المقالات

صديق البادي: إتفاقيات جوبا  في الميزان بعد عام ونصف من التوقيع عليها


    تم إنهاء المفاوضات بين وفد الحكومة ووفود الجبهة الثورية وغيرها من الحركات الحاملة للسلاح وتم التوقيع على الإتفاقيات في مدينة جوبا عاصمة دولة جنوب السودان وسط حضور محلي وإقليمي ودولي وإعلامي كثيف في اليوم الثالث من شهر اكتوبر عام 2020م أي قبل عام وستة أشهر ومن أبرز النتائج التى حققتها تلك الإتفاقيات أن قادة الحركات المسلحة الموقعة على الإتفاقيات جنوا ثمرات غرسهم وحققوا هدفهم وأصبح ثلاثة منهم أعضاء في مجلس السيادة وأن أحد هولاء القادة أصبح حاكماً  لإقليم دارفور وعين عدداً منهم وزراء وعلى رأسهم السيد وزير المالية وشغل عدد منهم مناصب عديدة على المستويين الإتحادي والولائي ولازال قادة كثير من الحركات الدارفورية الصغيرة والشظايا التي كانت حاملة للسلاح ينتظرون على أحر من الجمر نصيبهم من كيكة السلطة وبعضهم كان يتوعد بالثبور وعظائم الأمور والعودة لحمل السلاح إذا لم ينل نصيبه !! .. وأتى عدد لا يستهان به من المقاتلين الذين كانوا منضوين في الحركات التي وقعت في جوبا وإنتشروا في العاصمة القومية وهم يحملون أسلحتهم بدعوى أنهم أتوا لحماية قادتهم وحراستهم وهؤلاء يعتلي الكثيرون منهم المواتر ويحملون السلاح دون أن تكون لاية واحد منهم صفة رسمية أو بطاقة تخول له حمل السلاح بإذن من الدولة ، والمفترض بعد إعتلاء قادتهم لمواقعهم الدستورية الرفيعة أن تقوم الأجهزة الرسمية الحكومية بحراستهم وقد أدى إنتشار السلاح والرتب الوهمية والتحرك بلاضوابط لتفلتات أمنية.

 وإذا رجعنا للوراء فهناك ثمة إفرازات من إتفاقية نيفاشا إنعكست على إتفاقية جوبا ، وحركة التمرد الأولى في الجنوب تسمى (أنانيا) وأن  وكانت قاصرة على المتمردين من الجنوبيين وحدهم وجرت بين الحكومة وحركة (أنانيا ون)  في أوائل سنوات العهد المايوي مفاوضات، مضت في سهولة وسلاسة وأفضت لإتفاقية أديس أبابا التى تم التوقيع عليها في الرابع من شهر مارس عام 1972م وأدت بعد تنفيذها لإرساء دعائم السلام والاستقرار والتنمية في الجنوب لأكثر من أحد عشر عاماً . وبدأت حركة التمرد الثانية في منتصف عام 1983م  وكانت في بدايتها جنوبية بحتة ولأن قياداتها كانت تقيم في أديس أبابا على عهد رئيسها حينئذ منقستو فقد كان منفستو الحركة يساير النظام الحاكم في إثيوبيا المرتبط بالكتلة الشيوعية وبعد ذلك غيرت الحركة الشعبية مسارها وإرتمت في أحضان أمريكا والدول الغربية ومنظماتها وضمت الحركة الشعبية وسط قياداتها عدد محدود من الشماليين مع إنخراط مقاتلين في جيش الحركة الشعبية ، وفي مفاوضات ماشاكوس ومن بعد ذلك في مفاوضات نيفاشا ثبت جلياً أن المفاوضين من الجنوبيين الممثلين للحركة الشعبية كانوا يركزون على الجنوب وقضاياه فقط دون إهتمام بالشمال وقضاياه وخصصت الإتفاقية بمتنها وحواشيها للجنوب وللخروج من الحرج أضيفت للإتفاقية ملاحق ليست من صلبها ولكنها تابعة لها تتعلق بالمنطقتين والمقصود بهما جنوب كردفان ( وعلى وجه التحديد مناطق جبال النوبة) والنيل الأزرق ، وعند العودة للسودان وإنخراط الحركة الشعبية في السلطة وممارستها لها تم الإتفاق أن تخصص للحركة الشعبية خمسة وعشرين وظيفة بوزارة الخارجية يعين فيها سفراء من الدرجة الأولى والدرجة الثانية والدرجة الثالثة وخصصت قيادة الحركة الشعبية كل هذه الوظائف للجنوبيين وحدهم باستثناء شمالي واحد هو دكتور الواثق كمير الذي رشحته ضمن القائمة التي قدمتها ولا أدري هل وافق دكتور الواثق عل ذلك أم أنه إعتذر لإرتباطه بعمل ووظيفة أخرى في الخارج . وخلاصة القول أن الجنوبيين كانوا حريصين على جنوبة الوظائف متى ما أتيح لهم ذلك وربما حسبوا أن (المندكورو) نالوا حظهم في وزارة الخارجية بما فيه الكفاية ولذلك استأثروا بكل الوظائف التي قدمت للحركة الشعبية ، وتم الإتفاق في نيفاشا أن تجرى الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية في عام  2010م ولم تشرح الحركة الشعبية رئيسها الفريق سلفاكير ميارديت لمنصب رئيس الجمهورية ولم يتم التنسيق والتحالف مع الطرف الآخر ليستمر في موقع النائب الأول لرئيس الجمهورية بعد إجراء الإنتخابات ولعل لسان حالهم كان يردد قول شاعرنا محمد سعيد العباسي ( فما بي ظمأ لهذه الكؤوس فدوري بغيري ياساقية ) وهذا يؤكد أن الأخوة الجنوبيين حسموا أمرهم منذ وقت مبكر وفضلوا خيار الإنفصال عند إجراء الاستفتاء .. وبالنسبة للمنطقتين كان يمكن أن تمضي الأمور بسلاسة ويتم تنسيق وتعاون بين الطرفين وإقتسام السلطة من أجل إرساء دعائم الإستقرار والسلام والتنمية والخدمات ولكن البعض أوهموهم بضرورة رفع شعار (ياالنجمة يا الهجمة) وأدى هذا بكل أسف لزعزعة الاستقراروفقدان أرواح كثيرة عزيزة والحد من التنمية والخدمات وفي جولات المفاوضات في أديس أبابا المتعلقة بالمنطقتين كان الجانب الحكومي يركز على ذلك بينما كان الطرف الآخر يبذل قصارى جهده وبكل السبل والوسائل ليصل مع وفد الحكومة لإتفاقية تماثل إتفاقية نيفاشا ليتسنى بموجبها إقتسام المواقع السيادية والتنفيذية والتشريعية على المستويين الإتحادي والولائي  بنسب يتم الإتفاق عليها ولو استمرت المفاوضات بين الطرفين وبلغت مائة جولة فأن الطريق أمامها سيظل مغلقاً تماماً، وتم الزج بقضايا  المنطقتين في مفاوضات جوبا وكان المفترض  أن تحسم منذ أمد بعيد في أديس أبابا.

لقد جرت جولات مفاوضات كثيرة خصصت لمشكلة دارفور ، عقدت في أبوجا وفرانكفورت وفي مدينة الدوحة عاصمة قطر وقد رعاها  سمو الأمير وأغدق عليها أموالاً طائلة واستضاف المشاركين من كل الأطراف في أرقى الفنادق لفترة طويلة وصرف عليهم في كرم حاتمي أصيل ، وعند إعداد البيان الختامي أصرت قيادة حركة العدل والمساواة أن يتم التوقيع معها بزعم أنها صاحبة الوجود الأكبر في ميادين القتال ، وعندما تعنتت ورفضت التوقيع إذا لم تتم الإستجابة لشروطها كونت على عجل حركة أخرى وقعت وبقية التفاصيل معروفة ، وقد أوفت قطر بكل ما تعهدت به ودعمت دارفور دعماً سخياً وساهمت في قيام بنيات أساسية خدمية وتنموية وكذلك فأن مؤتمر المانحين الذي عقد في الكويت تحت رعاية سمو الأمير قدم عملاً جليلاً بإقامة صندوق دعم وتنمية الشرق .

وفي مدينة جوبا إلتقت حركات دارفورية كانت متنافرة وبينها ما صنع الحداد وضم وفد الحكومة عدداً من أبناء دارفور وأصبحوا كلهم على قلب رجل واحد ويؤخذ على القائمين على المفاوضات أنهم زجوا بقضايا ليست من إختصاص المؤتمر وهي قضايا آجلة غير عاجلة وتحتاج لأناة وصبر وهي من صميم إختصاص الجمعية التأسيسية التى ينتخبها الشعب في نهاية الفترة الإنتقالية ويؤخذ عليهم أيضاً أنهم زجوا بمسائل وارقام هي من صميم عمل الفنيين في مصلحة الإحصاء ووزارة التخطيط الإقتصادي ووزارة العمل والإصلاح الإداري ..الخ. وهي أرقام لا يمكن أن توضع بطريقة عشوائية وعاطفية ويؤخذ عليهم أنهم زجوا في المفاوضات ما أطلقوا عليها اسم المسارات ولعلهم أرادوا أن تصبح مجرد ديكور ليقال أن كل أرجاء القطر أشركت في المفاوضات وقد أتت بنتائج عكسية وعلى سبيل المثال فإن فتنه الشرق سببها هذا المسار الذي لم يجلب للشرق نفعاً ولكن جلب له ضرراً وبيلاً وآثار بينهم معركة في غير معترك – أما بالنسبة للشمال فقد صرح الأستاذ محمد سيد أحمد الجاكومي بطريقته الصريحة المعروفة بأنك لن تحصل  على ماتريد إلا إذا حملت السلاح ولو أرادوا ذلك لفعلوا ولكنهم يرفضون إراقة الدماء أما في الوسط فقد دار لغط عن المتحدث باسمه دون تفويض وإذا تجاوزنا هذه المسألة وإعتبرنا مجازاً أنه مفوض فأن ماحصل عليه من نتائج في المفاوضات شئ ضعيف ولا يليق بالوسط وثقله وعليه فأن المشاركة في المفاوضات لم تكن ذات جدوى وأنا لا أعرف رئيس المسار معرفة شخصية ولكن بحكم أنه شخصية عامة فالمعروف أنه ينتمي لليعقوباب وهم شيوخ أجلاء وكان في المعارضة مع الشريف الحسين الهندي وبعد الإنتفاضة ترشح في دائرة جغرافية ولم يحالفه التوفيق وفاز أحد أبناء عمومتــــه ( وليس في النتيجة هازم ومهزوم) وبتوصية من السيد محمد عثمان الميرغني عين وزيراً في حكومة الإقليم الأوسط وبعد مجئ الإنقاذ إنضم للمعارضة وأصبح بعد ذلك مستشاراً في حكومة السيد مالك عقار عندما كان والياً بالنيل الأزرق وخرج ثم عاد وأعلن رئاسته لتيار الوسط ، وحسب البعض أن هذا ستصحبه تعيينات كثيرة ربما تشملهم، وفي نهاية المطاف (المسألة طلعت بندق في بحر لاتعيينات ولا مكاسب للوسط ) وفي كل الأحوال فإن له أجر المحاولة والاجتهاد.

وإن النتائج التى توصلت إليها المفاوضات هي حاصل جهد بشرى قابل للصواب والخطأ وأثبتت الأيام أن جل ما تم التوصل اليه لازال حبراً على ورق ولم تعرض الإتفاقيات على الشعب للإدلاء برأيه فيها قبل إجازتها . والضرورة تقتضي إعادة النظر فيها بالجرح والتعديل وهي ليست كتاباً مقدساً منزلاً من السماء.

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف صديق البادي: إتفاقيات جوبا  في الميزان بعد عام ونصف من التوقيع عليها





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى