أخبار السودان

بعد 67 عاماً من الاستقلال الدائرة الجهنمية للحكم.. متى ستنتهي ؟


 
تقرير : محمد جمال قندول

67 عاماً من استقلال البلاد عن الاستعمار البريطاني، عمر طويل ومديد ومع ذلك يرى كثيرون أن الاستقلال لم يتحقق حتى هذه اللحظة ولم يتنزل على ارض الواقع بمعافاة السودان ارضاً وشعباً من الظلم والقهر وهو يعيش في حالة تناحر سياسي وصراع قبلي في شتى انحاء البلاد يضاف الى ذلك الوضع الاقتصادي المأزوم لا يبشر بغد افضل، ترى لماذا اتسعت الدائرة الجهنمية ( انقلاب عسكري يعقبه نظام ديمقراطي تعددي ثم انقلاب مرة اخرى …وهكذا) ، واحاطت ببلادنا التي تعتبر سلة غذاء العالم ويشقها النيل (حدادي .. مدادي) .
واللافت انه وبعد 67 عاماً يعيش السودان ازمة سياسية لم تتحقق معها الشعارات البراقة (حرية وسلام وعدالة) ليتجدد السؤال الى اين تمضي الاقدار بـ البلاد ولماذا اتسعت الدائرة الجهنمية ؟!!
إقحام الجيش
وبالامكان استعارة البيت الشعري المصاحب لـ الاعياد والقائل (باي حال عدت يا عيد ) للتعبير عن راهن الحال فالاوضاع ليست بالمبشرة بعد مضي اكثر من 67 عاماً على الاستقلال الذي بمجرد معاصرة السودانيين لـ لاحتفاله السنوي يتقافز لـ الذهن (ثم ماذا بعد !!) .
وبدا واضحاً بان الاجابة على هذا التساؤل تقودنا الى اجابة واحدة وموجزة بـ(العبث) الذي لازم عدم ترتيب شكل وملامح الدولة السودانية المستقلة وهو أمر قاد لاحقاً الى صراع وتناحر بل وذهبت القوى السياسية الى ابعد من ذلك بان أقحمت المؤسسة العسكرية في صراعاتها في السباق نحو السلطة وبالتالي كان الجيش هو الرافعة لاي تنظيم وصل للسلطة بالقوة .
مراقبون اعتبروا بان الجيش اُقحم بالعملية السياسية واخرون يذهبون الى ان القوات المسلحة (استُغلت) ليس لرغبة منه في الحكم ولكن لانتشال البلاد من الازمات السياسية والاقتصادية في اكثر من مرحلة وهو أمر قاد الى الصراع المستمر حول (السلطة) من المدنيين مما افضى الى حروب وصراعات قبلية ومن ثم تواصل مسلسل التردي السياسي وتوسع الدائرة الجهنمية باقحام القبائل بهدف الوصول للسلطة بجانب تمدد مساحة عدم تقبل الاخر والاتفاق على الهوية السودانية اياً كان شكلها هو أمر انعكس سلباً على الراهن الاقتصادي بكل حقب الحكم التي تلت الاستقلال .
مراجعات حقيقية
ما هو المطلوب؟ .. هو ايضاً سؤال يتجدد مع بزوغ فجر الاول من يناير كل عام عن امكانية احداث اختراق في شكل الدولة السودانية ولكن قطعا من وثمة مع ذكرى الاستقلال المجيد وبعد كل هذه السنوات التي تقترب من العقد السابع ان تتم مراجعة حقيقية من النخب والقوى السياسية ليكون اساسها السودان لكل السودانيين وان يكون الطريق للسلطة عبر صناديق الاقتراع لا صناديق الذخيرة.
ويرى الباحث في التاريخ والكاتب الصحفي صلاح عبد الحفيظ بان الاستعمار واجه ثلاثة محاور كانت مفصلية اولها اضراب طلاب كلية غردون ثم ثورة 1924م المعروفة باللواء الابيض عطفاً على حركة العمال في عطبرة والتي برزت كاطول اضراب واستمر لـ مدة 42 بجانب الادوار المهمة التي لعبتها الصحافة السودانية في رفع الوعي الوطني ومنهم كتاب صحفيون مثل حسن نجيلة واحمد يوسف هاشم وعلي حامد وامتد لاحقاً لاضراب الصحفيين سنة 46 بقيادة سعد الدين فوزي واحمد يوسف هاشم وعبد الله رجب
غير ان محدثي اشار الى ان صراعات المثقفين والنخب والتي بدأت منذ تكوين مؤتمر الخريجين في فبراير من العام 1938م هي التي افتتحت الدائرة الجهنمية التي واجهت الاستقلال حيث وصل لذروته في زيارة رئيس الوزراء المصري علي ماهر باشا سنة 40م وحينها انقسم المؤتمر لـ جناحين واحد ينادي بالوحدة بمصر والاخر يطالب الاستقلال التام عن بريطانيا بعيداً عن مصر والصراع وهو ما افضى لاحقاً لتأسيس الاحزاب السودانية بحزبي الاشقاء والامة ومنها ظلت البلاد رهينة لـ الصراع السياسي والانقسام، ويواصل الكاتب والمؤرخ صلاح عبد الحفيظ في حديثه قائلاً بان الانقلابات العسكرية برزت كاحدى المعضلات التي واجهت البلاد منذ الاستقلال واضرت بوسيلة العمل السياسي والتي بدأت بعملية التسليم والتسلم بين الفريق عبود ورئيس الوزراء عبد الله خليل نوفمبر 58 ثم انقلاب مايو 59 بقيادة المشير الراحل جعفر نميري وانقلاب الانقاذ يوليو 89 ، وتابع بالقول : الملاحظ ان اي انقلاب جاء بعد تسيد حزب الامة المشهد باغلبية ورئيس الوزراء ينتمي اليه بجانب اسباب اخرى مثل التردي الاقتصادي والصراعات السياسية وحرب الجنوب التي اشتعلت بعهد الحكومات العسكرية وغياب الرؤية الاستراتيجية لادارة الدولة.
أحزاب .. عسكر
الخبير الاعلامي البروفسير علي شمو يرى بان الدائرة الجهنمية التي تواجه البلاد منذ الاستقلال بدأت منذ سقوط حكومة عبد الله خليل ويرفض شمو وصفها بـ الانقلاب بوصفها بعملية تسليم وتسلم ومنها بدأت حكاية (احزاب .. عسكر ) ويمضي محدثي في افاداته ويقول بان الجيش كمؤسسة كانت رافضة بان تستلم السلطة من عبد الله بك خليل وان تدخلات القوات المسلحة بكل الفترات كانت بسبب اقحامه من قبل السياسيين .
ويواصل البروفسير علي شمو في تعليقه على معرض الطرح لـ (الانتباهة) ويروي حكاية بداية الدائرة الجهنمية قائلاً : حدث الانشقاق في الاتحاديين وناس ازهري استمروا باسمهم الوطني الاتحادي وخاضوا به الانتخابات وحازوا على 53 من 97 في البرلمان الاول كاول واخر حزب يحكم منفرداً ثم واصلوا حتى نالت البلاد الاستقلال وزاد شمو : وبعد تشكيل حكومة الازهري تم تعيين خمسة اعضاء لمجلس السيادة بواسطة الحزب الاتحادي واستمر ازهري حاكماً وبعد ثلاثة اشهر من الاسستقلال طالبت الاحزاب بحكومة ائتلاف ولبى الازهري طلبها ثم حدثت خلافات ادت الى انشقاق في حزب الاتحاديين باسم حزب الشعب الديمقراطي تحت مظلة الختمية وكان ولاؤه لمصر ثم لاحقاً شكلت حكومة ائتلافية بين حزب الشعب وحزب الامة وكان اول ائتلاف بين السيدين وبعدها جاءت انتخابات سنة 58 كاول انتخابات واخذ حزب الامة الاغلبية بـ 102 نائب وحزب الازهري 65 ثم قام المصريون بعقد مصالحة بين الاتحاديين ليكتسحوا حزب الامة بالانتخابات ولكن الامة وعبر سفير البلاد بالقاهرة الذي كان ينتمي اليهم وهو يوسف التني نقل كل مؤامرة المصريين لـ عبد الله خليل والذي بدوره ذهب لعبود ليستلم السلطة وكان رد الفريق عبود عليه : دا ما شغلي، انا مسؤول من دستور البلد وامنها وسلامتها ولكن وبواسطة الرجل الثاني بعد عبود وهو ضابط اسمه اللواء احمد عبد الوهاب ساهموا بضغط عبود حتى وافق وكانت خطة عبد الله بك خليل بان تعود اليه السلطة بعد 6 او 7 اشهر ولكن الجيش “استحلا القصة” واستمروا وحكموا 6 سنوات ومنها بدأت الدائرة الجهنمية واردف شمو بالقول: الجيش لو ما عبد الله خليل قال ليهو استلم ليفوت الفرصة على الشعب بالديمقراطية ما كان دخلها عسكري.
ويواصل الخبير الاعلامي البروفسير علي شمو في سرد افاداته ويقول بان
النخب السياسية جزء من الازمة ونحن جزء منها ونعترف بذلك وبعد 6 سنوات ثاروا على عبود وكانت مظاهرات اكتوبر وانحاز الجيش للشعب واجبر عبود على الاستقالة الذي غادر المشهد وخلفه سر الختم والصادق المهدي في الديمقراطية الثانية وفي خواتيمها كان انقلاب الشيوعيين في مايو والتي كانت نتاجاً لحل حزبهم ومايو في اولها كانت شيوعية حتى فترة هاشم العطا ثم غادر نميري الحكم بعد 16 عاماً بعد ثورة الشعب والعصيان المدني الذي اوقف كل شيء وانحازت القوات المسلحة ايضاً لـ الشعب ثم جاء سوار الذهب الذي لم يكن يرغب في السلطة ولكن بعد ضغوط وافق واستلم الحكم كمؤسسة ولو طبق الذين يحكمونا الان ذات المنهج لا اعتقد باننا كنا سندخل في ازمة وبعد فترة سوار الذهب عادت الاحزاب والانتخابات والصراعات.
ويرى شمو بان عملية الائتلافات السياسية اضرت بالبلاد مشيراً الى ان المطلوب الان ايقاف الدائرة الجهنمية بالحوار والتوافق ويجلس السودانيون مع بعضهم البعض لحلحلة مشاكلهم .
أزمة الدساتير
وبالمقابل فان خبراء سياسيين يعتقدون بان الازمة الابرز التي صاحبت البلاد منذ الاستقلال هي ازمة الدساتير وعدم وجود دستور دائم وذلك كنتيجة حتمية لعدم التوافق السياسي وحالة التشاكس التي ضربت اوصال النخب التي ظلت تسعى باستمرار للسلطة بغرض تحقيق مصالح شخصية بعيدة عن اعلاء القيمة الوطنية وتغليب الاجندة الحزبية على الرؤى الوطنية الجامعة .
ويشير الخبراء الى ان الازمة المستفحلة اليوم هي ترحيل لـ المشاكل وانانية النخب التي كانت السمة الابرز بكل حقب الحكم منذ نيل البلاد لاستقلالها واضافوا بان القوى السياسية لعبت ادواراً سالبة غاب عنها الضمير الوطني وحضر الولاء الحزبي لتضيع البلاد في اتون الرغبات الذاتية لـ مثقفي ونخب الاحزاب .

1669117478_300_العدل-والمساواة-لسنا-طرفا-في-الحوار-السري-والجهري-بين-المكون.webp بعد 67 عاماً من الاستقلال الدائرة الجهنمية للحكم.. متى ستنتهي ؟





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى