المقالات

صديق البادئ يكتب: احتربت يوماً وسالت دماؤها تذكرت القربى فسالت دموعها 


 

يتجاذب الآن ويتصارع طرفان أو بالأحرى عدة أطراف أجندتهم متقاطعة ومتناقضة وأصبح الوضع الأن في السودان مثل بحر متلاطم الأمواج تتحرك فيه مركب بلا شراع تتقاذفها الرياح ولا يدري أحد مصيرها المجهول وهل سترسو على البر بعد عناء ومشقة أم هل ستغرق؟.. وأحد الأطراف يصر على إبعاد المكون العسكري من مجلس السيادة ويرفض مشاركته في السلطة في أي مستوى من مستوياتها ويمتنع عن الجلوس في أي مائدة لإدارة حوار ومفاوضات معهم والإصرار على ضرورة أيلولة السلطة كلها للمدنيين وفي سبيل ذلك يعدون ويسيرون المظاهرات التي يصحبها قفل للشوارع وحرق الاطارات واشعال النيران وحدثت مواجهات دموية شرسة نتجت عنها اصابات بالغة وقتل وفقدان أرواح عزيزة وحدث تعطيل للعمل نتجت عنه خسائر مادية تكبدتها كافة الأطراف. ولا يطالب هؤلاء المتظاهرون بعودة الأحزاب الصغيرة ذات العضوية القليلة التي كانت مهيمنة على مفاصل السلطة ومسيطرة على المشهد السياسي ولا يطالب المتظاهرون باعادة تعيين شاغلي الوظائف الدستورية والوزارية الذين تمت اقالتهم بعد بيان البرهان وقد تجاوز المتظاهرون هؤلاء وأحزابهم وأقصوهم عن واجهة حراكهم وأصبحوا غير مرغوبين عندهم، وقد استنفذوا أغراضهم (وحواء والدة) والساحة مليئة بغيرهم ولن يترك غيابهم فراغاً… وفي الطرف الآخر الموازي فإن المكون العسكري في مجلس السيادة أعلن أنه لن يتنازل ولن يرضخ لأي ضغوط مهما كثرت واشتدت المظاهرات وتطاول أمدها معلنين أن وجودهم المرحلي الانتقالي والجزئي المحدود في السلطة حتى انطواء صفحة الفترة الانتقالية أملته ضرورة حماية الجيش والحفاظ عليه لئلا يتم اختراقه واضعافه وتفتيته وتمزيقه كما تتوق لذلك القوى الأجنبية التي تسعى لاضعاف السودان وتفكيك وحدته وأعلن الموالون للمكون العسكري إعداد وتسيير مظاهرات داعمة له ومساندة للجيش وقوام هذه المسيرات كما اعلن في أجهزة الاعلام فئات تتكون من عدد من الأحزاب وعدد من الطرق الصوفية وعدد من قيادات الادارات الأهلية …الخ، والشد والجذب بين الطرفين قد يؤدي لإنقسام في الصف الوطني واحداث شرخ في النسيج الاجتماعي والمجتمعي، وفي الفترة التي تلت بيان البرهان الذي أذاعه في اليوم الخامس والعشرين من شهر أكتوبر عام 2021م ظلت عدة دول خارجية مستبدة وقوى وكيانات ومنظمات أجنبية تحشر أنوفها في المسائل السيادية السودانية الداخلية وتسعى لفرض وصايتها وتقديم توجيهات تشبه الأوامر واجبة التنفيذ وظلت تصب الزيت على نار الفتنة لتظل مشتعلة بين الأطراف السودانية وتصبح هي مثل نيرون يرقص فرحاً وطرباً والنيران تشتعل في روما وأخذت هذه الدوائر الأجنبية تغير مواقفها وتبدلها حيال ما يجري في السودان وتبدي موقفها ومساندتها لهذا الطرف وتغير موقفها بعد ذلك وتبدي حيال ما يجري وقوفها أو مساندتها للطرف الآخر وتتعامل مع الطرفين بطريقة ركبتي البعير اللتين يتبادلان التقدم والتأخر أثناء السير. وكما يقولون ما حك ظهرك مثل ظفرك والحلول السودانية هي الأفضل والضرورة تقتضي أن يترك الطرفان العناد (وقوة الرأس) والسودان ملك لكل السودانيين ويضم خمسة وأربعين مليون نسمة ولا يمكن أن يرضوا أن يتصدر الساحة عدد محدود من الطرفين يقودون المشهد ويحولونه لساحة عراك أشبه بحلقات الملاكمة ولايمكن أن يظل الملايين مجرد متفرجين ومشاهدين لهذه المعارك وليعلم هؤلاء المتصارعون أن الوطن ليس مزرعة أو ضيعة خاصة يملكها هؤلاء أو أولئك المتصارعون وعليهم ايقاف هذه المأساة والملهاة التي تردت بسببها الأوضاع في كافة المجالات المتصلة بحياة المواطنين وسادت الهمجية والفوضى في الأسواق وارتفعت الأسعار ارتفاعاً جنونياً وأهملت الخدمات وكل ما له ارتباط بالمسائل المعيشية والهموم المرتبطة بالمواطنين وأهملت القطاعات الانتاجية وعلى سبيل المثال فإن الموسم الزراعي الشتوي على حافة الانهيار والفشل لعدم الانشغال بالعمل والانتاج والانصراف لقضايا إنصرافية غير ذات نفع وجدوى. وقد ضاع زمن طويل هباءاً منثوراً وقد مضى على انطواء صفحة العهد السابق وبداية عهد السلطة الانتقالية الحالية عامان وتسعة أشهر أي ثلاثة وثلاثون شهراً ضاعت كلها في الهرج والمرج والهوس الكلامي بلا فعل يذكر مع الصراع المحتدم حول السلطات وتحديد الاختصاصات وتم الاتفاق ان يكون عمر الفترة الانتقالية ثلاثة أعوام وثلاثة أشهر أي تسعة وثلاثين شهراً تنتهي في اليوم الحادي عشر من شهر يوليو عام 2022م لتؤول السلطة السيادية والتنفيذية والتشريعية المنتخبة عبر صناديق الاقتراع للمدنيين وتصبح مدنية كاملة الدسم ولكن كان يبدو جلياً وبوضوح تام أن الأحزاب ذات العضوية القاعدية الضئيلة تمددت في السلطة وبذلت جهداً كبيراً للحصول على أكبر عدد من الوظائف في الدولة وتمكين منسوبيها فيها مع سعيها للثراء بشتى السبل ليكون لها مكون مالي ضخم مدخر لتباشر به نشاطها الحزبي. ويدرك العسكريون والمدنيون الذين اشتركوا في السلطة منذ بداية الفترة الانتقالية بأنهم بعد اجراء الانتخابات العامة تكون مهامهم الرسمية قد انتهت وعليهم ان ينصرفوا مشكورين لتحل محلهم أجهزة ومؤسسات دستورية منتخبة، ومن حق أي مدني كان مشتركاً في السلطة ان يخوض الانتخابات البرلمانية القادمة مستقلاً أو مرشحاً باسم حزب ينتتمي إليه والعسكريين المشاركين في السلطة الآن من حقهم ان يمارسوا العمل السياسي بعد خلعهم للبذة العسكرية ويصبحوا مدنيين ولهم حق مشروع في خوض الانتخابات النيابة البرلمانية أو السلطة التنفيذية أو الرئاسة والمعلوم أن الفترة الانتقالية عندما تنتهي وتتم الانتخابات البرلمانية فإن من حق البرلمان المنتخب القادم أن يختار نظام الحكم وهل يكون برلمانياً أو رئاسياً أو مختلطاً (برلماسياً) وقد فعلها من قبل الجنرال أوباسانجو في نيجيريا وقد كان رئيساً عسكرياً لنيجيريا لفترة انتقالية وبعد وفاءه بالعهد وإجراء الانتخابات الرئاسية فاز شيخو شقاري بمنصب رئيس الجمهورية وفيما بعد خاض الجنرال السابق أوباسانجو الانتخابات بصفته المدنية وفاز بمنصب رئيس الجمهورية. وأن الأحزاب كلها ودون استثناء غير مهيأة وغير مستعدة لخوض الانتخابات القادمة وعليها ألا تضيع وقتها في التصريحات والمبادرات ومن الأفضل عليها تنظيم نفسها والمسألة ليست سهلة وهي تحتاج لتمويل ضخم واختيار المرشحين داخل كل دائرة ستكون فيه تعقيدات كثيرة وربما تأخذ المسألة طابعاً قبلياً وعشائرياً والمرحلة الأهم هي مرحلة ما بعد اجراء الانتخابات واعلان نتائجها وتحتاج لكوادر تنفيذية قوية فاعلة والممارسة السياسية والأداء الحزبي ليس نزهة سهلة والبعض يظن أن مجرد الظهور في الفضائيات وترديد وتنميق بعض الكلمات بطريقة مصطنعة تعني أن كل شئ سيكون وفق هواهم ومبتغاهم (والفي البر عوام) وحتى إذا وصلت هذه الأحزاب للسلطة بوضعها الضعيف الحالي فالمتوقع بل شبه المؤكد أن يطاح بها بانقلاب عسكري بعد وقت قصير من اعتلائها للسلطة، وبعض المنتمين للحزب الحاكم السابق وأكرر بعض المنتمين لا كلهم يطلقون تصريحات وهي مسألة في غاية السهولة واليسر ويرددون أن حزبهم السابق سيظفر بأغلبية في الانتخابات القادمة وهذا قول لا أساس له من الصحة إذ لا يوجد الأن حزب فاعل في الساحة بهذا المسمى وبعض عقلائهم يشيرون لأن عدداً منهم قد يخوضوا الانتخابات في لافتة ومسمى جديد أو عدة لافتات ومسميات جديدة ولو حدث هذا فإن وجودهم في البرلمان سيكون جزئياً محدوداً بالنسبة للعدد الكلي لأعضاء البرلمان. وعندما كان الحرب في السلطة كان يكتسح الانتخابات لسيطرته على مفاصل الدولة وأجهزتها الاعلامية والأمنية مع وجود ميزانية التمكين الضخمة واشراف الولاة والمعتمدين اشرافاً مباشراً على الانتخابات ولكن بعد ان فقدوا السلطة وانكسر مرقها وتشتت الرصاص فإن وجودهم على الأكثر سيكون جزئياً ومن حق أي فرد منهم لم يدان قضائياً أو تحوم حوله شبهات فساد أو إجرام أن يمارس حقوقه الدستورية دون استئذان من أحد، أما الحركات المسلحة التي وقع قادتها في جوبا ونالوا بموجب تلك الاتفاقية مناصب دستورية ووزارية رفيعة وهذا هو الشئ الوحيد الظاهر الذي حققته قيادات حركاتهم وبالنسبة لهم من الأفضل أن تستمر الفترة الانتقالية لسنوات طويلة ممتدة حتى يتمكنوا من اقامة احزاب وتنظيمات تضمن لهم الاستمرار في السلطة وعلى ذكر الحركات المسلحة فإن الجريمة البشعة والسرقة التي حدثت في مدينة الفاشر فيها ادانة لهذه الحركات واساءة بالغة لسمعة السودان.
لقد مضى من الفترة الانتقالية حتى الآن عامان وتسعة أشهر أي ثلاثة وثلاثون شهراً وفشلت فيها في تكوين المجلس التشريعي الانتقالي وجمدت المحكمة الدستورية وأدى هذا لاختلال ميزان العدالة وحاق الظلم بالكثيرين من جراء ذلك، ومن الأخطاء الفادحة هو ملء بعض الأحزاب التي كانت مسيطرة على السلطة والمشهد لوظائف كثيرة لا تحصى بمنسوبيها في عملية الاحلال والابدال وعلى وزير العمل والاصلاح الاداري المرتقب تعيينه في التشكيلة القادمة أن يعيد الحقوق لأهلها المؤهلين القادرين على العطاء وفق لوائح الخدمة المدنية وعليه إزالة الأخطاء التي حدثت في العهد السابق وفي المرحلة الفائتة من الفترة الانتقالية، ودار حديث كثير حول لجنة ازالة التمكين السابقة وكل متهم برئ حتى تثبت ادانته والعدالة تقتضي أن يكون مجلس السيادة لجنة عليا من كبار القانونين الاقتصاديين والمحاسبين والمراجعين والاداريين وغيرهم لمراجعة كل ملفات لجنة إزالة التمكين والاجابة على السؤال المطروح في الشارع السوداني.. أين ذهبت الأموال والأصول التي صودرت؟ واعلان ذلك في مؤتمر صحفي كما كانت تفعل لجنة ازالة التمكين، وقبل فترة ليست قصيرة ذكر لي صديق وقانوني ضليع ان ما يلم به ويهمه ويعرفه هو الجانب القانوني والطريقة التي كانت متبعة في رأي مولانا القانوني الورع ستدخل الوطن في متاهات قانونية ومالية لا داعي لها.. ولنا أن نتساءل هل صدقت نبوءة مولانا وغيره من الأفاضل الأماجد؟
والوطن الآن في محنة والخروج منها يكون بالتوافق الوطني على تحديد الاختصاصات والسلطات دون أن يكون بين السلتطتين السيادية والتنفيذية تداخل. وأن يستمر مجلس السيادة حتى انتهاء الفترة الانتقالية ويكون رمزاً للسيادة الوطنية والحفاظ على هيبة الدولة وان يختص المكون العسكري في الفترة الانتقالية بالدفاع والأمن الوطني والحفاظ على قوة الجيش وهيبته مع رفض اي تقليل من شأنه وأن تكون المهام التنفيذية وادارة دولاب الدولة من شأن الجهاز التنفيذي ويقوده رئيس الوزراء الذي نأمل أن يكون حازماً وقوياً في مستوى دكتور مهاتير محمد وغيره من الأقوياء ومعه وزراء بذات القدرات العالية مع تكوين المجلس التشريعي الانتقالي على جناح السرعة وإعادة تكوين المحكمة الدستورية وتكوين المفوضيات وعلى رأسها مفوضية الانتخابات ويقوم بكل المهام المشار إليها مدنيون مع تحديد عمر الفترة الباقية من الفترة الانتقالية وألا تزيد يوماً واحداً إلا بتوافق جديد يتم الاتفاق عليه وإذا تم اخلال بهذا التعهد فمن حق الجميع أن يخرجوا متظاهرين ومحتجين على الاخلال بالعهد والوعد.
والشباب هم زخر الأمة وأملها المرتجى الحقيقي وعليهم ان يحملوا الراية ويتحول اسم تنظيمهم ليصبح لجنة النهضة والخدمات والتنمية وعليهم ان يتغلغلوا وسط القواعد ويعملوا وسطها وأن يعملوا في المحليات والولايات وعلى المستوى المركزي وأن يكون لهم بكل تخصصاتهم وقدراتهم ومؤهلاتهم وجود في العمل التنفيذي ونأمل في المجلس التشريعي المنتخب أن يكون لهم نصف عدد أعضائه، والوطن يدخر الشباب للبناء والتعمير والنهضة الوطنية الشاملة ولا يدخرهم لشئ سوى ذلك ويريدهم أن يقودوا لا أن يقادوا.. ونأمل أن تتوقف المواجهات التي ظل يروح ضحيتها أبرياء ونأمل أن تحقن الدماء وليتذكر الجميع قول الشاعر:
إذا احتربت يوماً وسالت دماؤها تذكرت القربى فسالت دموعها

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف صديق البادئ يكتب: احتربت يوماً وسالت دماؤها تذكرت القربى فسالت دموعها 





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى