المقالات

جلود الأضحى الذهب الحيوي المجهول


بقلم: د. الفاتح يس

يطل علي الأمة الإسلامية بعد ساعات؛ عيد الأضحى المبارك؛ اعاده الله علينا وعليكم وعلى جميع المسلمين والمسلمات بالخير واليمن والبركات ووفقنا الله على أداء شعيرة النحر والذبح وإراقة الدماء بــ التكبير والتهليل وذِكر الله.

كما تعلمون هذا الذبيح ينتج عنه مخلفات ونفايات حيوية مثل الدماء والعظام وبقايا اللحوم، بالإضافة إلى الجلود والقرون والأظافر.

بلاشك يُمكن أن يستفاد من هذه النفايات والمخلفات والبقايا الحيوية؛ خاصةً الجلود؛ ذلك المورد الحيوي الإقتصادي الذي يرفد العملات الأجنبية الي خزانة بعض الدول.

تعد دباغة هذه الجلود الخام؛ إبتداءً من مرحلة تطهير الجلد إلى مرحلة الطلاء بالألوان والتشطيب؛ ومن ثم تبدأ مرحلة تحويل هذا الجلد المدبوغ الي منتجات جلدية مثل الأحذية والشنط والإكسسوارات وغيرها من المنتجات الجلدية الحديثة.

بإذن الله كمية كبيرة من الجلود ستصاحب هذا العيد المبارك؛ وهذه الكمية الكبيرة تحتاج إلى تضافر الجهود حتى يتم تحوليها إلى منتجات جلدية نهائية؛ ولكن عمليات الصناعات الجلدية لا تبدأ من المدابغ فحسب؛ ولا تبدأ من مرحلة جمع هذه الجلود؛ وإنما تبدأ من مرحلة ذبح الحيوان ذبحاً صحيحاً وإخراج الجلد سليماً دون أي ثقب (سواءً كان ضان أو ماعز أو عجل)؛ وحتي عملية إخراج الجلد بصورة صحيحة؛ سيقلل من معدل وسرعة تأثير وسرعة إصابة البكتريا والكائنات الدقيقة للجلد.

كلكم شاهدتم بــ أم أعينكم الإهمال الواضح الذي ألم بــ جلود الأضحى المبارك العام الماضي؛ وكيف تم رمي هذه الجلود بقارعة الطرقات والأزقة والميادين؛ ومحصلة هذا الإهمال كان توالد البعوض وإنتسار الروائح الكريهة والأمراض التي تسببها الميكروبات.

على حسب ما قرأت في وسائل التواصل الاجتماعي أن مجلس السيادة ينوي أمر جمع هذه الجلود حتى لا يحدث ما حدث في العام الماضي؛ ولكن يجب على المواطن أن يهتم بـهذا الأمر وأن يتعاون الجميع من أجل المحافظة على البيئة والمياه والصحة ورأس المال الطبيعي.

أبسط شيء يمكن أن يقدمه المواطن في هذا العيد هو الذبح وإخراج الجلد بطريقة صحيحة؛ ودفن الدماء والعظام وبقايا ومخالفات الذبيح في الأرض؛ حتى لا يجد الذباب والبكتريا والكائنات الحية فرصه وماؤي ووسط مريح للنمو والتكاثر.

ولا بأس من أن يتم دباغة هذا الجلد في المنزل بطرق الدباغة التقليدية؛ بــ إستخدام مواد دابغة محلية وصديقة للبيئة، وليس لها آثار ضارة بالبيئة مثل ملح الطعام وإستخدام نبات القرض بعد طحنه. ومعروف أن الدباغة التقليدية موجودة في السودان منذ القدم وتعتبر إرث مهني لبعض المناطق والقبائل.

لابد لنا كمواطنين أن نتحلي ونلبس ثوب وصفات وسمات المواطنة البيئية ونهتم بنظافة منازلنا وشوارعنا؛ ولا نعتمد على الحكومة؛ وحديثي بعيداً عن أي تحيز أو إنتماء لأي جهة ما؛ ولكن من باب المهنية البيئية من منظور تطوري إقتصادي وعالمي؛ وفي الماضي كان تقدم الدول يُقاس بمدى تطورها وتعليمها وعدد خريجيها وحملة الدرجات العليا من ماجستير ودكتوراة والأستاذية من الجامعات والكليات والمعاهد العليا؛

وأيضاً تقدم الدول كان يُقاس بمدي إستخدام مواطنيها للتكنولوجيا؛ ولكن الآن تغيرت طريقة التقييم هذه؛ وأصبحت معايير التقييم للدول يُقاس بمدى محافظة المواطن على البيئة والمياه وكيفية إدارة لرأس المال الطبيعي، وكيفية إدارة نفاياته وطرق وتكنولوجيا التدوير التي يستخدمها لإعادة إستخدام وإعادة تدوير وإعادة إسترجاع نفاياته ومخلفاته وإستخدام أمثل ورشيد لموارده المحلية؛ وترك إستيراد المنتجات من الخارج؛ أو ما يسمى بــ المجتمع المتوازن أو المجتمعات المتوازنة؛ التي لا تُصاب بأي عجز في الميزان التجاري لها.

هذا من جانب المواطن؛ أما في ما يخص المدابغ وغرفة صناعة الجلود والمنتجات الجلدية؛ فينبغي عليهم الإستعداد لإستقبال هذا الكم الهائل من هذه الجلود؛ وكل هذه المهام لا تعفي الحكومة متمثلةً في وزارة الصناعة بالإهتمام بهذه الجلود التي يمكن أن نعتبرها مورد كبير يُمكن أن نطلق عليه الذهب الحيوي؛ الذي سيرفد خزينة الدولة بالعملات الصعبة في حالة تم الإهتمام به؛ بتشجيع الدباغيين التقليديين والحرفيين والعمال المهرة للإنخراط في أنشطة الدباغة التقليدية والصناعات الجلدية الحرفية الصغيرة؛ وبحكم أن السودان دولة زراعية وتتوفر فيه المراعي الغنية وبه ثروة حيوانية كبيرة؛ فـ يمكن قيام مدينة الحرفيين للصناعات الجلدية؛ ويشرف على إدارة وتدريب هذه المدينة الحرفية مهندسي الجلود الذين تخرجوا من جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا؛ لتستوعب هذه المدينة الحرفية الشباب أصحاب التعليم البسيط وخريجي المدارس التقنية؛ وهذه بمثابة خلق وظائف جديدة ستساهم في رفع معدل الناتج المحلي الإجمالي. وبتقديم الدعم المادي والفني والتكنولوجي؛ يمكن لهذه المدينة الحرفية أن تتطور؛ لتنتج منتجات جلدية حديثة؛ ليتم تصديرها الي الخارج؛ لترفد خزينة الدولة بالعملات الصعبة والاستفادة من حصائل الصادر؛ ليتعافي الجنية السوداني شيئاً فـ شيئا؛ حتى ينافس ويلحق بــ باقي العملات الأخرى.

د. الفاتح يس

دكتوراة الفلسفة فى الهندسة الكيميائية والبيئية

مهتم بقضايا تغير المناخ والاقتصاد الأخضر والطاقات المتجددة





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى