أخبار السودان

بين (ثالوث) (الشارع) و (العسكر) و (القوى السياسية)


تقرير: هبة محمود
على متكأ الانتظار كان الجميع يرنو نحو مالآت مليونية الـ (٣٠) من يونيو في ذكراها الثالثة، وما يمكن أن تحمله معها من تغيرات على خريطة المشهد المأزوم، قبل أن تنقسم التوقعات وقتها ما بين متفائل ومتشائم وآخر يراقب عن كثب في ظل ضبابية الرؤية وعتامة الموقف. وبقدر الاستعدادات كانت الاحترازات الأمنية، سيما أن المليونية تأتي وسط تعقيدات في الموقف السياسي وتعثر في كيفية الوصول إلى تفاهمات بين الساسة والعسكر عقب انقلاب (٢٥) أكتوبر، وفيما يذهب مراقبون إلى نجاح مليونية امس الاول وقدرتها على بث الخوف داخل العسكر من كلمة الشارع، يرى بالمقابل البعض الآخر أن الحصاد كان (مراً) على جميع الأطراف، فالمعركة الكل فيها خاسر، وأن المرحلة تتطلب توافقاً يحقن الدماء ويعبر بما مضى من فترة الانتقال العصيب، غير أن الأوضاع تمضي في اتجاه التصعيد المفتوح وفق ما أعلنت تنسيقيات لجان المقاومة أمس. ولعل أخطر ما يميز (٣٠) يونيو وفق مراقبين تزامنها مع حوار مباشر بين أطراف الأزمة، فهل تكون بداية لعهد جديد؟
الحكم على أنهر الدماء
يبدو أن مليونية الثلاثين من يونيو ستضع حداً فاصلاً في المشهد السياسي. هكذا يرى كثير من المراقبين، عقب خروج مئات المتظاهرين أمس الأول في تظاهرات (30) من يونيو الرافضة لانقلاب البرهان في (٢٥) من أكتوبر الماضي، والتي تأتي في  إطار الجدول التصعيدي الثوري لشهر يونيو. وفيما تظاهر المئات من المحتجين السلميين تلبية لدعوة لجان المقاومة للمليونية، أعلنت بالمقابل كثير من القوى السياسية الموالية للانقلاب خروجها احتفالاً بذكرى اول مليونية عقب فض الاعتصام في (30) من يونيو ٢٠١٩م.
ودارت اشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن استطاع على اثرها المتظاهرون كسر الطوق الأمني والوصول لشارع القصر عقب إزاحة الحاويات، قبل أن تطلق الشرطة الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت والرصاص المطاطي والحي التي سقط جراءها عدد من القتلى. وترفض لجان المقاومة وتجمع المهنيين وبعض قوى الثورة الحكم  العسكري، وقد رفعت لافتات منددة بالحوار مع المكون العسكري ومؤيديه من المدنيين.
وطالب المتظاهرون بتسليم السلطة للمدنيين ومحاسبة قتلة المتظاهرين وإخراج المؤسسة العسكرية من السياسية والحكم، ويصف كثير من المتابعين تشبث المكونات العسكرية والمدنية بالحكم، بالحكم على انهر الدماء.
السيناريو الأسوأ
ومنذ انقلاب (٢٥) أكتوبر الماضي، والمواكب الرافضة تخرج بانتظام لاسقاطه، في وقت يتمسك فيه المتظاهرون باللاءات الثلاث، في مواكب معلنة من قبل لجان المقاومة المركزية، وحسب جدول تصعيدي معلن.
وتعيش البلاد لنحو ثمانية أشهر منذ الانقلاب أزمة اقتصادية خانقة ووضعاً سياسياً مضطرباً وسط مقاطعة المجتمع الدولي ووقف التعامل مع السلطة الحاكمة، وهو ما يراه مراقبون وضعاً مخيفاً ينذر بالسيناريو الاسوأ، وهي الحرب الأهلية واندلاع الفوضى. ويؤكد المحلل السياسي خالد البشير في حديثه لـ (الانتباهة) أن مليونية (٣٠) يونيو كانت أكبر مما هو متوقع له، وَتنذر بخطورة يجب على القائمين على الأمر إدراكها، وهي أن الشارع محطة مهمة لا يمكن تجاوزها في الحوار.
وفيما جددت الآلية الثلاثية المشتركة بين الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والايقاد تأكيدها على التزامها بدعم وتسهيل حل سوداني القيادة والملكية للأزمة لاستعادة النظام الدستوري والتحول الديمقراطي، يرى البشير أن اي حوار يتخطى الشارع فهو يصب في خانة العبث.
خيبة أمل
وجراء حالة القمع المفرط الذي صاحب مليونية (٣٠) يونيو وقتل المتظاهرين واغلاق الجسور وقطع شبكات الانترنت والاتصالات، فقد أعلنت تنسيقيات لجان المقاومة عن تصعيد مفتوح.
وقد أدانت الآلية الثلاثية استخدام القوة من قبل قوات الامن خلال التظاهرات مما ادى الى سقوط تسعة ضحايا واصابة آخرين. وقالت الآلية في بيان لها ان تقييد شبكة الانترنت والهاتف المحمول يعتبر انتهاكاً لحرية التعبير والوصول الى المعلومات. واعربت عن خيبة املها اثر استمرار استخدام القوة من قبل قوات الامن وانعدام المساءلة. ودعت في البيان السلطات السودانية الى اتخاذ جميع التدابير اللازمة لوقف العنف والاعتقالات واحترام الحق في حرية التعبير.
وبحسب المتحدث الرسمي لتجمع المهنيين د. الوليد علي لـ (الانتباهة) فإن مليونية (٣٠) يونيو لن تكون سدرة المنتهى للثورة السودانية، وسوف تستمر حتى إسقاط الانقلاب واستعادة الحكم المدني لثورة ديسمبر المجيدة التي اطاحت بنظام الرئيس المعزول عمر البشير. ويشدد الوليد على عدم الجلوس إلى العسكر الا في حالة واحدة وهي استلام السلطة منهم.
حالة اختلال
ولأول مرة تجد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها أمام حالة اختلال في التعاطي مع راهن البلاد المعقد، إن صح التعبير، فبقدر حالة الغضب جراء الأحداث التي صاحبت المليونية وسقوط عدد من القتلى، الا ان الارتهان إلى ضرورة الحوار يظل هو الحل، بحسب ما دعت اليه عبر سفارتها بالخرطوم جميع الأطراف لاستئناف المفاوضات، وقالت عبر صفحتها الرسمية على (فيسبوك) انها تدعو الأصوات السلمية للارتقاء فوق أولئك الذين يدافعون عن العنف أو يرتكبونه، وتابعت قائلة: (يجب محاسبة الجناة). وأضافت قائلة: (نشعر بالحزن إزاء الخسارة المأساوية في الأرواح، ونعرب عن خالص تعازينا لأسر الضحايا). وبحسب المحلل السياسي خالد البشير لـ (الانتباهة) فإن الولايات المتحدة الأمريكية ترفع شعارات المدنية والديمقراطية للداخل الأمريكي فقط، وان مصلحتها في السودان أوضحت حجم اكذوبة شعارها المرفوع، مشيراً إلى تهافتها نحو الخرطوم وتنافسها مع روسيا عقب أن فشلت مساعيها في فرض عقوبات عليها، فما كان أمامها الا ان تقوم بوساطة تحقق لها مسعاها.
دعوات للتحقيق
وعلى غرار دعوات الولايات المتحدة الأمريكية، فقد دعت السفارة البريطانية في الخرطوم السلطات إلى إجراء تحقيقات كاملة وشفافة في جميع عمليات قتل المتظاهرين منذ (٢٥) أكتوبر، وعدم الإفلات من العقاب والقتل. وقالت في بيان لها: (لقد روعتنا الخسائر في الأرواح في الاحتجاجات)، وناشدت جميع أصحاب المصلحة السودانيين الاستماع إلى التطلعات التي أعرب عنها المتظاهرون في جميع أنحاء السودان من أجل السلام والعدالة والديمقراطية، ولا ينبغي فقدان المزيد من الأرواح.
وبحسب لجنة أطباء السودان المركزية فقد ارتقى تسعة شهداء في مليونية (٣٠) يونيو، ليصبح عدد الشهداء الكلي منذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر (١١٣) شهيداً.
وفق شروط
ويذهب خبراء إلى أن تداعيات الـ (٣٠) من يونيو أعادت خطوات الحوار الى الوراء، عقب تهيئة المناخ واطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإلغاء قانون الطوارئ كخطوة استباقية للحوار، الأمر الذي تراه مركزية التغيير غير كاف للجلوس مجدداً، وتتمسك بمطالب الشارع بابعاد العسكريين من العملية السياسية والعودة إلى ثكناتهم، وهو ما يرفضه العسكر الا وفق توافق وطني شامل او صناديق الاقتراع.
وكان رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان قد استبق المليونية مؤكداً أن الطريق الوحيد لحكومة وطنية مدنية إما بالتوافق الوطني الشامل أو الذهاب إلى الانتخابات، وليس بالدعوات إلى التظاهر والتخريب.
وقال خلال كلمته أمام القوات الخاصة، إن القوات المسلحة لن تتهاون في واجب العمل على تحقيق واستدامة أمن واستقرار البلاد، وإنها تتطلع إلى اليوم الذي ترى فيه حكومة وطنية منتخبة تتسلم منها عبء إدارة البلاد.
مكاسب
ومن جانبه يرى حزب المؤتمر السوداني أن مليونية الـ (٣٠) من يونيو حققت العديد من المكاسب الحقيقية، في مقدمتها استعادة الكتلة الجماهيرية الحرجة وتوحيد صفوفها، كما أن ترجيح كفة الحراك المدني الجماهيري المقاوم ضد معسكر الانقلاب واذياله بات واقعاً.
غير ان المحلل السياسي نصر الدين بابكر يرى أن (٣٠) يونيو لم تحقق مكاسب، مؤكداً في حديثه لـ (الانتباهة) ان المجتمع الدولي لم يلعب دوراً إيجابياً في تحويل المليونية لمكاسب للشعب السوداني، وذلك من خلال ردة الفعل السريع تنديداً بالقتل، وهذا يعطي إشارة سالبة وقوة دفع للقوى المتمنعة بالمزيد من الرفض، وتابع قائلاً: (كنت اتوقع أن يتعامل المجتمع الدولي بعقلانية ويوجه الثوار الى أن (٣٠) يونيو يجب أن تكون خياراً للحوار وليس التشدد في ظل مناخ حوار لم يكتمل بعد).

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف بين (ثالوث) (الشارع) و (العسكر) و (القوى السياسية)





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى