المقالات

سليمان الماحي: قصة قصيرة.. يا للمصيبة الطويلة بقلم  


المعلمة فاطمة هي من جيل قدامى المعلمات اللاتي يفضل الكثيرون وصفهن بالجيل الذهبي .. في ملفها الشخصي  تجاوز عمرها الستين عاما .. التحقت بسلك التعليم مبكرا . . تتمتع شخصيتها بمزايا عديدة تنفرد بها عن الجيل الحالي .. على خديها ترتسم  شلوخ أكسبتها جمالا ووقارا .. لمن يقابلها للوهلة الأولى يحسب أنها ما تزال في ريعان الشباب .. مثقفة فكريا .. حريصة على أداء رسالتها في الحياة  الخاصة والعامة .. تسيطر عليها قناعات تربوية سمتها الصرامة والانضباط .. تتمتع بحركة نشطة .. تتابع باهتمام كل ما يجري في مجتمعها سياسيا وأمنيا واجتماعيا.. وأحينا رياضيا .. هي ليست من صنف الناس الذين يأخذون  الأمور على علاتها .. انما تبدي آراء صريحة وأحيانا مقنعة .. الرأي الآخر عندها له مساحة من القبول بصدر رحب مهما كانت العناوين التي يتم طرحها نقاشا أو ونسة ..

المعلمة  فاطمة لمن يراها ترتدي الثوب الناصع البياض يدرك أنها ذاهبة  في طريقها لأداء مهمة رسمية .. في يدها تصطحب حقيبة سوداء تضع بداخلها مصحفا صغيرا ومذكرة  لزوم تسجيل بعض الملاحظات وأرقام الهواتف علاوة على أشياء أخرى حريمية وربما غير حريمية .. لديها موبايل تتواصل به مع الآخرين  بيد أنه محدود المزايا الخدمية .. برأيها أن مشاغل الحياة لا تترك مجالا للفعاليات الترفيهية .. في الأماكن العامة تخنق جرس الموبايل خشية الإزعاج  ولفت الانتباه .. أكثر ما يزعجها رؤية الشباب في الحافلات العامة وهم يجلسون على المقاعد بينما كبار السن رجالا ونساء لا خيار أمامهم غير الوقوف على أرجلهم وأحيانا يتمايلون مع حركة الحافلة ومن لا يقوى منهم على الوقوف يسقط .. وإذ ذاك هي تسأل نفسها في حيرة :

لماذا لا نوقر كبيرنا ؟ ..

 المعلمة فاطمة  ما انفكت حائرة تجادل  الشباب في مواقف الحافلات وأيضا من تلتقي بهم  داخل الحافلات إذ تحضهم على الوقوف وترك مقاعدهم  ليجلس عليها كبار السن والمرضى والمعاقين .. هي تفعل ذلك انطلاقا من قناعات إنسانية وسلوك تربوي تحرص عليه وترغب في أن يكون حاضرا  دوما وتطمح بأن يكون غيرها شيبا وشبابا يشاركونها الهموم ذاتها .. ترى أن تلك القناعات كانت راسخة في المجتمع لكنها صارت تختفي في وقتنا الحاضر .. الشباب الذين  تستفزهم تلك القناعات يوجهون لها كلاما لاذعا عندما يقولون :

صراحة أفكارك يا معلمة فاطمة  تجعلنا نظن أنك من كوكب اخر .

وفي المقابل هي ترد عليهم بكل هدوء :

في الحقيقة أفعالكم السيئة هي التي توحي بأنكم  لا تشبهون السودان .

عندما تأوي المعلمة فاطمة الى فراش نومها تكون  منهكة جسديا وشاردة فكريا وأحيانا تذرف الدموع  في الخفاء حسرة على ما حدث من انهيار للقيم المجتمعية وتحطيم  لقناعاتها الشخصية وتبدو كحال من يغرد خارج السرب .. غير ان الأسوأ  يتمثل في الشباب الذين جاهروا بالإلحاد وآخرون أدمنواالمخدرات وهي ترى أن المجتمع لم يعد أمنا من خوف  في وجود جماعة تسعة طويلة ثم قالت :

من المؤكد هي القشة التي قصمت أمن واستقرار المجتمع .

  الآن هي  ترتجف خوفا من أن تكون صيدا سهلا لمجرمي تسعة طويلة لذا اتخذت لنفسها قرار يقضي  بعدم الخروج من بيتها بعد الآن إلا في الظروف الطارئة جدا وبعد تفكير لم يستمر طويلا اتخذت ذلك  القرار المهم .. انتظرت شروق الشمس بفارغ الصبر .. بعد تناولها لكوب من الشاي الأحمر متبوعا باحتساء فنجان قهوة  ارتدت ثوبها الناصع البياض وغادرت قاصدة مكتب التعليم حيث قابلت المسؤولين وطلبت منهم الموافقة على تقاعدها من الوظيفة موضحة  أنها تسكن منطقة في ضواحي العاصمة تتخذها عصابة تسعة طويلة وكرا لارتكاب جرائمها .. من جانبهم سعى المسؤولون لإقناعها بالاستمرار وحين فشلوا  في ذلك لم يكن أمامهم من خيار غير الامتثال لرغبتها .. لدى مغادرتها مكتب التعليم توجهت إلى حيث تقف الركشات وتفرست في وجوه السائقين واختارت أحدهم  بعدما اطمأنت له ثم طلبت منه توصيلها الى منزلها بالقيمة التي حددها هو نفسه .. أثناء الرحلة كان يسيطر عليها خليط من المشاعر .. تارة هي تفرح لكونها ستكون  بمنأى عن عصابة تسعة طويلة .. لكن سرعان ما يعتريها الحزن لمغادرتها مهنة أحبتها وقضت فيها جل سنوات عمرها .. سائق الركشة بين الفينة والأخرى يلتفت إليها ويشكرها على اختيارها له  حدثها عن تسعة طويلة و أخطارها السيئة .. طلب منها أخذ الحيطة والحذر كي لا تكون هي من ضحاياهم .. انتهى المشوار لكن سائق الركشة اثر الوقوف بعيدا عن الباب بحجة وجود مجموعة من النسوة  في انتظارها .. أثناء ذلك انهمكت هي في فتح محفظتها لتدفع أجرة المشوار لسائق الركشة .. بينما السائق يتلفت يمنة ويسرة اذ ظن الواقفون أنه يبحث عن راكب لمشوارع جديد .. في لحظة خاطفة  مد يده اليسرى وسحب حقيبة المعلمة فاطمة ثم أدار الركشة بأسرع ما يمكن واختفى عن الأنظار وسط ذهول المعلمة فاطمة التي التفتت إلى النسوة وقالت لهن يا للمصيبة الطويلة .

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف سليمان الماحي: قصة قصيرة.. يا للمصيبة الطويلة بقلم  





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى