أخبار السودان

توقعات بقرب إعلانها مطبخ (التسوية).. من هو (العراب)؟


 

تقرير: محمد جمال قندول

رجل مسن بأحد المقاهي أوجز في تعليق على الازمة السياسية بقوله: (والله غير الله ما في زول عارف البرهان ناوي علي شنو).. قد ينطبق التعبير على الواقع السياسي الذي يبدو غامضاً في تفاصيله، مع ارهاصات التسوية المحتملة بين المكون العسكري وقوى الحرية والتغيير المركزي ومكونات سياسية، في وقت ظل فيه المكون العسكري ينفي بشدة الاتجاه لابرام أية تسوية ثنائية.

وخرجت حشود رافضة للتسوية والتدخلات الاجنبية في الملف السوداني يوم السبت الماضي بقوى وتحالفات منضوية تحت مبادرة نداء اهل السودان بمشاركة التيار الاسلامي العريض، ولاول مرة منذ سقوط نظام البشير تتوافق رؤى اليسار مع اليمين برفض الحزب الشيوعي والبعث العربي الاتفاق السياسي الذي تنبئ التسريبات بقرب التوقيع عليه.

وبالمقابل فإن مجموعة المركزي أكدت وجوب حل سياسي يفضي الى استئناف الانتقال المتعثر لعام، وظلت تشير الى وجود تفاهمات بينهم وبين العسكر قطعت اشواطاً بعيدة في انتظار التوافق على بعض نقاط الخلاف لانجاز تسوية هي الثانية في عمر الفترة الانتقالية التي شارفت على العام الرابع دون حل للازمة السياسية السودانية.

التبشير بالتسوية

وبزعم التسريبات فإن بابكر فيصل رئيس التجمع الاتحادي وطه سليمان القيادي بتجمع المهنيين والواثق البرير الامين العام لحزب الامة ممثلين للمجلس المركزي، ينخرطون في اجتماعات مكثفة مع المكون العسكري الذي ينوب عنه مدير منظومة الصناعات الدفاعية الفريق ميرغني ادريس، وقطعت اشواطاً بعيدة في انتظار التفاصيل الاخيرة لـ اعلانها.

وأعلنت الآلية الثلاثية خلال الايام الماضية عن توقعاتهم بوضع حد للازمة خلال الفترة المقبلة بتفاهمات تمضي بوتيرة جيدة بين الفرقاء السودانيين، وبقراءة مؤشر الاحداث السياسية تنشط الرباعية التي تقودها واشنطون والرياض وابو ظبي ولندن لتحقيق اختراق في العملية السياسية وصولاً لاتفاق يفضي الى استئناف الفترة الانتقالية، فيما أكدت مصادر متطابقة لـ (الانتباهة) اكتمال الاتفاق السياسي المرتقب اعلانه بين المركزي والعسكر والمؤتمر الشعبي والاتحادي الاصل وانصار السنة، بعد اجراء تعديلات على مسودة المحامين تضمنت اكثر من (30) تعديلا وافقت عليها قوى المركزي، وان وثيقة التوافق سلمت للرباعية والثلاثية، وان زيارة السفير الامريكي لولاية كسلا تأتي في اطار تحييد مجموعات الشرق الرافضة والتبشير بها لمكونات الاقليم. وفي ذات الاثناء انخرطت الآلية الثلاثية برئاسة الوسيط الاممي فولكر في اجتماعات غير معلنة مع قوى سياسية في اطار الحاقها بالتسوية المحتملة، مشيرة الى أن اعلانها متوقف على مدى حشد اكبر للاعلان المرتقب من خلال لقاءات السفراء بالاحزاب والتحالفات المختلفة. وتطابقت المصادر عن عدم ثنائية التسوية، حيث انها تشمل آخرين غير قوى الحرية والتغيير.

عراب التسوية

ومع تواتر الانباء عن تفاهمات بين المكون العسكري وقوى الحرية برز اسم مدير عام منظومة الصناعات الدفاعية الفريق اول ميرغني ادريس في واجهة المشهد، حيث برزت أنباء تؤكد مشاركته في الحوار الدائر بين الفرقاء، وهو ما دفع عدداً من الاعلاميين والخبراء لتسميته بـمهندس التسوية او عرابها.

وتجمع علاقة تمتد لسنوات طويلة بين رئيس مجلس السيادة البرهان والفريق اول ميرغني، فالاثنان أبناء دفعة واحدة وهي الدفعة الحادية والثلاثون، كما تزاملا في اكثر من محطة، ويعد من المقربين لقائد عام الجيش ومحل ثقته، وانتدب إدريس لـجهاز الامن والمخابرات قبل مجيء الانقاذ، ثم عاد للتصنيع الحربي متنقلاً بين عدد من اداراته، وعمل مديراً للصافات للطيران حتى سقوط النظام، وعين مديراً لمنظومة الصناعات الدفاعية في بدايات 2020م وتنحدر اصوله من الولاية الشمالية، وبحسب مقربين من الرجل فانه لا يحب السياسة وشخصية اجتماعية، كما انه رياضي مطبوع وتقلد عدداً من المناصب في نادي الهلال حيث كان اميناً عاماً للقطب الازرق.

وفي سياق التسوية أكد مصدر مطلع ان الفريق اول ميرغني ادريس كان ممثلاً للمكون العسكري، واستمع لآراء شريك الازمة عبر ممثلها ثم لخصها وقدمها للبرهان، مشيراً الى ان الرجل حضر الاجتماعات الاولى، فيما انضم للوفد المحاور من الجانب العسكري برئاسة الفريق ياسر العطا.

ولا يرى خبراء عسكريون ان مساهمة الرجل في المشهد العام فيها غرابة، لجهة ان منصبه يكفل له حضور اجتماعات لجنة الامن والدفاع والادلاء بدلوه في ما يخص القضايا العامة، واعتبروا ان الانتقادات الموجهة له غير منطقية، لجهة ان ما يتم تداوله حتى الآن مجرد تكهنات ولم يصدر تعليق رسمي من المؤسسة العسكرية في ما يخص التفاهمات المسربة.

التسويق والإخراج

ورغم التسريبات المؤكدة عن قرب اكتمال التسوية، الا ان واقع المعطيات السياسية يعكس تحديات وتعقيدات تواجه اتفاقاً يعيد الشراكة باضافة لاعبين جدد، حيث ترفضها لجان المقاومة والقوى الشبابية الفاعلة على الارض، بجانب عدم قبولها من الحركات المسلحة المجابهة حال موافقتها على مراجعة بنود اتفاق سلام جوبا، فضلاً عن معارضة شرسة تتعرض لها من التيار الاسلامي ومبادرة نداء اهل السودان، بجانب تصدي حزب البعث بقيادة علي الريح السنهوري وقوى التحالف الجذري، وهو ما يضع تساؤلات مهمة حول صمودها حال خرجت بذات الشكل المتداول في المشهد السياسي من تسريبات وتكهنات.

ويبدو أن اخراج التسوية خطوة الاعلان الرسمي مجابه بصعوبات منها تناقضات قوى المجلس المركزي نفسها التي تحرض الشارع على الخروج ضد اجراءات الخامس والعشرين من اكتوبر وفي ذات الوقت تمضي في تفاهمات مع المكون العسكري، الامر الذي يهدد ما تبقى من وجودها حال وصولها للخطوات النهائية للتسوية لدى الشارع، فضلاً عن محاولات مسميتة من قوى الائتلاف لكسر رفض البعث لضمان عدم اتساع الرقعة المعارضة للاتفاق.

ويرى الخبير والمحلل السياسي د. وليد صالح في حديثه لــ (الانتباهة) ان التسوية هي الفرصة الاخيرة للبدء في عملية إعادة بناء دولة السودان من جديد، ولهذه الاهمية ينبغي النظر للاتفاق المرتقب بمنظور واسع يتجاوز كونه حلاً أنياً لمشكلة سياسية محدودة بين قيادة الجيش والمجلس المركزي، وينبغي ان توضع في اطار انها قضية تهم الجميع.

وبحسب د. وليد فإن الوضع الراهن يستوجب استيعاب كافة آراء القوى السياسية والمكونات المجتمعية حول الفترة الانتقالية وقضاياها، مع ضرورة استمالة الرافضين لالحاقهم بالتسوية، واجراء التعديلات الدستورية الضرورية التي تعبر عن هذه القوى، تفادياً لأية انتكاسة او احتقان اجتماعي يهدد التحول الديمقراطي المهم في تاريخ البلاد.

وجمع لقاء امس (الاثنين) وفداً من نداء اهل السودان مع ممثل الاتحاد الافريقي السفير بلعيش وممثل الايقاد اسماعيل وايس، واكد ممثلو نداء السودان رفضهم أية تسوية ثنائية تحدث في البلاد وضرورة الحل الشامل.

مهددات التسوية

وتشهد الساحة حالة من العبث، وثمة مهددات قد تنسف التفاهمات الجارية برعاية الرباعية، ومن ضمنها حالة التنازع والانشقاق داخل عدد من الاحزاب المشاركة في الحوار الدائر ومن ضمنها المؤتمر الشعبي الذي انقسم الى جناحين، حيث تبرأت الامانة العامة من مشاركة منسوبيها في مواكب نداء السودان، فيما دعت الشورى بزعامة السنوسي لتقدم التظاهرات التي تنظمها مبادرة القطب الديني الطيب الجد، وكذلك يعاني الحزب الاتحادي من صراع الشقيقين داخل التنظيم العتيق، وهما ابنا الميرغني جعفر والحسن، فالاول يمضي في تفاهمات مع قوى التوافق الوطني فضلاً عن تحركات واسعة للوصول لحل للازمة، فيما يعارض الحسن توجهات شقيقه، والاخير وصل البلاد عصر امس (الاثنين).

وبالمقابل فإن خطابات قيادات نداء السودان في مواكبهم يوم السبت الماضي تسببت في خروج الجيش عن (النص) والتصدي ببيان لحديث محمد علي الجزولي الذي كان قد هدد بمحاصرة القيادة العامة لرفض التسوية لو لزم الامر، ويبدو ان القوات المسلحة حريصة على النأي عن الدخول في اي صراع سياسي، حيث ظلت قياداته تؤكد بما فيهم البرهان ضرورة التوافق والوقوف على مسافة واحدة من الجميع وعدم وجود اي اتجاه للتسوية.

والحركات المسلحة بدورها رفضت التسوية الثنائية صراحةً على لسان بعض قياداتها، فيما التزم آخرون الصمت، وتظل امكانية تكييف الحركات باي اتفاق جديد مهمة لضمان انسيابه دون تعقيدات لجهة التزامات الدولة بما ورد في نصوص اتفاق سلام جوبا.

مكر الجنرال

وبعد مضي عام على اقدام رئيس مجلس السيادة على اجراءته في الخامس والعشرين من اكتوبر الماضي، تثير طريقة ادارة الجنرال البرهان جدلاً واسعاً، فالرجل لا يرفض الجلوس مع التيارات المحسوبة على نظام الانقاذ ويتفاوض مع قوى المجلس المركزي، ويجمع بين متناقضات النخب والكيانات السياسية دون الخروج للتعليق على مسار الازمة، الا بشكل دبلوماسي وعبارات ثابتة فحواها ضرورة التوافق والتحول المدني، كما ورد في خطاباته في المحافل الاقليمية والدولية.

ويرى مراقبون ان البرهان لن يقدم على تسوية، وان ما يجري بمثابة تعرية للقوى السياسية في سبيل اظهارها للشارع والشباب بانها باحثة عن مغانم من التسويات والمشاركة في الحكم ولو في شكل حاضنة، وان قائد عام الجيش استطاع خلال ثلاث سنوات من عمر الانتقال المساهمة في شق القوى الثورية والمكونات السياسية بتعامله معها بمكر شديد، متوقعين ان المصير المحتوم ــ ولو طال الزمن ــ هو تشكيل مجلس اعلى للقوات المسلحة وتسمية رئيس وزراء من قبل البرهان.

غير أن خبراء وقادة رأي عام ذهبوا الى ان رئيس مجلس السيادة سيوافق على التسوية، لجهة ضغوط خارجية يتعرض لها من دول اقليمية ودولية، في محاولة منها لفرض تسوية تعيد مكونات المركزي وتبعد الاسلاميين من المشهد دون المساس بهم وضمان عدم سعيهم لمعارضة شرسة تعيد الاوضاع للتعقيد.

 

 



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى