المقالات

زين العابدين صالح عبد الرحمن يكتب: المجتمع الدولي و مآلات نجاح الحوار


 

كان رئيس بعثة الأمم المتحدة في السودان فوكلر بريتس دعا إلى حوار شامل يضم العسكريين والمدنيين وأصحاب المصلحة ، للخروج من الأزمة التي يعيشها السودان، و قد تباينت إتجاهات القوي السياسية السودانية ، حول دعوة فوكلر ، للحوار والإنتقال الديمقراطي ، مابين مؤيد وداعم وأطراف أخرى رافضة. و لكن الدعوة كانت قد وجدت قبولاً واسعاً من المجتمع الدولي و خاصةً مجلس الأمن. و كان فوكلر قد عقد مؤتمراً صحفياً قال فيه أنهم كبعثة لا يملكون مقترحات بعينها أو أجندة، مهمتهم كبعثة بإعتبارهم”ِAs facilitators ” أي مسهلين للعملية. و كل قوى سياسية كان لها موقفاً خاصاً من الدعوة. إلا أنها لم تقدم بديلاً غير أنها ترفض الجلوس مع العسكر أو تقبل الجلوس. و أغلبية الذين قابلوا البعثة لم يقدموا مشروعات سياسية للحل، لكنهم قدموا تحفظات آخرين إملاءات شروط، و كلها لا تصب في المجرى العام للحوار. رغم أن أزمات البلاد و من خلال تنوعاته و حالة التشظي في المجتمع لن يفيد غير الحوار للخروج من عنق الزجاجة.
الفرضية الغائبة عن النخبة السياسية، أن المجتمع الغربي إذا ” المتمثل في أمريكا – كندا – استراليا – الإتحاد الأوروبي و الإتحاد الإفريقي” لن يتعامل مع المشكل بالتصور الذي تفرضه القوى السياسية، بل سوف يتعامل مع ثقافته الديمقراطية، و مع المرجعيات التي يجب الرجوع إليها، و هي قضية يجب أن تراعيها النخبة السياسية في تعاملها مع الغرب و هي تتمثل في الآتي:-
1- أن البعثة الأممية لم تفرض نفسها على المجتمع السوداني، و لا تدخلت عنوةً، بل وفق طلب من الحكومة السودانية بطلب ممهور بتوقيع رئيس الوزراء ووافق عليه الجميع، الحكومة و السيادي والحاضنة السياسية. ومهمة البعثة مساعدة السودان لنجاح الفترة الإنتقالية و قيام نظام ديمقراطي. لذلك فوكلر ينطلق من قاعدة المهمة الموكولة إليه و ليس متطفلاً.
2- أن البعثة مكونة من عناصر من دول ديمقراطية. هؤلاء سوف يتعاملون وفقاً للشروط الديمقراطية، لذلك سوف يجعلون الوثيقة الدستورية مرجعية لهم حتى إذا إعتقدت القوى السياسية أن الإنقلاب قد تجاوزها، لأنهم قد أدانوا الإنقلاب من خلال هذه الوجهة، و طالبوا العسكر بتسليم السلطة للمدنيين.
3- سوف يلتزمون بقضية الشراكة المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية، و لا يستطيعون أن يفرضوا إملاءات على العناصر الموقعة على الوثيقة الدستورية.
4- أنهم لن يطلبوا من العسكر تغيير ممثليهم في مجلس السيادة، لكن يتدخلون أن تأتي القوى المدنية بممثليها في المجلس وفقاً للوثيقة الدستورية. أما الذين يعتقدون أن البعثة أو أي وفد من الدول الديمقراطي سوف يمارس ضغطاً على العسكر لكي الإبتعاد عن الفترة الإنتقالية يكون واهماً. و هم يعتقدون أن مبدأ الشراكة يجب أن يحترم من قبل الموقعين عليه. و هي التي تمثل عقدة المنشار في قضية الحوار.
5- سوف لن يمارسوا أي إقصاء على أي قوى سياسية غير منصوص عليها في الوثيقة الدستورية، و ذلك يرجع لإعتقادهم أن الديمقراطية تؤسس على التوافق الوطني، حتى يمنعون أية خلافات في المستقبل، بأن هناك قوى سياسية لم تشارك في القضايا التي تم الإتفاق عليها.
6- المجتمع الغربي يعتقد أن إبعاد العسكر يتم بإنتهاء الفترة الإنتقالية، أو بقبول الجميع الدخول في إنتخابات مبكرة لكي يغيب العسكر عن المسرح السياسي. و هذه قالها فوكلر حتى لو تأتي الإنتخابات بالحركة الإسلامية. لآن الإعتقاد عنده أن يرسخ النظام الديمقراطي أولاً، و ثانياً يتحول الصراع لإجراءات عبر مؤسسات ديمقراطية تتغير فيها التركيبة حسب رغبات الشارع.
7- هناك أيضاً إعتقاد من قبل البعض أن العاملين في البعثة لا يفهمون المجتمع السوداني و تركيبته، هذا إعتقاد خاطيء أن البعثة ملمة بكل ما يجري في السودان، و معرفة القوى الفاعلة فيه و القوى التي لا تملك قاعدة إجتماعية، حتى الحراك الجماهيري.
و لذلك كان فوكلر واضحا جدا أنهم لن يقدموا أي أجندة للحوار أو كيف يكون شكله، فالمقترحات تأتي من القوى السياسية و منظمات المجتمع المدني و لجان المقاومة و القيادات الشعبية و غيرها، و كل القضايا موضع الخلاف تكون مطروحة على طاولة الحوار. و هي النقلة السياسية التي لا يرغبها البعض خاصةً الذين يعتقدون هم وحدهم يمثلون القاعدة الثورية.
هناك بعض القوى تعتبر ما يقوم به فوكلر تدخلاً في الشأن الداخلي، رغم أن هؤلاء كانوا حضوراً عندما كتب حمدوك رسالته للأمم المتحدة بطلب العون الفني. و إذا كان هدف القوى السياسية هو بالفعل التحول الديمقراطي، و إنجاز مهام الفترة الإنتقالية، يجب الإستفادة القصوى من المجتمع الدولي الذي يدعم قضية التحول الديمقراطي في البلاد، حتى تتكون الحكومة المدنية من الكفاءات المستقلة، و تتفرغ الأحزاب إلي بناء نفسها، و الإلتقاء مع عضويتها و جمهورها. و يجب إختيار عناصر ذات خبرات و فاعلية و قدرات إدارية تستطيع و ملء مواقعها حتى تصبح مهمة العسكر تشريفية.
هناك أيضاً قضية وحدة و دمج الحركات و المليشيات في القوات المسلحة، و الأجهزة الأمنية و دورها في النظام الديمقراطي، يجب أن لا تكون مجالاً للمزايدة السياسية، كل يحاول أن يصنع له منبراً و يتناول قضية القوات المسلحة و الأمن و الشرطة. هذه قضية يجب مناقشتها من قبل المهتمين بكل هدوء لأنها قضية حساسة. و تحتاج للحوار الهاديء، أيضاً مرتبطة بقضايا أمن الدولة، و إختيار العناصر الذين يتحاورون فيها مع المؤسسات العسكرية و الأمنية من القيادات المأمونة و التي لا تخرج التصريحات في الهواء الطلق للإثارة. فالتحدي و العنترية لا تتوافق مع هذه القضايا تحتاج للحكمة.
إذا استطاعت القوى السياسية أن تبعد تركيز نظرها على السلطة، و كيفية الوصول لها في الفترة الإنتقالية، ثم مد طول الفترة الإنتقالية، لن تتقدم شبراً واحداً في حل الأزمة، و لكن إذا غيرت إستراتيجيتها أن تجعل النظر يتركز على فكرة التحول الديمقراطي، حتماً سوف تجد الحل ساهلاً جداً، فالسلطة طريق صراع غير مأمونة عواقبه. نسأل الله التوفيق و السداد.

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف زين العابدين صالح عبد الرحمن يكتب: المجتمع الدولي و مآلات نجاح الحوار





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى