الإقتصاد

حمدوك.. نجاحات خارجية وإخفاقات داخلية!


الخرطوم: علي وقيع الله
شهدت البلاد إبان حكومة رئيس مجلس الوزراء المستقيل د. عبدالله حمدوك أحداثاً كثيرة وتغيرات مختلفة خاصة في المشهد الاقتصادي، ربما هناك نجاحات وإخفاقات تصدرت المشهد عقب السنوات الثلاث الأخيرة ومنها ما كان حلماً قد تحقق وآخر وبالاً وقسوة على المواطن، فبرز الاهتمام بالملف الاقتصادي الخارجي الذي كان بمثابة معضلة نحو الانفتاح على اقتصاديات العالم، وبلا شك أهمل الملف الاقتصادي الداخلي بغية اتباع روشتة صندوق النقد الدولي التي أدت إلى التحرير الاقتصادي الكلي في شتى أساسيات المواطن، فكان الرهان على رئيس الوزراء المستقيل د. عبد الله حمدوك إحراز تقدم في إعادة الاقتصاد إلى نضرته وازدهاره رغم التحديات والصعاب أو لتحقيق نجاحات لجعل الاقتصاد أكثر بقاءً وقدرة وعافية وذلك لتوفر الفرص الممكنة.
في وقت أجمع فيه خبراء في الاقتصاد على أن د. عبدالله حمدوك حقق نجاحات، لكن على مستوى الملف الاقتصادي الخارجي، وكان الأبرز في القوائم الاقتصادية السوداء مما جعل السودان يتواصل مع العالم عبر الطرق الرسمية وهذا ما أثر إيجاباً في توفير العملة الأجنبية عبر القنوات الرسمية من خلال تحويلات المغتربين وتبادل السلع والخدمات في السوق العالمية وهذه أبرز الإيجابيات بالإضافة إلى عودة السودان إلى المجتمع الدولي والاعتراف به بعد أن غاب السودان طويلاً منذ 30 عاماً، وآخرون يرون أن إهمال الرجل انعكس على مستوى الاقتصاد الداخلي وتفاقمت احتياجات المواطن وظهرت معاناته جلياً، وبالتالي أثرت سلباً على معاشه.

نجاحات كثيرة
وزير التجارة السابق علي جدو أكد في تصريح لـ(اليوم التالي) بأن هناك نجاحات كثيرة للدكتور عبد الله حمدوك حدثت في عهده، لا تخطئها العين ثم لا يسع المكان لذكرها وفق برامج الحكومة الانتقالية، وأقر بوجود سلبيات لا ننكرها بيد أنها كانت خاضعة للمعالجة.

السياسات الاقتصادية
يقول الوزير الأسبق في حكومة الثورة من الفترة الانتقالية الدكتور، علم الدين عبدالله أبشر إن نسبة التضخم زادت بمستويات كبيرة وظل المواطن يعاني من ارتفاع الأسعار المستمر وتدنٍ في الخدمات ورفع الدعم عن السلع الأساسية وتعويم الجنيه وهبوط كبير ومتسارع للعملة المحلية من ٧٠ إلى ٤٣٠ جنيه مقابل الدولار في أقل من ٣ سنوات، وأكد في تصريح لـ(اليوم التالي) أن ذلك تم من غير رؤية محددة وواضحة مما أدى ذلك إلى زيادة نسبة الفقر وزيادة المعاناة، بل إلى زيادة الهجرة إلى خارج البلاد، وعزا كل ذلك نسبة للسياسات الاقتصادية برفع الدعم وتعويم الجنيه من غير دعم ووضع سياسات وعدم تشجيع الإنتاج المحلي وتذليل عقباته لأن زيادة الإنتاج والصادرات هي الحلول لرفع قيمة العملة المحلية، وكذلك عدم القدرة على ضبط حركة الصادر والوارد ومتابعة حصائل الصادر بجانب عدم ضبط أسعار السلع حيث أن هناك فوضى في الأسواق، كما أضافت جائحة كورونا وما صاحبها من تداعيات نحو العالم أجمع، بالإضافة إلى الاعتماد على الدعم الخارجي وعدم تهيئة الظروف لتطوير الإنتاج، ونوه إلى عدم سيطرة الحكومة التنفيذية على أكثر من ٨٠% من الموارد الاقتصادية كما ذكره رئيس مجلس الوزراء المستقيل، ولفت إلى أنه من النجاحات إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وكذلك الانفتاح نحو العالم الخارجي بجانب إعفاء جزء من ديون السودان الخارجية، وتابع قائلاً: من ضمن النجاحات آثار مؤتمر برلمين الذي تمثل في برنامج ثمرات، ويضيف أن السودان به موارد كثيرة وكبيرة ومتنوعة يحتاج توحيد الرؤى للاستفادة من تلك الموارد لتنمية وتطوير السودان، مشدداً على ضرورة تفعيل العمل وفق قوانين صارمة وتطبيقها على أرض الواقع.

عناوين بارزة
وصف المستشار الاقتصادي الشاذلي عبدالله، استقالة رئيس مجلس الوزراء الدكتور عبدالله حمدوك على المشهد السياسي والاقتصادي بالمؤثرة واقعاً ومستقبلاً، وقال في حديثه لـ(اليوم التالي) إن حمدوك لديه إيجابيات واضحة في الملف الاقتصادي المتعلق بالخارج أي علاقة السودان الاقتصادية والسياسية خارجياً ومن ضمنها عناوين بارزة منها رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب رغم أن الملف عمل فيه أكثر من مكون لكن د. حمدوك كان الأبرز خاصة في القوائم الاقتصادية السوداء مما جعل السودان يتواصل مع العالم عبر الطرق الرسمية وهذا ما أثر إيجاباً في توفير العملة الأجنبية عبر القنوات الرسمية من خلال تحويلات المغتربين وتبادل السلع والخدمات في السوق العالمية وهذه أبرز الإيجابيات بالإضافة إلى عودة السودان إلى المجتمع الدولي والاعتراف به بعد أن غاب السودان طويلاً منذ 30 عاماً، وقال: بالنسبة للسلبيات د. حمدوك لم يستطيع أن يتوافق مع روئ القوى السياسية، وكانت هناك عقبات كبيرة جدا وفشل في التوصل إلى رؤية واضحة، وتابع قائلاً إن استقالته ستزيد الأوضاع الاقتصادية والسياسية الراهنة مأزقاً جديداً، ونوه إلى السودان الآن في مفترق الطرق وتحولنا تلقائياً عقب الاستقالة إلى حضن الأحادي بالنسبة للمجلس العسكري.

طريقة فاشلة
بينما وصف المحلل الاقتصادي ناجي مصطفى الاقتصاد في عهد د. عبدالله حمدوك بالنجاح على طريقة الفشل، موضحاً أن التعافي الاقتصادي مطلوب فيه من رفع الدعم وهيكلة الاقتصاد والاعتماد على عدم دعم الموازنة العامة بالعجز لذلك التعافي مرتبط بالاقتصاد الحر كل يتحمل مسؤولية سواء المواطن أو الحكومة وبالتالي يكون الاقتصاد معتمداً على الموارد الذاتية الحقيقية ليس على الهبات والقروض والدعم وهذا نجاح، وأضاف أن د. حمدوك حقق هذا النجاح، لكنه نفذه بطريقة فاشلة وبالتالي أودى بالاقتصاد الوطني إلى هذه الهاوية التي ما زلنا نتردى فيها، وقال: سبق وأن ذكرت أن رفع الدعم وتحرير الاقتصاد لا يكون دفعة واحدة، لافتاً إلى تحرير الاقتصاد المصري الذي مضى فيه بالتدريج وكان مقبولاً، ومضى قائلاً عبر إفادته لـ(اليوم التالي) إن جرعة الإصلاحات الاقتصادية التي تلقاها المواطن السوداني كانت أكبر من استيعابه، مشيراً الى أن أعلى مرتب في السودانية 40 ألف جنيه لا يغطي ثمن إيجار منزل ناهيك عن الإعاشة مقارنة بالوضع في مصر الذي يشهد استقراراً بدليل أصبحت كثير من الأسر هاجرت إليها علماً بأنها تتبع نفس سياسة التحرير في السودان لكنها تنفيذها بشكل علمي وهناك بنية تحتية ود. حمدوك تغافل هذه المسألة، وقطع: لا تحرير للاقتصاد ما لم تكن هناك بنية تحتية، ولذلك انهار الاقتصاد والمواطن والأوضاع السياسية والأمنية غير مستقرة، وواصل في حديثه: على كل حال حكومة د. حمدوك فشلت تماماً في تحقيق مسألة التحرير الاقتصادي الذي هو في الأصل مخطط صندوق النقد الدولي وهو يسعى ليحصل على قروض لكن الصندوق لم يكن حريصاً، وقال: كان ينبغي على الحكومة أن تمارس ضغط على الصندوق لتنفيذ الروشتة على حسب الأوضاع المواتية على أرض الواقع لكن حكومة حمدوك كانت تقول نعم من غير أن تفاوض كل ما يقوله له صندوق النقد الدولي ومجموعة نادي باريس وغيرها لذلك فشلت في إدارة الاقتصادي، واعتبر أن هذا أكبر مؤشر الاقتصاد في عهد حكومة د. حمدوك، وقال إن انهيار الدخل الصافي للدخل القومي نسبة للسياسات الاقتصادية الخاطئة هروب رؤوس الأموال والسياسات الخاطئة للجنة إزالة التمكين وعدم رغبة المستثمرين الأجانب والوطنيين للاستثمار في السودان بالإضافة إلى الوضع الأمني المنهار، وأكد أنها أدت الى نقص الدخل القومي إلى أكثر من النصف في حين تضاعفت فاتورة الواردات، وبحسب د. ناجي فهذه جميعها نذر لكارثة اقتصادية، ويضيف: نحن في العام الجديد 2022 لا توجد موازنة وهذه كارثة باعتبار أن الموازنة قانون يحكم رفع الدعم الأسعار وزيادة الضرائب وتعرفة الجمارك فإذا تغيب هذا القانون فمعناها ستعيث الحكومة القادمة في الأرض فساداً وربما ستعمل بمزاجها، وأعتقد أن هذا العام سيكون أسوأ الأعوام منذ مسيرة الفترة الانتقالية.

اتخاذ القرارات
المحلل الاقتصادي الدكتور محمد الناير قال لـ(اليوم التالي) إنه رغم جهود د. حمدوك مع المجتمع الدولي وهي أيضاً لم تكن جهوداً مجانية، بل دفع السودان فاتورة عالية جداً مقابل رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب ولم تتخذ أميركا هذا القرار إلا بعد أن دفع السودان من جيب المواطن السوداني مبالغ ضخمة بالعملة الأجنبية أدت لانخفاض قيمة الجنيه السوداني مقابل تعويضات المدمرة كول أو تفجير السفارتين، أفتكر ذلك بثمن غالي جداً ومكلف جداً، وقال: وبعد ذلك التقدم الذي حدث من ملف الديون بدأ المجتمع الدولي يتقدم بالقروض والمنح كان بطيئاً جداً في الوقوف مع الاقتصاد السوداني، وأعتقد أن ذلك كان مؤشراً سالباً وكان من الأجدى أن يكون التعامل مع المجتمع الدولي باتفاقيات محددة حينما تلتزم الدولة بتنفيذه عبر استخدام روشتة النقد الدولي التي كانت فيها قسوة على الشعب السوداني والتي أدت إلى ارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء وكثير جداً وكذلك الدولار الجمركي والدواء، وكان ينبغي على المجتمع الدولي أن يدعم الاقتصاد السوداني لحماية الشرائح الضعيفة من هذه الآثار السالبة لكن هذا لم يحدث، وأعتقد أن البرامج التي نفذت ومنها “ثمرات” لا يسمن ولا يغني من جوع و5 دولار للفرد في الشهر لا تفي بالغرض المطلوب، وإذا كان المجتمع الدولي جاداً في تخفيف الأعباء لصارت 50 دولاراً للفرد، ويشير إلى فشل برنامج سلعتي ولم يحقق البرنامج المطلوب لأن الإمكانيات لم تتوفر له، ومن سلبيات د. حمدوك عدم اتخاذ القرار في الوقت المناسب، بالإشارة إلى ما حدث في أكتوبر لم يتخد قراراً بحل الحكومة ليبدلها بحكومة كفاءات ولم يفعل ذلك، وأفتكر أنها كانت فرصة ذهبية بأن يصنع ذلك بيده كرئيس وزراء وتلتها القرارات الخاصة في 25 أكتوبر، وبعد ذلك أعيد لموقعه لرئاسة الوزراء واستنفذ أكثر من شهر تقريباً لم يستطع أن يشكل حكومة كفاءات وطنية وهذه مشكلة بجانب عدم تشكيل هياكل الحكم الانتقالي بالتالي لم يحقق النجاح المطلوب بصورة عامة، بل هناك إخفاقات كثيرة والمواطن الآن يعاني كثيراً من الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم ارتفاع معدل البطالة بأكثر من 40% ومعدل الفقر ما بين 60 إلى 80% وذلك نتيجة السياسات الاقتصادية التي تمت تحت مظلة الإصلاح الاقتصادي، وأكد أنها لم تكن إصلاحات لأنها لم تكن حزمة إصلاحات متكاملة وأفتكر أن الوضع الاقتصادي معقد باعتبار أنه لم يحدث الاستقرار في البلاد.

إرث ممتاز
يعتقد المحلل الاقتصادي الفاتح عثمان محجوب إن حكم السيد حمدوك نحو سنتين ونصف تقريباً ربما كانت أصعب فترة مرّ بها الشعب السوداني، وأوضح أن التضخم ارتفع إلى 428% وتخطى في بعض الولايات 500% وتدهور سعر صرف الجنيه السوداني الى ثمن قيمته عند سقوط الإنقاذ وتدهور الناتج المحلي الإجمالي للسودان من 92 مليار دولار في عام 2018 إلى نحو 18 مليار دولار في عام 2021، وارتفعت نسبة الفقر من 30% إلى ما فوق 60%، وارتفع عدد الذين يعانون من نقص حاد في الغذاء إلى أكثر من عشرة مليون مواطن سوداني، ومع هذا الوضع البائس جداً الذي يعاني منه المواطنون السودانيون بسبب حكومة حمدوك إلا أن الاقتصاد السوداني في عهده شهد تنفيذ عمليات جراحية قاسية جداً، وأفتكر أنها وضعت الأساس لنهضة الاقتصاد السوداني، مشيراً إلى أنه تم إلغاء دعم الوقود وجزء كبير من دعم الكهرباء والخبز، وتوحيد سعر الصرف للجنيه السوداني، وتم إلغاء الدعم السلعي الذي كان يكبل الاقتصاد السوداني ويعوق انطلاق الاقتصاد بشكل سليم، وتم إلغاء اسم السودان من قائمة الإرهاب الأمريكية بسبب التسوية التي أنجزها حمدوك مع الحكومة الأمريكية وذوي ضحايا السفارتين والبارجة كول، وأكد أن هذا ما أدى إلى فتح الباب لإعفاء جلّ الديون الخارجية للسودان، بجانب السماح بتقديم المنح من المجتمع الدولي والمؤسسات المالية العالمية وهو ما توقف حالياً بسبب إجراءات البرهان العسكرية التي أطاحت بحكومة قوى الحرية والتغيير التي كان يرأسها حمدوك، وقطع بأن د. حمدوك ترك الاقتصاد السوداني في وضع سليم ومعافى تقريباً ما عدا التضخم الكبير الذي يقترب من حد التضخم الجامح، ولكن العزاء أنه ترك أيضاً خطة واضحة لتخفيض التضخم الكبير تقوم على المواصلة في الإصلاحات الاقتصادية وعدم اللجوء للاستدانة من البنك المركزي أي الاعتماد فقط على الإيرادات الذاتية وهذا إرث ممتاز يجب المحافظة عليه.

الفشل المتحقق
يقول المحلل الاقتصادي الدكتور وائل فهمي بدوي على مستوى الاقتصاد في ظل عامي حكم رئيس مجلس الوزراء د. عبد الله حمدوك وتبني سياسات مؤسسات بريتون وودز النيوليبرالية، انكمش بنسبة 3% في عامي ٢٠٢٠ و٨% في ٢٠٢١، وجمح التضخم إلى أن تجاوز الـ٤٠٠% في يوليو ٢٠٢١ بعد أن كان حوالي ٥٤% في ٢٠١٩، وأشار في حديثه لـ(اليوم التالي) إلى تدهور سعر الصرف من ١٨ جنيه إلى ٤٤٥ جنيه للدولار حالياً وزاد قائلاً: تفاقمت العجوزات بالموازنة العامة والحساب التجاري بميزان المدفوعات ترتب عليه أن ارتفعت المديونية الخارجية من ٤٨ مليار دولار بنهاية ٢٠١٩ لتصبح ٦٤ مليار (قبل الإعفاءات) في ٢٠٢١، ومضى بالقول: ارتفع الفقر من ٤٣% بنهاية ٢٠١٩ إلى ٨٠% بمقياس برنامج ثمرات في ٢٠٢١، ونوه إلى انتشار الصفوف للحصول على السلع الاستراتيجية في غالبية فترة حكمه، وقال د. فهمي: على مستوى النجاح فقد رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وانفتاح المصارف المحلية مع المصارف العالمية وما ترتب عليه من انحسار السوق الأسود للعملات بسبب توحيد سعر الصرف الذي جعل التحويلات عبر المصارف السودانية بدلاً من السوق الأسود، ويشير إلى أن الفشل المتحقق بالداخل ظهر لعدم تأثير إيجابي ملموس للنجاحات المتحققة على المستوى الخارجي على الشعب والاقتصاد السوداني حتى تاريخه، وبحسب توقعاته ربما يكون في المدى الطويل غير معلوم المدى إذا استمرت ذات السياسات على ما هي عليه.



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى