الإقتصاد

زيادة رواتب أساتذة الجامعات.. كيف يصير واقع ومستقبل الاقتصاد..؟


الخرطوم: علي وقيع الله

أنصف اقتصاديون زيادة رواتب أساتذة الجامعات السودانية بأنه حق تأخرت الحكومة كثيراً في تطبيقه، ويما أن طبيعة عمل الأستاذ الجامعي تختلف عن كثير من الأعمال وبالتالي فهو يبذل جهداً كبيراً فضلاً عن أنه يخرج كافة التخصصات ومع ذلك هو مسؤول عن جودة التعليم العالي ومخرجاته بصورة أساسية، وسبق أن اتخذت الدولة قرارات صعبة على المواطن زادت الأسعار بصورة كبيرة متمثلة في (المحروقات، الكهرباء، الغاز، الدواء، الخبز، المياه) فضلاً عن زيادة الأسعار الأخرى التي في أيدي التجار يزيدونها متى ما يريدون، ويبدو أن معدلات التضخم المرتفعة من أهم المبررات التي تقف خلف المطالبة برفع رواتب، أساتذة الجامعات حيث أن القيمة الحقيقية للدخول النقدية في حالة انخفاض وكذلك تراجعت القدرة الشرائية للعاملين وتراجعت مستويات معيشتهم، فيما ينظر بعض الاقتصاديين إلى قرار زيادة رواتب أساتذة الجامعات بأنه أتى في الوقت المناسب في ظل ما تشهده الدولة من ارتفاع وتضخم في الأسعار..

 

بعض التساؤلات طرحتها (اليوم التالي) حول رفع أجور أساتذة الجامعات وهل يشكل ذلك أثراً سلبياً على التضخم..؟ وما المصادر الحقيقة لتوفير المال أم ستقوم الدولة بطباعة مزيد من العملة لذلك..؟ وبحسب إفادات البعض فإن زيادة الرواتب والأجور لها أهمية قصوى في هذا التوقيت، وأن رفع الرواتب في أوقات الركود الاقتصادي سيقود إلى رفع معدلات التضخم بدون رفع رفاهية الأسر المستهدفة، ويرى آخرون أن الزيادة تعتبر بارقة آمل مضيئة تهدي إلى طريق العمل والإنتاجية.

 

إيرادات حقيقية

أما المحلل الاقتصادي الدكتور محمد الناير، فيقول في تصريح لـ(اليوم التالي) إنه بالنسبة لزيادة مرتبات أساتذة الجامعات هو حق تأخر كثيراً في تطبيقه باعتبار أن متوسط مرتبات أساتذة الجامعات في المنطقة المحيطة وفي دول كثيرة محيطة بالسودان نجد أن متوسط راتب الأستاذ الجامعي يتراوح ما بين 1500 إلى 2000 دولار، ويضيف: إذاً طبيعة عمل الأستاذ الجامعي تختلف عن كثير جداً من الأعمال وبالتالي الأستاذ الجامعي يبذل جهداً كبيراً جداً باعتبار أنه يخرج كافة التخصصات وبالتالي فهو مسؤول عن جودة التعليم العالي بصورة أساسية ومخرجات التعليم العالي بصورة كبيرة، وشدد على ضرورة أن يكون لديه عائد مجزٍ، وتابع قائلاً: إن وزارة المالية رفعت الدعم الذي تدعم به التعليم العالي من 36 مليار جنيه إلى 80 مليار جنيه أي بزيادة 44 مليار جنيه وهذا المبلغ قياساً بحجم الموازنة العامة للدولة الذي قدر بـ3.6 تريليون جنيه هذا المبلغ لم يكن له الأثر الكبير على حدوث آثار تضخمية، بل هذا لم يكن لديه أثر كبير على التضخم خاصة إذا تم التمويل من موارد حقيقية وهذا الأمر يرتبط ليس على قضية زيادة رواتب أساتذة الجامعات، بل ينطبق على زيادة كل الرواتب في الدولة، وأكد أنه إذا تم تمويل هذه الزيادات من إيرادات حقيقية للدولة وليس استدانة أو طباعة نقود بالتأكيد لن تكون هناك أي آثار تضخمية طالما أن التمويل جاء من إيرادات حقيقة فعلية.

 

قرارات صعبة

وأعرب د. الناير عن أمله أن تصل الدولة بالمرتبات في القطاع العام بصورة عامة لما يحقق المستوى الأدنى لمعيشة كل العاملين، مشيراً إلى أن الدولة اتخذت قرارات صعبة جداً على المواطن زادت الأسعار بصورة كبيرة المحروقات الكهرباء الغاز الدواء الخبز المياه فضلاً عن زيادة الأسعار الأخرى التي في أيدي التجار يزيدونها متى ما يريدون، داعياً الدولة إلى البحث عن موارد حقيقة وأن توظف إمكانيات وقدرات البلاد، وطالب بضرورة تعديل رواتب الخدمة المدنية بما يتوافق مع الحد الأدنى لمستوى المعيشة حتى يتم رفع وزيادة الإنتاج بصورة مقبولة، وأكد أن هذا الأمر مهم جداً للاقتصاد في المرحلة المقبلة حتى يكون العاملون في القطاع العام على رضا تام بما يحصلون عليه.

 

موارد الجامعات

يرى المستشار الاقتصادي شاذلي عبدالله عمر إن أي انعكاسات سلبية لزيادة الأجور والرواتب “زيادة أسعار” سيتحمل عواقبها كل المواطنين، وقال: من الأفضل الزيادات تشمل جميع منسوبي الجامعات “من درجة موظف حتى عامل” وليس فقط أعضاء هيئة التدريس لأنهم يكملون بعضهم البعض في الجامعة وإلا ستحدث تفرقة غير معلومة العواقب، وتساءل: هل نسبة 70% كزيادة رواتب تمولها الدولة أم من موارد الجامعات الذاتية، ويعتقد أن الأخيرة تعني وبالاً لأسر الطلاب وزيادات خيالية في رسومهم الدراسية.

 

مصداقية التنفيذ

وأضاف: تابعنا خلال الأيام الماضية الحملة القوية والسلبية التي شُنت عبر وسائل التواصل الاجتماعي منتقدةً قرار تطبيق هيكل الأجور الجديد لأعضاء هيئة تدريس الجامعات السودانية حيث بلغ راتب البروفيسور خمسمائة ألف وثمانمائة جنيه، والأستاذ المشارك 459 ألف جنيه، ووصل راتب أقل درجة في هيئة التدريس بالجامعات مبلغ 132 ألف و869 جنيه”، وقال: قوبلت الحملة بالطبع تفاعلاً متبايناً وسط الشارع وفي المقابل هناك رد فعل إيجابي وحذر أساتذة الجامعات خاصة أنها تصب في مصلحتهم ولو بعد حين، وأبان: في المقابل ترفع من توقعات أسرهم وتخلق بعض المطالب الجديدة وإلا ستحدث نتائج سلبية للأستاذ في المقابل هناك مكاسب سياسية لمتخذي القرار ووبال لأسر الأساتذة خاصة مع عدم مصداقية التنفيذ، وهذا ينصب في الرفع من توقعات أسرهم ولو في الأمد القصير على الأقل، خاصة لو شملت تلك الزيادة المتقاعدين ومستفيدي الضمان الاجتماعي إضافة إلى منسوبي الجامعات الحاليين، وبالتالي فإن نسبة كبيرة من أسر منسوبي الجامعات المتقاعدين سيتحسن دخلها وترتفع قوتهم الشرائية مؤقتاً.

 

الجمارك والضرائب

ويعتبر شاذلي في تصريح لـ(اليوم التالي) أن معدلات التضخم المرتفعة من أهم المبررات التي تقف خلف المطالبة برفع الرواتب، حيث تنخفض القيمة الحقيقية للدخول النقدية، وتؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية للعاملين وتراجع مستويات معيشتهم، ويشير إلى أنه بالنسبة للمنتقدين للقرار يقول إنها غير منصفة فهذا رأي مُبرر، وأوضح أن زيادة المرتبات تتحكم فيها أساساً الإيرادات المالية المتدفقة لخزانة المالية، وأبان أن إيرادات هذا العام محصورة في الجمارك والضرائب في ظل تجميد المانحين الدوليين مساعداتهم للسودان وذلك بعد إجراءات الجيش والبرهان في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي، وبالتالي فإن أي زيادة في المرتبات لا تقابلها إيرادات حقيقية تكفي لتمويلها فسينتج عنها تلقائياً انهيار سريع لسعر الصرف للجنيه السوداني، وستقود إلى وضع أسوأ للعاملين من فترة ما قبل زيادة المرتبات، مبدياً خشيته من حدوث انفجار في أسعار السلع والخدمات “يعرف بالتضخم”  لأنها ليس لها مقابل إنتاج حقيقي لمقابلة حجم النقود المطبوعة في الاقتصاد.

 

طباعة النقود

وتابع قائلاً: إن زيادة المرتبات مع أنها ليست بالقدر الكافي وكونها اعتمدت على إيرادات غير حقيقية سيشعر العاملون بجدواها في مدى قصير جداً، وربما تساعدهم على ضنك المعيشة قليلاً، بيد أنها في المدى القصير ستزيد من ضنك العيش لكل أفراد المجتمع الذي لن ينجو من ويلات التضخم “ارتفاع الأسعار” الناتج عن طباعة النقود دون مقابل لإنتاج حقيقي، وحث الحكومة على تحسين بيئة العمل السياسية ومن ثم ستتحسن البنية التحتية للاقتصاد تلقائياً بجانب إصلاح شامل للخدمة المدنية من أجل زيادة إنتاجية العاملين بها.

 

أهمية قصوى

وقال شاذلي وفقاً لبيانات رسمية فإن انفلات معدلات التضخم في البلاد بنسبة أعلى من 300% منذ انقلاب إجراءات الجيش الأخيرة، وذكر أن معدل التضخم الشهري للرقم القياسي العام لأسعار السلع الاستهلاكية والخدمية سجل 14.39 في المائة خلال شهر فبراير 2022، مقارنةً بمعدل 2.06 في المائة، في شهر يناير 2022، ويفتكر أن زيادة الرواتب والأجور لها أهمية قصوى في هذا التوقيت، وأكد أن رفع الرواتب في أوقات الركود الاقتصادي سيقود إلى رفع معدلات التضخم بدون رفع رفاهية الأسر المستهدفة، ولهذا تتجنب الدول تحفيز الاقتصاد (زيادة الأجور هي أحد وسائل تحفيز الاقتصاد) في حالة التشغيل الكلي للاقتصاد، وتحاول زيادة الإنفاق في حالة الركود الاقتصادي.

 

تسرب الكوادر

وأشار شاذلي إلى أنه في حال تسببت الزيادة في رفع معدلات التضخم، وهو ما يحدث في كثير من الأحيان، فإن الشرائح السكانية غير المستفيدة من الزيادة ستخسر نتيجة لزيادة الأجور، ويضيف: هذه من الأمور الصعبة على متخذي القرار، متوقعاً أن تقود زيادة الرواتب والأجور (زيادة الإنفاق بشكل عام) إلى نمو واردات السلع والخدمات، ما يزيد التأثير بشكل سلبي في ميزان المدفوعات الخارجية، مستصحباً وجود عجز كبير في الوقت الحالي في ميزان المدفوعات الخارجية الناتج عن عدم الإنتاج فإننا نشعر بهذا التأثير، بالتالي تزيد من الواردات لتغطية الطلب المحلي الزائد، ويعتبر أنه في كل الأحوال إن زيادة الدخل الحقيقي “القوة الشرائية لوحدة العملة” لا زيادة الأجور والرواتب للأستاذ الجامعي (الإنفاق الحكومي) أمر مهم للتقليل من معدل تسرب الكوادر البشرية إلى خارج البلاد.

 

مواقف وإجراءات

بينما يقول الباحث الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي: عندما يبلغ الاقتصاد مستويات التشغيل الكلي فإن زيادة الدخول النقدية تقود إلى رفع الأسعار أو رفع معدلات التضخم، وبحسب تقديره عبر إفاداته لـ(اليوم التالي) فإن قرار زيادة رواتب أساتذة الجامعات أتى في الوقت المناسب في ظل ما تشهده الدولة من ارتفاع وتضخم في الأسعار، وأرهق كثيراً من الأسر، بل وضعها في خانة التفكير المتواصل في تغطية تكاليف المعيشة المتراكمة، ويرى أن الزيادة تعتبر بارقة آمل مضيئة تهدي إلى طريق العمل والإنتاجية، وناشد الحكومة بضرورة اتخاذ مواقف وإجراءات أكثر شدة لحماية المستهلك خاصة الموظفين من ذوي الدخل المحدود وضبط الأسواق، ويعتبر الزيادة دافعاً أساسياً للعمل والتأكيد على دور العاملين في مختلف القطاعات المجتمعية ومن بينهم المعلم الذي يعتبر العضو الفاعل في المجتمع وبناء الأجيال.



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى