المقالات

بخاري بشير يكتب: السودان.. النموذج المفقود !


 

خارج الإطار

[email protected]

 

تعيش الساحة السياسية في الخرطوم حالة من (الاحتقان) لم تشهده من قبل؛ وصلت فيها الخصومة السياسية لدرجة (الغليان)؛ بسبب الشد والجذب المستمر بين مكونات الساحة؛ التي انقسمت لفسطاطين متشاكسين؛ ولم تفلح جهود (المسهلين الدوليين)؛ ولا (أجاويد الأصدقاء) في تخفيف هذا التوتر الماثل؛ أو وقف استمرار الرهان بين (الاخوة الأعداء).

الخاسر الوحيد في هذا الأمر هو المواطن السوداني؛ والوطن.. ومن عجبي أن الاحتقان السياسي الكبير الذي نعيشه الآن؛ جاء متزامناً مع أحداث قبلية مؤلمة في بعض الولايات التي ما زالت دماؤها رطبة مثل دارفور؛ أو توتر الشرق في البحر الأحمر وكسلا؛ وما تشهده القضارف من أحداث وتوترات على الشريط الحدودي مع الجارة إثيوبيا.

من الأمثلة المغايرة للمشهد السوداني (المأساوي) ما نشهده في ولاية جنوب كردفان التي شهدت خلال الفترة الماضية خلافات جهوية ومناطقية؛ كادت أن تعصف بها؛ لولا جهود مقدرة للوالي موسى جبر الذي تمكن من اطفاء الحرائق بسياسة حكيمة؛ قادت لائتلاف مكونات الولاية.. ولولا التجربة القيادية التي ميزت جبر؛ لتفوقت الولاية على بقية الولايات في الخلاف؛ لوجودها في مناطق حدودية مع دولة الجنوب؛ اضافة لجذور خلافاتها الجهوية العميقة ؛ ولاعتبار انها من مناطق الثقل في المعادلات الدولية؛ حيث ما زال الحلو يسعى لشق وحدتها؛ وضرب نسيجها.

ما يحمد لموسى جبر في قيادة هذه الولاية أنه أرسى أدب المصالحات؛ الذي غاب لفترة من الزمن؛ فاستطاع أن يقتل بذرة الفتنة في مهدها ونجح في طي ملفات النزاع في محليات كادوقلي الكبرى بتوقيع اتفاق صلح وقف العدائات.. ومعروف أن كادوقلي تعتبر النموذج الأكبر لبقية الولاية؛ وهذا يعكس بوضوح اهتمام جبر بتحقيق السلم المجتمعي الذي هو أساس أي تنمية.. وأصاب الوالي ضرباً من النجاح عندما جمع بين قبيلة البرنو؛ والعنينات- احدى بطون المسيرية الزرق؛ بعد أن كادت تعصف بهم أسنة الفتنة اثر نزاع بريفي الولاية الشرقي.

قدرة القيادة الرشيدة تبرز دائماً بتحقيق قدر من التكافؤ بين المكونات المختلفة؛ بالاضافة الى منح يد القانون القدرة للاحاطة بالخارجين عليها؛ الوالي نجح في زرع الانسجام بين المكونات المختلفة في ولاية عرفت تاريخياً بأنها مركز صراع وتنافس بين قبائلها؛ ما فعله جبر تسعى ولايات أخرى لتحقيقه بمساعدة المركز.

يعيش السودان فترته العصيبة هذه؛ وهو بين معولين من معاول الهدم؛ أولهما هو (الاصطفاف) السياسي و(الاستقطاب) الذي امتشق سيفه لاحداث الفتنة الكبرى؛ والثاني هو (الصراع القبلي) بوجهه القبيح الذي جعل بعض الولايات تسير على بساط الفتن.. ولن يستقيم حال السودان؛ وهو يمضي في اتجاه اذكاء هذه الخلافات سوى كانت سياسية أو مناطقية.

نحن بحاجة لابناء السودان المخلصين والحكماء الذين يهمهم افشاء السلام المجتمعي؛ لتثور (روح التنافس) بينهم فيما يفيد البلاد ويوحدها؛ وليس فيما يحيل نهارها الى ليل من الفوضى والتشرذم والانقسام؛ وما أحوجنا اليوم للاستماع لصوت العقل بدلاً من الاستماع لصوت الرصاص.. نموذج ج. كرفان نحتاجه في بقية الولايات؛ ونحتاج لأعظم منه في الخرطوم؛ حيث مركز (انسداد الافق).

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف بخاري بشير يكتب: السودان.. النموذج المفقود !





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى