المقالات

[رؤيتي] .. هل التعايش السلمي في خطر؟!


بقلم/ التاج بشير الجعفري

إذا سألت القاصي والداني عن أهم ما يميز السودانيين سيقول لك حبهم لبعضهم البعض بشكل لا مثيل له عند الشعوب الأخرى مما جعل هذه الصفة الطيبة مرتبطة بهم بشكل وثيق ونحن في الخارج كثيرا ما يسألك الأخوة من الجنسيات العربية عن “زول” سوداني عمل معهم أو يعرفونه ويفترضون “بداهة” أنك لابد أن تكون على معرفة به وذلك لما يعلمونه من ترابط وتواصل بين السودانيين جميعهم، هكذا هو الحال.

كذلك يستغرب الأخوة من الدول العربية الشقيقة أن السودانيين عادة يلتقون في المساجد والطرقات والأماكن العامة والأسواق ويسلمون بمودة على بعضهم ويأكلون ويشربون مع بعضهم دون أن يكون لدى أي منهم سابق معرفة بالآخر ولا يعتبرون ذلك ذا أهمية .. فهم “في النهاية” سودانيين وحسب وهذا وحده يكفي؛ وهذه صفة فريدة إختص بها الله تعالى الشعب السوداني بالإضافة للصفات الطيبة الأخرى مثل الكرم والشجاعة والشهامة والمروءة والصدق والأمانة وحب الخير للجميع.

قصدت بهذه المقدمة أن أشير إلى التغيير الذي بدأنا نلاحظه والمتمثل في “لغة الكراهية” المتفشية عبر وسائل التواصل الإجتماعي والتي لا محالة ستنعكس سلبا على تعاملات الناس في حياتهم اليومية مع بعضهم البعض؛ كما أن “لغة الكراهية” والسجالات الكلامية من خلال الوسائط الإلكترونية ليست المشكلة الوحيدة التي تهدد النسيج الاجتماعي والتعايش السلمي في المجتمع، وإنما هنالك ما هو أخطر؛ فقد طغت النعرات القبلية والجهوية وسادت لغة التعالي والكراهية ومحاولة السيطرة من جانب الأطراف المختلفة وتقليلها من شأن بعضها البعض وغياب لغة الحوار فيما بينها مما أدى إلى حدوث صدامات دامية بين مكونات وقبائل كانت تعيش بأمن وسلام لمئات السنين للدرجة التي أصبحت معها هذه الظواهر المستجدة تهدد التعايش السلمي في المجتمع، بل أكثر من ذلك ستعود بنا إلى القرون السابقة عندما كانت كانت الحروب والنزاعات هي السمة السائدة بين القبائل والمكونات المختلفة بسبب الأطماع أو النزاع حول الموارد وذلك قبل قيام الدول والمجتمعات بشكلها الحالي.

إن ما يحدث في بلادنا بين فترة وأخرى من صدامات دامية بين المكونات التي تعيش في مجتمع واحد أصبح شيء مقلق وبلغ حد الخطورة التي يجب معها رفع حالة التأهب القصوى للقضاء على هذا الخطر الداهم.

كذلك يجب التنبيه إلى أن حدوث مثل هذه النزاعات والصدامات يطرح السؤال عن دور السلطات المحلية والمركزية على حد سواء في التصدي لمثل هذه الأحداث ومعالجتها بطرق استباقية، وكذلك ما ينبغي عليهما القيام به للحد من هذه النزاعات ووأدها في مهدها قبل أن تتطور وتتفجر لصدامات دامية تؤدي لسقوط ضحايا مثلما حدث خلال الأيام الماضية من أحداث دامية في ولاية النيل الأزرق والتي قُتِل فيها 79 شخصا وأصُيَب 199 شخصا حسبما أوردته قناة الجزيرة نقلا عن وزارة الصحة السودانية؛ علما بأن مثل هذه الأحداث ظلت تكرر من فترة لأخرى في عدد من المناطق بالبلاد وهو شيء يؤسف له بكل تأكيد.

أما عن الأسباب التي تؤدي لهذه الصدامات فهي غالبا تتمحور حول الصراع على الموارد وكذلك النزاع على ملكية الأراضي وهو ما يؤكد أن السلطات المحلية لا تقوم بما يكفي لمعالجة هذه النزاعات وإيجاد حلول حاسمة لها من خلال الإحتكام للقضاء وتطبيق القانون على الكل؛ وهذا بالضرورة يتطلب نشر الوعي وثقافة الإحتكام للقانون لحل النزاعات بين الأفراد في المجتمع مع ضرورة تدخل السلطات لحل النزاعات في وقت مبكر وتفعيل دور الأمن الوقائي للحيلولة دون وقوع مثل هذه الأحداث المؤسفة.

كذلك نُهيب في هذا الصدد بمنظمات المجتمع المدني للقيام بدورها في توعية أفراد المجتمع والعمل على نشر ثقافة التسامح والسلام والعيش المشترك بين كل الكيانات القبلية في المجتمع مستذكرين قول المولى سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. [سورة الحجرات:13].

أيضا هنالك دور مهم يقع على مراكز البحوث والدراسات لأجل دراسة التغييرات التي حدثت في المجتمع وتحديد أسبابها وإقتراح الحلول لتصويب السلوكيات التي تؤثر سلبا على المجتمع.

كذلك ينبغي على الدولة وضع القوانين الكفيلة بحفظ حقوق جميع الأفراد في المجتمع وفرض هيبة القانون وعدم إهمال النزاعات التي قد تبدو صغيرة بين الأفراد ثم ما تلبث ان تصبح نزاعات دامية بين المكونات القبلية.

ختاما نعيد التأكيد على أن النزاعات القبلية تُعتَبر أخطر مُهددات التعايش السلمي والأمن المجتمعي وإذا فُقِد الأمن والسلم في المجتمع فلن يتبقى شيء؛ لذلك يجب الحد من ظهور مثل هذه الأحداث والعمل على تلافيها بشكل استباقي.🔹

 

[email protected]





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى