المقالات

انفراج سياسي ولكن!


نعم صحيح، كادت الأمور أن تنزلق عدة مرات، لكن الأرجح هو أن الساحة السودانية ستشهد انفراجا سياسيا وشيكا مع بقاء التحديات الاقتصادية تحتاج الى حلول مؤسسة على رؤية وتجربة وليس طرق “مختصرة سياسية” يتوهم البعض انها ستحقق اصلاح اقتصادي حقيقي بواسطة “دعم مالي عاجل”.

أيضا الانفراج لا يعني الاجماع، لن تدخل قوى التغيير الجذري والجزء الأكبر من لجان المقاومة في الاتفاق، ولن ينتظرهم أحد وهذا طبيعي جدا، كل التجارب التي يتحدث عنها الناس من “التسويات” و “الحقيقة والمصالحة” و “العدالة الانتقالية”، تمت بوجود معارضة لها، منذ تجارب امريكا اللاتينية في السبعينات الى تجارب افريقيا في التسعينات هنالك من كان يرفضها وتجاوزته المرحلة، إذ لو انتظر المتصالحون الاجماع لما حققوها البتة.
السؤال، لماذا الانفراج؟ الجواب ليس بالاشواق والتمنيات إنما بسبب التنازلات الحقيقية التي توفرت من جميع الأطراف.
أولا: الأطراف الخارجية، ومهما تأسف السودانيون وتباكوا (من أي طرف ومكون) حول التدخل الخارجي، فإنهم كلهم متواصلون مع الخارج بغرض تحسين موقفهم الداخلي، الذي يعنيني هنا، كل الأطراف الخارجية تنازلت (ليس عن التدخل) ولكن عن الانفراد بتشكيل الملعب، ورضيت بالاقتسام بينها، ومن الظواهر (الايجابية-السلبية) لقاء سفراء اجانب ومبعوثين مع بعضهم لمناقشة الشأن السوداني وكأنها أعضاء مجلس ادارة الشركة، وايضا طوافهم في السودان لتسويق مشاريعهم مع رافضيها، ولايقاف الصراع بين عملاءهم بالداخل.
هي حالة مريرة، ولكنها -رغم بؤسها- كشفت أن الاقطاب الخارجية فاشلة في الانفراد و”التكويش” وتنتظر التسوية بعد طول عناء كابدته من الداخل السوداني.
ثانيا: تنازلت قحت – المركزي بوضوح وعلانية عن مبدأ (كل من كان مع النظام السابق فقط سقط معه) وبذلك انتهت اسطورتها في حقها المطلق في تصنيف قوى الثورة والفلول، هم الان يتفاخرون بتوقيع المؤتمر الشعبي وهو جزء من النظام السابق في تأسيسه وفي سقوطه، وقادته محبوسون في محكمة انقلاب الانقاذ مع البشير، وتتفاخر قحت بالاتحادي الأصل وهو جزء من حكومة البشير، وانصار السنة كذلك، والحبل على الجرار، أيضا تنازل قحت عن أمور أخرى قيد التفاوض.
قحت هي الاكثر تنازلا، ليس لانها الاضعف، لكن لانها كانت الاكثر من غيرها في رفع الشعارات المستحيلة.
ثالثا: تنازل المكون العسكري عن إفتراض أن الحل في تطبيق الصيغ الانتقالية السابقة، وهي المجلس العسكري للسيادة، والتكنوقراط للوزراء، لا يمانع المكون العسكري حاليا برئاسة انتقالية تشريفية خارج العسكري، وانحصرت خطوطه الحمراء ضد سلطات المدنيين على الجيش ولا يدعي سلطات للجيش على أي مستوى مدني ولو كان سيادي.
أن يتم تنفيذ هذا الأمر الآن أو غدا، يعتمد على الأطراف الاخرى.
رابعا: تنازلت الدول الغربية كل على حدة من اي توجه لايقاف التعاون الى حين استلام المدنيين (الذين يريدون) للسلطة. عمليا هم الآن يتعاملون مع سلطة الامر الواقع باعتبارها سلطة شرعية كاملة في تمثيل السودان في المحافل الدولية وفي اعتماد تمثيلهم بالداخل، نعم صحيح هنالك تعليق لمسارات اقتصادية بعينها، لكن بالمقابل هنالك تجميد واضح لاي توجه بالعقوبات.
خامسا: هنالك تنازل عملي من المؤتمر الوطني عن شرعيته، بالرغم من انه يسعى لاستردادها بدعوى قضائية إلا أنه يعتبرها مجرد خط تأمين وليست هدفا في طريق عودة للحكم، طالما العبارة المفتاحية لابرام الوفاق الوطني هي (إلا المؤتمر الوطني) فليحدث الوفاق بها لانه يلغي احتمال تكرار عهد التمكين.

بناء على ما تقدم، الآن، البرهان محاط بتنازلات من جميع الأطراف، مع الاتفاق على استمراره مع الجيش في قيادة المرحلة بوصف (الاشراف) عند بعضهم، وبوصف (التسليم والتسلم) عند آخرين.
عمليا، هنالك حد أدنى وافق عليه الجميع ويمكن تأسيس المرحلة عليه، بالخطوات الاجرائية الاحتفالية المعروفة وهي توقيع واحتفال واعتماد محلي ودولي، اذا كان هذا ممكنا.
أو بإعلانه من طرف البرهان عبر مشاورات غير رسمية، باعتبارها حكومة تصريف أعباء ريثما يكتمل التوافق وهي في الحقيقة لرفع الحرج عن المتوافقين من الموافقة عن وثيقة تنازلات هم أصلا قدموها.
بعد الاعلان، يكون التوقيع الفردي بالموافقة يقوم تأييد الحكومة المكونة علنا، مع التعامل معها بتحفظات شكلية ودعائية، تشكل مادة لملأ الصحف وحشو المواقع الالكترونية.

باختصار لدينا رئيس أمر واقع، ووفاق أمر واقع، وتنازلات تكدست على الطاولة، سيفضي هذا الوضع إلى حكومة أمر واقع يتم تقنينها بخطوة أو خطوتين أو ثلاثة.
ويتم ترحيل الاحتفال الشكلي الاجرائي، أو الغاءه.
السؤال، ما هي الضمانات اذا أقدم البرهان على هذه الخطوة؟! لا يوجد ضمان مكتوب، لكن احتياج جميع الأطراف لهذه الخطوة، مع حسن الاختيار فيها، يشكل ضمانة عملية.
وهي أصلا ليست إعلان حكومة كاملة لقطع الطريق على الاتفاق، هي خطوة نحو الاتفاق وتتغير الحكومة أو يبنى عليها بعد اكتمال الاتفاق.

بعد-ارتفاع-معدلات-الانتشار-الإدمان-في-السودان-…شباب-على-حافة انفراج سياسي ولكن!



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى