفتن في السودان ومن ضمنها تشجيع قيام المظاهرات ودعمها من وراء ستار لتنتج عنها مواجهات دموية يروح ضحيتها ضحايا أبرياء وإذا نجحت مبادرة مولانا الشيخ الجليل الخليفة الطيب الجد فقط في حقن الدماء وإيقاف المواجهات بين الطرفين تكون قد أدت عملاً جليلاً. والتحديات التي تحيط بالوطن اليوم والصراعات الشرسة حول السلطة لا يمكن أن تحل بالكلمات الرومانسية الناعمة مهما كانت النوايا طيبة ومخلصة وصادقة والوضع خطير يحتاج لقرارات حاسمة يكون على رأسها أن يقتصر دور مجلس السيادة على الرمزية السيادية ويقتصر دور المكون العسكري على الدفاع والأمن القومي ولا يتعداهما ولا يتدخل في العمل التنفيذي. ولا داعي لتغيير اسمه لأن ذلك ربما يؤدي لخلافات لا تُحمد عقباها داخل المكون نفسه مع ضرورة إختيار رئيس وزراء يكون على سبيل المثال في مستوى دكتور مهاتير محمد الذي ينجز ويعمل ولا يثرثر وألقى قبل سنوات محاضرةً في جامعة إفريقيا لم تستغرق أكثر من عشرة دقائق لخص فيها تجربته العملية مع ضرورة إختياره لوزراء خبراء بذات المستوى ليشكلوا حكومة عمالقة من المستقلين غير المتحزبين مع ضرورة تكوين مجلس تشريعي إنتقالي غير مترهل العدد من الخبراء في لجانه المتخصصه مع ضرورة تكوين المحكمة الدستورية والمفوضيات وأن يكون الولاة في الولايات من الإداريين وليس من السياسيين لئلا تحدث صرعات بينهم.

والإنحناءة والتقدير لكل من قدم مبادرة من شيوخنا الموقرين الأجلاء أو من الأماجد من الشخصيات الوطنية وكلهم نجلهم ونقدرهم وعلى سبيل المثال فأن الشيخ الجليل والمربي الفاضل الياقوت محمد مالك ظل في كل العهود يضع بينه وبين الحاكمين مسافة تتيح له مناصحتهم والمعروف أنه شخصية قوية لا تأخذه في الحق لومة لائم. والإنحناءة والتقدير للقاضي العادل العالم الجليل صاحب المبادرة الحالية وراعي المائدة المستديرة وهو على خلق ودين وعرف بالتواضع الجم وبحكم السن والمقام فهو الأن أب للجميع حاكمين ومعارضين وهو على أبواب التسعين أطال الله عمره ومتعه بموفور الصحة والعافية وقد تخرج في جامعة الخرطوم في عام 1960م وهو ذات العام الذي ولد فيه إبنه الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الباسلة أما إبنه الفريق أول شمس الدين الكباشي عضو مجلس السيادة ونائب القائد العام للقوات المسلحة الباسلة فقد ولد بعد عامين من ذلك التاريخ وبإختصار فأن جميع الحاكمين والمعارضين هم بمثابة أبنائه وقطعاً أنه سيفتح مسيدهم العامر بأم ضواً بان لإستقبال الجميع من مختلف المشارب الفكرية والإنتماءات الحزبية في أي وقت بصدر رحب دون تفريق بينهم. وعندما أجريت الإنتخابات البرلمانية في عام 1986م إشتد الصراع في منطقته بين المنتمين للحزب الإتحادي الديموقراطي والمنتمين للجبهة الاسلامية القومية قضى تلك الأيام في مأمورية رسمية في غرب السودان وهو وسطى وإسلامي سلوكاً وإدراكاً ومقبول من الجميع.

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف صديق البادي: مؤتمر المائدة المستديرة.. ولكن!! 





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى