الإقتصاد

تحرير  أسعار الدواء … كارثة “الغلابة”…!!


الخرطوم: نجلاء عباس –  هالة حافظ

تباينت آراء الخبراء والمختصين بالشأن الدوائي وخبراء الاقتصاد حول قرار تحرير الدواء مابين مؤيد ومعارض لجهة ان يحسم كثيرا من الفوضى في الادوية وايقاف الحرامية والمستفيدين من الدعم حاليا بحسب وصف احد  مستوردي الادوية بينما رأى آخرون  انه قرار كارثي  وله تبعات على محدودي الدخل وشددوا على اهمية اجراء اصلاحات ضرورية في الضمان الاجتماعي والصحي قبل اعلان تلك السياسة ورهنوا وقف تهريب الدواء المدعوم لدول الجوار بإلغاء الرسوم الجمركية على الادوية والامصال المنقذة للحياة ومدخلات الإنتاج للصناعات الدوائية.

أس البلاء
وقال  احد مستوردي الادوية فضل حجب اسمه لـ(الإنتباهة) انه لا يوجد قرار صدر حتى اللحظة ينص بتحرير سعر الادوية واضاف انه منذ فترة وضع مقترح يحوي بضرورة توجيه الدعم للمواطن دون تدخل جهات اخرى تستفيد من الدعم لافتا الى ان الادوية تصل الامدادات الطبية ومنها للمستشفيات والمراكز الصحية ولكن بعض الممرضين هم اس البلاء اذ انهم يبيعون الادوية المدعومة ويستفيدون منها مما يجعلها لا تصل الى المواطن المحتاج الامر الذي اخرج ضرورة  وضع خطة  محكمة وهو توجية الدعم الادوية عبر مظلة التأمين القومي وبذلك يكون كل مواطن وصله الدعم عن طريق صرف الادوية بالبطاقة مشيرا الى ان تطبيق هذه الخطة سوف تحسم كثيرا من فوضى فساد الادوية وسلسلة ( الحرامية المستفيدين من الدعم حاليا) وقال ان ما صدر من انباء بتحرير سعر الادوية لا شك ان الهدف منه تصفية حسابات سياسية ولكن المهم في الامر هو ان يتمتع المواطن بحقه كاملا خاصة في المجال الصحي .

أسوأ الأوضاع
وفي جولة اجرتها (الإنتباهة ) حول عدد عشوائي من الصيدليات في امدرمان اجمع الصيادلة على ان الوضع لا يحتمل اي قرارات جديدة خاصة في قطاع الادوية التي هي منقذه لحياة الكثيرين ولفتوا الى انه بعد خروح عدد كبير من الشركات عن الاستيراد ارتفعت  اسعار الادوية وانكوى المواطن بنارها وقالوا ان كل الادوية تضاعفت اسعارها من (البندول وحتى الادوية المتفذة للحياة) لا سيما انعدام عدد كبير من الادوية وتوقف انواع معينة من الشركات ودخول بديل لها واشاروا الى ان المواطن لا يقتنع بالادوية البديلة بالساهل واكدوا انه اذا تم تحرير الأسعار اكثر مما هو عليه فسوف تسوء الأوضاع كثيرا وسيصعب وقتها السيطرة على القطاع ككل.

مصطلح مضلل
وأكد الخبير الاقتصادي   كمال كرار على أن فكرة تحرير سعر الدواء ليست جديدة وتم ذلك منذ اتفاق صندوق النقد الدولي في العام ٢٠٢٠ وذلك برفع الدعم عن الأدوية والكهرباء والمشتقات النفطية، وأوضح في حديثه لـ(الإنتباهة) أن وزارة المالية تسير الآن على نفس النهج، وأوضح أن كلمة تحرير سعر الدواء مصطلح مضلل لجهة ان الدولة تريد أن تستجيب لشروط صندوق النقد الدولي برفع يدها عن كل شيء بما في ذلك الأدوية المنقذة للحياة والسلع الضرورية وهذا يعني أن الاقتصاد في قبضه الحرامية والطفيلية وأنهم المتحكم الأساسي في سعر الدواء في السوق الأسود وعلى ضوء هذا السعر كل الواردات والسوق المحلي سيخضع لمشيئة هؤلاء الطفيلية واردف اما مايتعلق بالدواء فإنه يجب أن لايكون سلعة خاضعة للمضاربة وان تراقبه الدولة وان يتم توفيره بأسعار مخفضة باعتبار أن الدواء مهم للفقراء والاغنياء على حد سواء، مشيرا إلى أن  الدولة في السابق كانت تعمل على عدم وضع تسعيرة خاصة للادوية بضغوط من مافيا الصحة سواء موردين للأدوية او متعاونين في تجارتها وتابع :  هذه القرارات تشبه هؤلاء الانقلابيين  بالضغط   والاستجابة لمطالب تجار السوق الأسود والطفيلية، وجزم بأنه لايهمها المواطن وتوفر الدواء او عدمه ،  واردف من لمن يمت بالرصاص في الشارع سيموت بسبب انعدام الدواء وارتفاع سعره .

أصل القضية

فيما كشف وزير الصحة الاتحادية د.هيثم محمد ابراهيم في الجلسة الافتتاحية للورشة, عن شروع الوزارة في تطبيق السياسات الصحية لتقوية النظام الصحي والمحددات الصحية ليسهم في تقليل العبء على المواطن، مشددا على ترشيد الموارد وتوفير الخدمات في أقرب مكان له وتوطين الأطر الصحية والطبية مع التركيز على الولايات الأكثر هشاشة والشرائح الضعيفة .

وأكد هيثم,أن وصول الخدمات للمواطنين وبجودة عالية من أولويات وزارته وأولويات الحكومة الانتقالية، منبها إلى ضرورة التكامل والشراكات والعمل يدا بيد لتقديم الخدمات فضلا عن تفعيل الدور الرقابي بين كافة اضلاع القطاع الصحي لصالح صحة المواطنين.
 وقال هيثم،إن  بطاقة التأمين الصحي المدخل لربط المواطن بالخدمات، مطالبا بزيادة تمويل الصحة من 9% إلى 15% ومراجعة أنظمة التمويل الصحي بالسودان، موضحا أن الصحة ترتكز على 6 محاور أهمها التمويل لارتكاز بقية المحاور عليه، لافتا إلى أن الخدمات الصحية ذات تكلفة عالية ومستمرة منذ الولادة وحتى الوفاة ،مشيرا إلى أن  كثيرا من الدول يتم تخصيص نسبة عالية من ميزانيتها للصحة لدورها الكبير في ان يكون المواطن معافى ومنتجا، مؤكدا ان نظام التأمين الصحي متبع في كثير من الدول للمساهمة في تقديم خدمات طبية بجودة عالية مشيدا ببرنامج العلاج المجاني وفيه  تحملت الدولة تكلفة علاج المواطنين في البرامج المتخصصة (كلى ، قلب ، اورام ) مع توفير الدواء عبر الصندوق القومي للإمدادات الطبية .
من جانبه أكد وزير المالية والتخطيط الاقتصادي د. جبريل إبراهيم،السعي أن تكون كل الخدمات الصحية بصورة مرضية ومجانية، لافتا إلى أهمية الاستثمار في الكادر البشري من تأهيل وتدريب وتوفير المعينات لتحقيق الأهداف .
وأعلن جبريل ،زيادة في نسبة تمويل الصحة في موازنة العام 2023م داعيا إلى الاستفادة القصوى للموارد المالية المتاحة والاستخدام الأمثل لها ،موضحا أن وزارة الصحة الاتحادية من اكثر الوزارات حظا في نيل الدعم الخارجي عبر المنظمات الداعمه لها .
واشار،إلى ضرورة الاستفادة من تجارب الدول في طريقة إصلاح نظام التمويل الصحي ،موجها  بالاهتمام بتطبيق شعار الوقاية خير من العلاج وأهمية توجية الموارد المالية للوقاية للعائد الكبير للحد من الأمراض والوبائيات .
وخرجت الورشة بتوصيات وضمنت ضرورة تكوين مجلس رقابة واعتماد باشراف الوزير  الاتحادي،وضع سياسات واضحة لزيادة الإنفاق على الوقاية لتقليل تكلفة الصرف على العلاج، التركيز على قيمة وتعزيز رأس المال البشري على  النظام الصحي ، بجانب توفير الخدمات العلاجية المجانبة وتوزيعها بعدالة وتحويل بنود الدعم من الإمدادات الطبية إلى العلاج المجاني والتأمين الصحي ،واعتماد سعر الدولار المحرر في تسعير الدواء بواسطة الإمدادات الطبية لتحقيق الوفرة الدوائية واستدامتها وسداد ديون الإمدادات .
مع اهمية  توسيع مظلة التأمين الصحي بزيادة عدد المستهدفين، تعزيز حاكمية الصندوق في مجال الإمداد على مستوى المرافق الصحية، و إلزام جميع الجهات الحكومية بالشراء الموحد عبر الصندوق القومي للإمدادات الطبية لتحصل على أقل الأسعار عبر العطاءات المفتوحة .كما أوصت بتحويل اعتمادات الدواء المجازة في الموازنة في حساب الصندوق القومي للامدادات الطبية مباشرة، استخدام الموارد بشكل أمثل فضلا عن زيادة الانفاق الحكومي الموجه للصحة ليصل إلى (15%) من ميزانية الحكومة، بناء مراكز إحصائية ونظم لتوفير المعلومات الصحية لمعرفة حجم التمويل المطلوب ، ووضع إسترتيجية لتمويل الدواء وبذل الجهود لدعم صناعة الوطنية،و إصدار قرار بإلزامية تطبيق التأمين الصحي لكل الوحدات الحكومية .
إلغاء الجمارك :
ويؤكد الخبير المصرفي لؤي عبدالمنعم على أن قرار زيادة الإنفاق الحكومي على الخدمات الصحية في الموازنة إلى ١٥% قرار سليم حتى وان كان المطلوب رفع الإنفاق في هذا القطاع الحيوي و المهم إلى ٢٠% لمواجهة انتشار الاوبئة و الأمراض في مناطق مختلفة من السودان ، وأوضح في تعميم صحفي ” امس” ان الحديث عن الاعتماد كلياً على توسيع مظلة التأمين للتخفيف من آثار تحرير سعر الدواء يعتبر حديثا فضفاضا للاستهلاك الاعلامي لجهة ان التأمين الصحي يعتمد في جدواه الاقتصادية على الانتشار الافقي الواسع في حين أنه في  السودان محدود و يتركز في  اوساط العاملين في القطاع العام و الخاص في المدن الرئيسية و لا وجود له عملياً في الارياف و البوادي التي تشكل (٦٠%) من التعداد السكاني لذلك يخشى أن يتأثر قطاع التأمين الصحي سلباً بالقرار وزاد : اذا أرادت وزارة المالية الحد من تهريب الدواء المدعوم إلى دول الجوار عبر تحرير سعر الدواء عليها اولاً أن تلغي الرسوم الجمركية على الأدوية و الأمصال المنقذة للحياة و مدخلات الإنتاج للصناعات الدوائية تشجيعاً للصناعة الوطنية والتزاماً منها بتخفيف الضغوط على المواطنين و تحسين الخدمات المقدمة لهم ، و تخفيض الرسوم الجمركية على بقية الأدوية المستوردة لتصبح بنسبة ١% و المستهلكات الطبية بنسبة ١,٥% و المستحضرات الطبية بنسبة ٢% ، إلى جانب حشد التمويل المصرفي لدعم و توطين الصناعة الدوائية في السودان في ظل استقرار سعر الصرف نسبيا عقب سياسة التعويم الحر و ذلك بتكوين محفظة تمويل بإشراف بنك السودان تمثل نسبة ٧-٨% من إجمالي ارصدة التمويل المصرفي بنسبة أرباح تصل إلى ٢٥% لتمويل رأس المال العامل لفترة عام و ٢٢,٥% للتمويل لفترة ٦ أشهر و ٢٠% للتمويل لفترة ٣ أشهر.
فوضى الدواء
ويقول رئيس قسم الدراسات الاقتصادية بمركز الراصد الفاتح عثمان ان ورشة اصلاح النظام الصحي أشارت في توصياتها لتسعير الدواء وفق سعر الصرف المحرر اي وفق اسعار الصرف للجنيه السوداني التي تعلنها المصارف واكد في حديثه لـ(الإنتباهة) أن هذه التوصية تعتبر مهمة  لانهاء فوضى اسعار الدواء الحالية اذ ان اي دواء له عدة اسعار في كل صيدلية بينما المطلوب تسعير الدواء وفق سعر الصرف للجنيه السوداني في البنوك وكتابة سعر علبة الدواء على الصندوق لانهاء حالة الجدال حول سعر الدواء.
لكن ينبغي ان لا يؤثر تطبيق تلك التوصية على ما تقدمه الحكومة من دعم لعلاج الامراض الخطيرة المكلفة مثل السرطان والفشل الكلوي وعلاج الملاريا وحالات الطوارئ لان تلك قضية مختلفة تماماً عن قضية تسعير الدواء ويجب تطوير التوصيات لتشمل محاربة الدواء المغشوش والعمل على الاستفادة من تجربة مصر في تخفيض اسعار الدواء من دون دعم عبر توطين صناعة الدواء والشراء من الشركات الأجنبية ذات الجودة والاسعار المنخفضة مثل الشركات الهندية والتعامل مع المنظمات الدولية لتوفير الدواء بأسعار معقولة أو مجاناً للأمراض المستوطنة مثل الملاريا والسل.
وعليه تعتبر توصية ورشة اصلاح النظام الصحي بتسعير الدواء وفق سعر الصرف للجنيه السوداني في البنوك توصية ممتازة حال تم تطبيقها بشكل سليم.
تبعات كارثية
وقال الخبير الاقتصادي محمد نور كركساوي ان سياسة تحرير الاقتصاد ضرورية ولكنها يجب أن تراعي دعم الطبقات الاجتماعية المتأثرة بالتحرير دعماً مباشراً لجهة ان تحرير الدواء له تبعات كارثية على محدوي الدخل ولذلك يجب عمل إصلاحات هامة وضرورية في القطاع الصحي والضمان الاجتماعي قبل اعلان سياسة  تحرير الدواء كالتالي: اولا يجب توسيع مظلة التأمين الصحي لتشمل ٧٠% من المواطنين بناءً على نسبة احصاء معدلات الفقر بالسودان إلى جانب تحسين محتوياته ونوعيته فضلاً عن رفع سقوفات الحد الأعلى للتأمين الصحي.
واشار في حديثه لـ (الإنتباهة) الى أن تحرير سعر الدواء عقب تعويم العملة الوطنية  وما تبعها من زيادات فلكية على أسعار الأدوية لزيادة اختلال موازنات المواطنين خاصة عند الحاجة لتلقي العلاج ولفت إلى أن السبب في تفاقم حدة الأزمة عجز الحكومة عن تحسين الوضع الاقتصادي وللتدليل على قساوة الإجراء على المواطنين خاصة أصحاب الدخل المحدود مشيرا إلى أن فاتورة ادوية لعلاجات قليلة قد تستنزف راتب الشهر بأكمله، ويزداد الأمر صعوبة لتوفير العلاجات الثابتة لأصحاب الأمراض المزمنة، مع الوضع في الاعتبار عدم كفاية الراتب حتى للمعيشة.

بعد-ارتفاع-معدلات-الانتشار-الإدمان-في-السودان-…شباب-على-حافة تحرير  أسعار الدواء … كارثة “الغلابة”…!!



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى