أخبار السودان

سريالية الأحزاب – اليوم التالي


مزمل موزارت

[email protected]

_ كنت اتجول في الماضي عن طريق زيارة محطات بارزة من فترة الرئيس السودانى الأبرز محمد جعفر نميرى، ما دفعني لتلك الرحلة الزمنية هو ما سمعناه من احاديث عن كم المشاكل والتعقيدات التي واجهت أحد أشهر من مر علي كرسى الرجل الأول في السودان متميزاً عن غيره بالكاريزما القوية والجبارة وعدم التردد في إتخاذ القرارات رغم إثارتها للجدل داخلياً وخارجياً، ما يحدث الآن في السودان أجبرنى للرجوع مؤقتاً لمعايشة احداث سابقة لأجد نفس مسبب كل اللنتكاسات سابقاً يتواجد حالياً بكل جلاء مسبباً انتكاسات بصورة اكبر وبكل صراحة انا هنا أقصد (السودانية).

_ عندما استلم النميرى السلطة كان يعلم تمام العلم ان اجماع الأحزاب وتحالفها معه سيكون الخيار الأنسب لمواصلة فترة حكمه دون عثرات ومشاكل لكن تأكد من ذلك ان توافق مع احزاب السودان من باب سابع المستحيلات فهي احزاب متنافرة فيما بينها تهدف للسلطة بكل الطرق والسبل بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة !!

_ استطاع النميرى تجاوز كل العقبات الانقلابية بداية بانقلاب رفاق الدرب بقيادة هاشم العطا والجميع يعرف دور الحزب اليساري الشيوعي في هذا الانقلاب ، بالإضافة لانقلاب حسن حسين الذي أفشل في مهده وأغلب الظن أن من خلفه دعم بعض الأحزاب السياسية ..

_ بعد فشل انقلاب الضابط حسن حسين بأقل من عام تعرضت الخرطوم لهجوم انقلابي شرس عرف فيما بعد (حرب المرتزقة) بدعم مباشر من دولة إقليمية تحت اشراف وتخطيط الأحزاب الأتية : (الشيوعي يتصدر المشهد كالعادة، حزب الأمة، الحزب الاتحادي الديمقراطي بالإضافة للاخوان المسلمين) .. لكن الجيش السوداني بقيادة النميرى استطاع إفشال المخطط وإبادة جميع القوة المهاجمة ومرتزقتها وقتل أغلب القيادات أبرزهم محمد نور سعد .. وكانت تلك أخطر محاولة انقلابية لأنها كانت معدة بصورة متميزة من الخارج والداخل واتفاق كل الأحزاب الكبيرة باجماع كامل ودعم لوجسيتي ومادي وعسكري من الدولة الراعية .. ومع ذلك كله تخطى النميري برفقة جيشه هذه المؤامرة الداخلية والخارجية بكل صمود.

_ بعد هذه الأحداث أطلت أحداث أخرى علي حكومة نميرى عن طريق انصار حزب الأمة في الجزيرة أبا وقضية الإمام الهادى زعيم الأنصار حينها ، وتمكن ( اب عاج ) من إخماد ثورة الأنصار بالقوة مما تسبب لاحقاً بخصومة دائمة بين الأنصار والنميرى ،، ولا ننسى كذلك مناوشات الحزب الجمهورى في أواخر عهد الرئيس النميرى وكما جرت العادة يستطيع الرئيس قوي الشخصية التخلص من أي بوادر فوضى أو ضوضاء بواسطة الجمهوريين، نختلف أو نتفق من الطرق التي كان يستخدمها نميرى في القضاء علي خصومه لكنها بكل صراحة ناجعة وتعيد الهدوء للساحة بعد فترة بسيطة دون ان يتضرر الشعب منها بصورة مباشرة ومستمرة ..

_ هذه (الفذلكة) التاريخية الغرض الأساسى منها هي جرعة وعى للمواطن السودانى ليعى بأن ما يحدث حالياً ليس بغريب عن السودان لأن سبب المشكلة الرئيسى (الأحزاب) متواجد بمختلف الأزمان ،، كل الانقلابات أو الأحداث الدموية في تاريخ السوداني عندما تطالعها تجد اسماء ثابتة وشامخة لا تتزحزح ابداً في احداث القلاقل والفتن وهي احزابنا التقليدية المعروفة بيسارها ويمينها وأحزاب الأسر العريقة ..

_ في الوقت الحالي تسعى هذه الأحزاب باستخدام حصان طروادة الجديد ( الدعم السريع) من اجل الاستيلاء على السلطة وبعد إحساسهم بفشل المهمة كالمعتاد، بدأوا بمخاطبة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتحريضهم علي الجيش السودانى وعدم الإعتراف به ، وبعد صدمة مغادرة بعثة الأمم المتحدة (يونيتامس) بطلب مباشر من حكومة السودان ، فمن القوانين المعروفة ان البعثة لا تعمل في دولة حكومتها رافضة لتواجدها داخل اراضيها .. وبعد تصويت الأغلبية في مجلس الأمن ” 14 ” دولة وتحفظ روسيا فقط عن التصويت ، فأصبح امام البعثة الأممية فترة ثلاثة أشهر لإنهاء عملها داخل السودان ..

_ لم تفق الأحزاب من هول الصدمة فالدعم السريع علي أرض المعركة لم يتمكن من انتزاع السلطة عسكرياً .. وسياسياً فزيارات البرهان الخارجية كانت قاصمة ظهر للأحزاب العميلة !!

بدأ أعلام الأحزاب بالترويج لإشاعة بأن خروج بعثة الأمم المتحدة من السودان يفتح الباب أمام البند السابع بدخول قوات اجنبية للسودان لحفظ السلام والفصل بين القوات المتقاتلة .. لكن لأنه إعلام عميل ومأجور ولا يستسلم بسهولة تناسى في خضم هذا الحديث ان تفعيل البند السابع ودخول قوات عسكرية اممية لا يتم الا بوافقة النظام الشرعى للدولة المعترف به دولياً وضرب من ضروب الخيال ان يستعين قائد الجيش البرهان بقوات اممية وهي الحالة الوحيدة التي يمكن أن تدخل قوات أجنبية إلى السودان ..

_ الخلاصة :

_ أحزابنا السودانية منذ الاستقلال دائماً ما تكون رؤيتها للأمور بصورة بعيدة جداً عن الواقع، وإصرارها بكل عناد على ربط هذا الواقع بتصوراتها السريالية غير الواقعية، فالسريالية هي فلسفة ثقافية ظهرت مع بداية القرن العشرين وحققت هذه الفلسفة الثقافية الفنية رواجاً لأنها اتت بأفكار غير تقليدية كاسرة للروتين المكرر في تلك الحقبة من الزمن ،، فحسب وجهة نظرى المتواضعة فأساس فلسفة السرياليين ترتكز على نقطتين اساسيتين وهي ربط المنطق بعدم المنطق بأي طريقة وإجبار المتلقى بقبول كل ما يراه وإعتباره حقيقة مطلقة ، ومع بداية عقد (الثمانينيات) خفت ضوء الحركة الثقافية السريالية ..

ويبدو أن أحزابنا السياسية لا تزال معجبة بالثقافة السريالية وتريد فرضها علينا بنكهة سياسية، بفرض أفكار غير منطقية وتغليفها بصور منطقية ، على سبيل المثال استبدال الجيش بميليشيا ، وتقسيم الدولة السودانية ومواردها بين عدة أحزاب تحت مسمى المدنية وتوزيع عدة عملاء وزرعهم في وظائف حساسة في الدولة وارتهان الدولة بالكامل للخارج .. فسريالياً هذا كله عدم منطق ولكي يربط بالمنطق يجب إدخال المصطلحات الفضفاضة كالتحول المدنى الديمقراطى والحرية وما إلى ذلك لتحقيق الركن الثاني من تفكيرهم السريالى غير الواقعي.

_ مسك الختام :

_ عندما أعلن النميري الرياضة الجماهيرية وحل جميع الأندية وان تمارس الرياضة داخل المناطق السكنية فقط ، في فترة منتصف السبعينيات من القرن الماضي، دار لغط كثير فيما بعد وتمحور حول نقطتان الأولى لماذا أصدر الرئيس هذا القرار بالاضافة ألى ماهو أثر ذلك على الرياضة السودانية !!؟

_ لا أريد الإجابة أو الحديث عن المحاور لكن شهدت الساحة الرياضية حينها بعد هذا القرار استقرارا كاملا وساد الهدوء وتفرغ الجميع لما هو مفيد بعيداً عن المشاكل ..

على الرغم من إصرار كثير من النقاد الرياضيين وقتها أن سبب أصدار هذا القرار هو هدف علي قاقارين نجم الهلال في شباك المريخ وهتاف جمهور الهلال بهتاف أصاب النميرى بالضيق وأعلن بعدها قيام الرياضة الجماهيرية .. ونحن في حوجة عاجلة لإعلان حل سريع لأحزابنا السريالية فهل يمكن أن نحلم برؤية قرار ظل الشعب ينتظره عشرات السنين.



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى