أخبار السودان

بعد كليته.. الفقر يدفع عسكريا لبنانيا لعرض ابنه للبيع


“أنا الرقيب أول في قوى الأمن الداخلي محمود العيتاوي أعرض بيع ابني الوحيد بعد عرضي بيع كليتي.. دولتنا جوعت أولادنا وحرمت أهلنا الطبابة والأدوية وكل شيء، طفح الكيل”.. كلمات نشرها محمود عبر صفحته على “فيسبوك” عبّر من خلالها عن الوضع المزري الذي وصل إليه وزملاؤه في السلك العسكري.

دفعت الضائقة المالية محمود إلى حد عرض فلذة كبده للبيع، ليعود بعدها ويحذف المنشور، بعدما ضجت مواقع التواصل الاجتماعي به.

وكما يقول لموقع “الحرة” “اختنقت من العوز وقلة الحيلة، وعدم القدرة على علاج والدتي المريضة بالسرطان، فكان ما كتبته وسيلة للتعبير عن ظروفي الصعبة، ورسالة إلى المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي والدولة اللبنانية من رأس هرمها إلى كل الوزراء والنواب فيها لكي ينظروا في حال أبناء المؤسسة الأمنية”.

لم يكن في نية محمود بيع ابنه، وحتى كليته، التي عرضها للبيع رفض أن يقبض ثمنها من شخص اتصل به لشرائها من أجل زراعتها لوالده المريض، حيث كان جوابه أنه مستعد أن يهبها له، لكنه لا يتاجر بأعضائه فكيف بابنه، ويقول “لا أتخلى عن وحيدي بكنوز الدنيا، فأنا مستعد أن أهبه روحي، وما كتبته كان من باب الضغط على مديرية قوى الأمن لكي تنفذ وعدها بعلاج والدتي”.

ويشهد لبنان أزمة اقتصادية حادة منذ صيف2019 ، صنفها البنك الدولي بين الأسوأ في العالم منذ عام 1850، إذ فقدت الليرة اللبنانية ما يزيد عن الـ 90 في المئة من قيمتها مقابل الدولار الأميركي، الأمر الذي أدى إلى اتساع رقعة الفقر.

وبحسب المقرر الخاص المعني بمسألة الفقر المدقع وحقوق الإنسان في الأمم المتحدة أوليفييه دي شوتر حول لبنان، “يجد تسعة من كل عشرة أشخاص صعوبة في الحصول على دخل، وما يزيد على ستة أشخاص من كل عشرة سيغادرون البلد لو استطاعوا إلى ذلك سبيلاً”.

ولم ينف المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان معاناة العناصر الأمنية، حيث أشار الشهر الماضي إلى أنه “دخلنا عامنا الثالث من الأزمة التي باتت تستفحل أكثر فأكثر وعلى جميع المستويات”.

وتوجه إلى العناصر الأمنية بالقول “المؤسسة تعاني وأنتم تعانون وعائلاتكم تعاني معكم، في ظل تدنّي مداخيلكم تجاه أدنى متطلباتكم الحياتية والمعيشية، وغياب خدمات أساسية من الحقوق المكرسة لكم ولعائلاتكم في القوانين لدى انخراطكم في قوى الأمن الداخلي، أهمها الطبابة والاستشفاء ويليها منح التعليم لأبنائكم”.

وتأسف عثمان لعدم تنفيذ أي من الوعود وكذلك القرارات التي اتخذت في مجلس الوزراء من أجل تعزيز تمويل الطبابة والاستشفاء لغاية تاريخه، مؤكداً الاستمرار في سعيه لتصحيح أوضاع العناصر الأمنية وتحسينها.

ألم فاق التحمل

لم يتوقع محمود أن يعجز يوماً عن تأمين قوت عائلته وحاجياتها، لكن كما يقول “للأسف وصلت إلى مرحلة لا يمكنني شراء الطعام، باتت كل وجباتنا تختصر بالزعتر، وأحياناً كثيرة ننام ببطون خاوية، نسينا طعم اللحوم والدجاج، والخضراوات والفاكهة، أيام وأسابيع لا يمكنني تعبئة قاروة الغاز الفارغة، وما يحز في ق

لبي أكثر أن ابني كان يذهب إلى المدرسة من دون أن أتمكن من إعطائه ليرة واحدة”.

مع ارتفاع سعر صرف الدولار أصبح راتب محمود يعادل 60 دولارا، فكيف لهذا المبلغ الزهيد كما يشدد أن يكفي “لتسديد إيجار منزلي في طرابلس شمال لبنان، إضافة إلى بدل التنقل ومصروف العائلة والطبابة والأدوية وغيرها من الحاجيات، فحتى اشتراك مولد الكهرباء انحرمنا منه، كون الفاتورة الشهرية تتجاوز قيمة

راتبي، حكم علينا أن نعيش في الظلام، أن ندفن ونحن على قيد الحياة”.

كل شيء ممكن احتماله إلا أن يصل الأمر، كما يشدد محمود، إلى علاج والدته، إذ هنا لم يعد بإمكانه الاستمرار بالسكوت، “كيف لي أن أراها تتألم وحياتها تتعرض للخطر لعدم تأمين الأدوية لها، عندها اتخذت أول خطوة كي أوصل صرختي إلى مديرية قوى الأمن، كتبت منشوراً على فيسبوك عرضت فيه بيع كلوتي كي أتمكن من علاجها”.

وأكد: “منذ إصابة والدتي بالسرطان قبل 4 سنوات لم تقصر مؤسستي في تأمين أدويتها، لكن قبل سنة بدأ الوضع يتغير، إلى أن عجزت صيدليات قوى الأمن عن تأمين حبة دواء واحدة لها على مدى سبعة أشهر، مع العل

م أن قيمة علاجها حوالي 8 ملايين ليرة، عدا عن تكلفة الصور والفحوصات الطبية، وفوق هذا ترفض مستشفيات كثيرة استقبالنا ومن يقبل منها يفرض علينا دفع فروقات بالفريش دولار”.

منذ شهور نبهت نقابة أصحاب المستشفيات في لبنان، أن معظم المستشفيات باتت تتجنّب استقبال عناصر قوى الأمن الداخلي بسبب “عدم تسديد المستحقات المتوجبة عن علاجهم من جهة، وتدني التعرفات المعتمدة من قبل المديرية من جهة ثانية”.

وحذرت النقابة في بيان من “خطورة هذا الوضع إذ كيف يمكن الطلب من رجال الأمن المحافظة على الأمن والقيام بواجبهم، في حين أن أمنهم الصحي غير مضمون؟

ورأت أن “هذا الأمر سوف يؤدي حتماً إلى تشنجات ومشاكل لا تحمد عقباها”، كما ناشدت كل من رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء، ووزير الداخلية “العمل فوراً لإيجاد الأموال اللازمة لتأمين الطبابة لإفراد قوى الأمن الداخلي”.

انتظار الفرج

ورغم الظروف الصعبة التي يعيشها عناصر قوى الأمن، يمنع عليهم العمل خارج مؤسستهم كما ترفض طلبات تسريحهم ويمنع عليهم السفر بعد وقف منحهم مأذونيات خوفاً من بقائهم خارج البلاد، كل ذلك دفع بعدد منهم إلى الفرار، وهو ما أكده وزير الداخلية اللبناني، بسام مولوي، نهاية العام الماضي، حيث أعلن حينها أن العدد بلغ 243 عنصراً و4 ضباط، بل وصل الأمر ببعضهم إلى حد الاقدام على الانتحار.

بعد منشور بيع كليته، تلقى محمود كما يقول وعداً من مديرية قوى الأمن بمتابعة قضيته ومنحه سلفة مالية وتأمين علاج والدته، وكذلك أدويته فهو الآخر مصاب بداء السكر والأعصاب وانسداد في الرئة، “لكن حتى الساعة لم أسمع سوى وعوداً من دون أي خطوة جدية، على عكس احدى الجمعيات التي سارعت بارسال الأدوية التي تحتاجها والدتي، لأصدم بعدها باتصال من جمعية سبق أن أبلغتني بأنها ستقف إلى جانبي، بتراجعها عن ذلك”.

ويضيف: “16 سنة وأنا أخدم وطني، كما بقية زملائي في السلك، لكن كيف لنا أن نستمر بعد أن نهشنا الفقر، الديون أثقلت كاهلي، ولم يعد هناك من ألجأ إليه لأطلب منه إقراضي ولو مبلغاً بسيطاً لتسيير أموري”.

الوضع المأساوي في لبنان وصل إلى درجة أن أكثر”60 في المئة من الأسر تضطر الى شراء الطعام عبر مراكمة الفواتير غير المدفوعة أو من خلال الاقتراض والاستدانة، و30 في المئة من أطفال لبنان ينامون ببطون خاوية، لعدم حصولهم على عدد كاف من وجبات الطعام، في حين لا تملك 77% من الأسر ما يكفي من غذاء أو مال لشراء الغذاء” بحسب ما أكده تقرير لـ”اليونيسف”.

وكانت الأمم المتحدة حملت الدولة اللبنانية، بما في ذلك مصرفها المركزي المسؤولية “عن انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك الإفقار غير الضروري للسكان، الذي نتج عن هذه الأزمة التي هي من صنع الإنسان”.

صرخة الرقيب أول في قوى الأمن الداخلي ليست من أجل أن ينال تعاطف المواطنين وتقديم المساعدة له، وإن كان يشكر كل الذين تواصلوا معه وأبدوا اهتماماً بقضيته، وكما يقول “هدفي أن يعي المسؤولين وجعنا” مشدداً “نحن لا نحتاج إلى مساعدة مادية تضاف إلى راتبنا لا تغني ولا تسمن من جوع، بل إلى زيادة رواتبنا بما يؤمن معيشة كريمة لنا ولعائلاتنا، إضافة إلى الطبابة والاستشفاء وبدل أقساط مدارس أولادنا”.

الحرة





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى