المقالات

توصيات مجلس الدفاع الوطني.. تهيئة للحوار أم ضغوط خارجية؟!!


فريق أول ركن حسن يحيى محمد أحمد

المشهد السياسي الحالي مشهد عبثي يعبر عن فشل الدولة في إدارة الأزمات. المشهد السياسي العبثي الذي تعيشه البلاد حالياً يعود للفراغ الدستوري الذي تسبب فيه الشريكان اللذان أطاحا بحكومة مدنية منتخبة شرعية ودستورية كانت تفرض سيطرتها التامة على كل أجزاء البلاد. الصراع بين المركز والهامش لتقاسم السلطة والثروة على قلتها أهدر الموارد الشحيحة. كان ينبغي أن يتم التصرف في الثروة مركزياً وفق أسبقيات محددة متفق عليها. تقسيم الثروة بين المركز والهامش تسبب في إهدارها في الصرف السياسي البذخي والترهل الحكومي. سوء إدارة حكومة الفترة الانتقالية للأزمات التي شهدتها البلاد أفقد الدولة هيبتها وجعلها غير قادرة على إدارة شؤون البلاد. المشهد السياسي العبثي الحالي والانفلات الأمني يتطلب كل ذلك تشكيل حكومة مركزية قوية تفرض سيطرتها على كل أجزاء البلاد. إذا تعذر تشكيل حكومة مدنية قوية نسبة لعدم الوفاق الوطني فإن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد حالياً تتطلب تشكيل حكومة عسكرية تضم كفاءات سياسية قومية ووطنية مستقلة لإخراج البلاد من هذه الظروف الاستثنائية الحرجة التي تتطلب اتخاذ إجراءات استثنائية للحفاظ على كيان الدولة. المشهد السياسي العبثي الحالي يجب أن يتغير عاجلاً حتى لا يصبح السودان دولة فاشلة. السودان اليوم أصبح يدار من الخارج ويؤكد ذلك التوصيات الأخيرة لمجلس الدفاع الوطني التي أصبحت قرارات. وصفت تلك التوصيات بأنها تهيئ المناخ للحوار الوطني وهي في حقيقتها تدعو للعودة إلى مرحلة ما قبل إجراءات 25 أكتوبر ويعني ذلك عودة قحت مرة أخرى لممارسة السلطة تحت ضغوط خارجية وإغراءات اقتصادية لا يمكن لها أن تتحقق أبداً. قحت أصبحت هي الآلية التي تعتمد عليها القوى الخارجية في تنفيذ أجندتها الخاصة في تقسيم السودان إلى دويلات صغيرة مجزأة ومفككة. المخطط الدولي الديناميكي الساعي بقوة لتقسيم السودان أصبح اليوم يتحرك بقوة بعد أن كان تحت نظام الحكم السابق يتحرك على نار هادئة لأن ساسة النظام السابق كانوا يعرفون من هم أعداؤهم وما هي مخططاتهم وما هي الوسائل التي يتبعونها لتنفيذ تلك المخططات. ساسة النظام السابق رجال دولة من طراز فريد وطنيون وصادقون ومخلصون في العمل. أدركوا بحسهم الأمني والسياسي أن السودان مستهدف في موارده وثرواته وفي موقعه الجيوبولتيكي المتميز فأعدوا عدتهم لمواجهة ذلك الاستهداف الخارجي عن طريق إعداد القوة فأنشأوا قوات الدفاع الشعبي التي حولت الدفاع عن الوطن إلى هم شعبي وليس وقفاً على الجيش لوحده فقط كما أنشأوا الخدمة الوطنية التي حافظت على قومية الجيش ودعمته بكوادر شبابية كما أعدوا كتائب المجاهدين والدبابين. بهذا الإعداد القوي والمتين أفشل ساسة النظام السابق عمليات شد الأطراف المشهورة التي خططت لها أمريكا جيداً وأشركت فيها كل الدول التي تقع في نطاق الأمن المباشر للسودان. عند انطلاق عمليات شد الأطراف طلبت مادلين أولبرايت وزيرة خارجية أمريكا السابقة من قادة المعارضة العودة ليحكموا بلادهم. صمود الجيش وثبات المجاهدين والدبابين وقوات الدفاع الشعبي والأجهزة الأمنية أفشل تلك العمليات وأجبر ذلك الفشل أمريكا لتغيير سياستها في إسقاط النظام عن طريق العمل العسكري المدعوم خارجياً إلى العمل على إسقاطه عن طريق اتفاقيات السلام المشبوهة ومن هنا جاءت اتفاقية نيفاشا الكارثة. انفصال الجنوب تم عن طريق اتفاقية سياسية يسأل عنها الساسة ولم يتم الانفصال عن هزيمة عسكرية. الآن يتكرر ذات المشهد ولكن بصورة مغايرة تماماً حيث أن قحت ذهبت تبحث عن السلام في جوبا وهي لا تملك عناصر القوة لأنها حلت قوات الدفاع الشعبي وجمدت الخدمة الوطنية واستعدت الجيش والأجهزة الأمنية وشردت الخدمة الوطنية. ذهبت قحت لسلام جوبا وهي في حالة ضعف تام فوقعت على اتفاقية سلام جوبا وهي غير قادرة على تنفيذها لأنها كانت تسعى فقط لإضعاف الجيش وتسريحه تنفيذاً لضغوط خارجية لأن الجيش وقف سداً منيعاً ضد مخطط تقسيم السودان. قحت سعت لتحقيق السلام عبر وسيط غير محايد وغير صادق في تحقيق السلام.

المسارات التي تضمنتها اتفاقية سلام جوبا هي من صنع هذا الوسيط والقصد منها أن تصبح قنابل موقوتة يتم تفجيرها في الوقت المناسب كما يجري حالياً في الشرق والوسط والشمال. جوبا لو كانت صادقة في تحقيق السلام كان في إمكانها إجبار الحلو لأنه جنرال في الجيش الشعبي التابع لها وإجبار عبد الواحد محمد نور الذي يأتيه الدعم العسكري الخارجي عن طريقها. جوبا لو كانت صادقة كان بإمكانها إجبارهما على التوقيع على سلام جوبا. الفرقة التاسعة والفرقة العاشرة جنودهما من شمال السودان من قبيلة النوبة وقبيلة الأنقسنا وقادتهما من الدينكا. جوبا لم تفك ارتباطها بالفرقتين لأنها استخدمتهما كمنطقة عازلة بينها وبين شمال السودان. جوبا صرحت بأن أي حرب قادمة بين الشمال والجنوب سيكون مسرحها شمال السودان ولهذا احتفظت بالفرقتين لاستخدامهما كمنطقة تأخير عدائية ضد الجيش السوداني في حالة تقدمه جنوباً. قادة الجيش الشعبي صرحوا علانية بأن الجيش السوداني إذا تمكن من اختراق منطقة التأخير العدائية فإنه سوف يصبح منهكاً وعاجزاً عن مواصلة تقدمه جنوباً وسيصبح لقمة سائغة للجيش الشعبي بدون ان يطلق عليه طلقة واحدة ويقوم باستلام أسلحته ومعداته كغنائم حرب. وبالعودة لمجلس الدفاع الوطني فإنه عبارة عن مجلس استشاري غير متفرغ ولا مقر ثابت له ويعقد جلساته داخل وزارة الدفاع في حالات الطوارئ الخطيرة. لقد سبق لي أن حضرت جلسة لمجلس الدفاع الوطني بحكم مسؤوليتي عن الجبهة الشرقية التي شهدت خلال تلك المرحلة اختراقاً من الجيش الإثيوبي حتى منطقة جبل اللكدي والآن يتكرر ذات المشهد بمنطقة الفشقة. خلال تلك المرحلة التي أشرت لها سابقاً كادت  تقع الحرب بين السودان وإثيوبيا لولا حكمة وزير الدفاع الفريق أول عبد الماجد حامد خليل رحمه الله الذي دعا مجلس الدفاع الوطني للانعقاد عاجلاً لمناقشة اختراق القوات الإثيوبية للحدود السودانية. انعقد مجلس الدفاع الوطني الذي كان يتكون خلال تلك المرحلة من رئيس الجمهورية كرئيس للمجلس ووزير الدفاع ووزير الخارجية ووزير المالية ووزير الإعلام. بعد التنوير الاستخباري والعملياتي للمجلس أشار رئيس الجمهورية إلى أن هذه مشكلة بسيطة يمكن معالجتها مع الرئيس الإثيوبي وطلب من الرشيد الطاهر بكر وزير الخارجية أن يعقد لهم قمة ثنائية مع الرئيس الإثيوبي على هامش القمة الأفريقية المنعقدة في منروفيا. تم تجاوز الأزمة بواسطة الرئيسين حيث أوضح الرئيس الإثيوبي للرئيس نميري بأنه لا توجد نوايا عدوانية ضد السودان وما قامت به قواتنا كان القصد منه تأمين المشاريع الزراعية التي يقوم بزراعتها المزارعون الإثيوبيون داخل الحدود السودانية لحمايتها من نشاط الشفتة الأريترية التي كانت تنشط خلال تلك الفترة. بعد اكتمال عملية الحصاد انسحبت القوات الإثيوبية من الأراضي السودانية. بعد ترقيتي إلى رتبة الفريق أصبحت عضواً في مجلس الدفاع الوطني. يبدو أن توصيات مجلس الدفاع الوطني الأخيرة قد صدرت بدون تنوير أمني والمؤشر على ذلك أن التوصيات تضمنت مطالب المبادرة الأممية كما تضمنت مطالب الاتفاق السياسي الموقع بين البرهان وحمدوك في 21 نوفمبر التي نادت بإطلاق سراح المعتقلين ورفع حالة الطوارئ. الذي حدث بعد الاتفاق السياسي المشار له أعلاه أن تم إطلاق سراح المعتقلين لتهيئة المناخ للحوار الوطني ولكن الذي حدث أن عاد من تم إطلاق سراحهم إلى ممارسة نشاطهم العدائي السابق. توصيات مجلس الدفاع الوطني تعيد الأزمة إلى المربع الأول وتعيد إنتاج الأزمة مستقبلاً. فولكر يسعى لعودة قحت لممارسة السلطة حتى يتسنى لها تنفيذ المخطط الخارجي المرسوم لتقسيم السودان بواسطة أبنائه. مجلس الدفاع الوطني يدرك جيداً بأن من أوصى بإطلاق سراحهم هم معتقلين لارتكابهم مخالفات جنائية تتعلق بالحق العام الذي يفصل فيه قرار القضاء وليس قرار سلطة تنفيذية أو سيادية حتى ولو كانت منتخبة ناهيك عن تسوية سياسية يسعى مجلس الدفاع الوطني لتحقيقها!!البرهان مارس هنا مبدأ الشوري في اتخاذ قراراته الأخيرة . حالة الانفلات الأمني التي تعيشها البلاد كانت تتطلب من مجلس الدفاع الوطني بحكم مسؤوليته عن الحفاظ على الأمن الوطني أن يوصي بتفعيل قانون الطوارئ بدلاً من إلغاء حالة الطوارئ لتهيئة المناخ لوفاق وطني لا يمكن أن يتحقق تحت حالة الاحتقان السياسي الراهنة وانسداد الأفق السياسي والجمود السياسي وخطاب الكراهية وسياسة الاقصاء. مجلس الدفاع الوطني يدرك أن التظاهرات الراتبة غير سلمية وهي تسعى لإسقاط النظام القائم وتقف قحت خلف هذه التظاهرات لتبرهن للعالم الخارجي بأنه ليس هنالك استقرار سياسي في السودان لتهيئة الظروف للتدخل الخارجي. خلاصة القول: كل ذلك يؤكد أن إطلاق سراح المعتقلين ورفع حالة الطوارئ تم تحت ضغوط سياسية خارجية وإغراءات اقتصادية لا يمكن تحقيقها أبداً. حالة الانفلات الأمني التي تشهدها البلاد حالياً كانت تتطلب من مجلس الدفاع الوطني أن يوصي بتفعيل قانون الطوارئ وليس إلغائها كما إن إطلاق سراح المعتقلين جنائياً سيشعل حالة الانفلات الأمني لإفساح المجال للتدخل الخارجي تحت دعاوى حماية المواطنين من عنف الدولة القانوني . كل الدول تملك عناصر العنف القانوني وتستخدمه عند الضرورة للحفاظ علي كيانها والدولة التي لا تملك هذه العناصر تعتبر دولة فاشلة . ختاماً: المشهد السياسي العبثي الحالي يتطلب الإسراع في تشكيل حكومة مركزية قوية قبل إعلان السودان دولة فاشلة. وبالله التوفيق.

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف توصيات مجلس الدفاع الوطني.. تهيئة للحوار أم ضغوط خارجية؟!!





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى