أخبار السودان

 الميرغني .. تحذيرات في أكثر من اتجاه..!


تقرير: محمد عبد الحميد

بعد غياب دام لسنوات طويلة، ظهر )فيديو( مسجل بثته عددٌ من القنوات التلفزيونية وصفحات الأسافير، يحوي خطاباً مهماً لزعيم الحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل السيد محمد عثمان الميرغني مرشد الطريقة الختمية موجهاً للسودانيين، كما حوى الخطاب رسائل وإشاراتٍ مستقبلية للقوى السياسية والمكون العسكري بشأن الإتفاقيات الثنائية، كل ذلك، بمناسبة الذكرى الرابعة والثلاثين لإبرام الحزب الإتحادي اتفاقاً وصف بالتاريخي مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في السادس عشر من نوفمبر 1988م، غُرف بإتفاقية السلام السودانية (الميرغني – قرنق).

قوانين سبتمبر

إتفاقية (الميرغني – قرنق) التي أجهضتها الجبهة الإسلامية القومية بالإتفاق مع حزب الأمة القومي برئاسة الراحل الصادق المهدي من داخل البرلمان في يناير 1989م، كان من أبرز بنودها بحسب بيانها الختامي الذي أعقبه التوقيع بين رئيس الحزب الإتحادي الديمقراطي السيد محمد عثمان الميرغني مرشد الطريقة الختمية، ورئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان المعروفة إختصاراً بـ(SPLA) العقيد د. جون قرنق قائد الجيش الشعبي، تجميد نصوص الحدود بقوانين (الشريعة الإسلامية) المعروفة باسم قوانين سبتمر 1983م، وكافة القوانين ذات الصلة والمضمنة داخل قوانين سبتمبر، فيما أشار الإتفاق الموقع بين الطرفين لعدم إصدار أي قوانين تحتوي على مثل تلك المواد، لحين قيام المؤتمر الدستوري القومي الذي يفصل في مسألة القوانين.

كما ذكر بيان الإتفاق النهائي، إلغاء كل الإتفاقيات العسكرية المبرمة بين السودان والدول الأخرى، والتي تؤثر على السيادة الوطنية، ورفع حالة الطوارئ، ووقف إطلاق النار. فيما دعا الإتفاق لتشكيل لجنة قومية وطنية تعمل على الإعداد لقيام المؤتمر الدستوري القومي وتحديد أعماله وإجراءاته ومكان إنعقاده، مع التأكيد على ضرورة أن يكون إنعقاد المؤتمر الدستوري في ديسمبر من عام 1988م. في وقت ناشد فيه الفريق المتقاعد يوسف أحمد يوسف الذي تلى نصوص البيان النهائي، كل القوى السياسية السودانية للإنضمام لما وصفه بالجهد الوطني المُخلص.

إشارات

أرسل زعيم الحزب الإتحادي الأصل السيد محمد عثمان الميرغني مرشد الختمية، وفي خطابٍ له بمناسبة الذكرى الرابعة والثلاثين لإتفاقية (الميرغني – قرنق) ، إشاراتٍ محذرة من الاستعجال في إملاء الحلول قبل وقتها والسير في ما وصفها بالإتجاهات الخاطئة التي قد تجلب مفسدةً وضرراً كبيرين، وتؤدي بذلك لتعقيد المشكل السوداني والذهاب في خطوات تقود للإتجاه الخاطئ وتجريب المجرب. وذكر الجميع في الخطاب بأن الإتفاقيات السابقة التي وقعت بدعم المجتمع الدولي وتضمنت شراكات ثنائية إنتهت بالتفريق في وحدة السودان تراباً وشعباً. أشار كذلك، إلى الدعوات الإنفصالية التي تنادي بها أجزاء عزيزة من الوطن، نتيجةً لخيارات من الممكن تجنبها، تسبب فيها سوء التدبير والإدارة وعدم إتخاذ إجراءات تساعد في إيجاد حلول للأزمة.

وأكدت قوى الحرية والتغيير، الأربعاء، وجود فرصة لإتفاق إطاري مع الجيش، مشيرةً إلى انطلاق مرحلة ثانية من المحادثات ستتناول العدالة الإنتقالية في البلاد، في وقت نفت فيه مصادر عسكرية سودانية لـ (العربية-الحدث)، وجود اتفاق مع الحرية والتغيير، إنما تفاهمات وهناك قضايا عالقة. إجتماع التحالف أجاز خطة عمله لإنجاز اتفاق إطاري حول القضايا المتفق حولها في مشروع الدستور الانتقالي، بينما أشارت مصادر (الحدث)، إلى أن التحالف قرر إرجاء القضايا العالقة لمزيد من التشاور للإتفاق عليها مع أصحاب المصلحة على أن يوقع الإتفاق النهائي عقب استكمال المشاورات.

المجتمع الدولي

وما وراء الجزئية الأولى في خطاب الميرغني، يرى المحلل السياسي والخبير العسكري د. عبد الحميد مرحوم، أن الميرغني، ألمح إلى أن الإتفاقية الثنائية التي وُقعت من قبل وكمثال بين المجلس المركزي والمكون العسكري انتهت بإجراءات 25 أكتوبر 2021م، وتلك التي تم توقيعها بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، أدت لفصل جنوب السودان، ما يعني فشل الثنائيات تماماً. ولفت إلى وجود عدد من المبادرات في الساحة السياسية تتشابه في عدد من النقاط وتختلف جوهرياً في أخرى، ومعظمها من جهات غير ذات وزن سياسي أو إجتماعي، ومظهرها إعلاميٌ أكثر من تأثيرها على الواقع السياسي.

وأكد مرحوم، ضرورة التركيز على المبادرات ذات الثقل السياسي أو الإجتماعي، لعدم تشتيت الجهود وخلق ربكة في المشهد السياسي. ونبّه إلى أن الدور الدولي و(الإقليمي)، قد يدعم الاتجاه الخاطئ لتحقيق مصالحه التي يرعاها أولاً، ثم من بعد ذلك يرى كيف يحقق السودان مصالحه. لذلك تفشل الاتفاقيات الثنائية لأن الخارج وعبر تكييف الحل للمشكلة السودانية بما يتوافق مع مصالحه يدعم جهات بظنه أنها القادرة على تحقيق مصالحه، ويهمل جهاتٍ أُخرى. وبالتالي، يكون الدعم الدولي منحازاً لمصالحه، فيما على السودانيين أن يكونوا واعين لحل مشكلاتهم بأنفسهم لأن الحل الخارجي جزئي وليس كلي ويفشل لوجود إقصاء لجهات أُخرى.

التوجه الانفصالي

وفي غضون ذلك، قال المحلل السياسي مرحوم، حول حديث رئيس الحزب الإتحادي بشأن الدعوات الإنفصالية، إن التوجه الإنفصالي هو قمة الهرم المطلبي لرفع السقف لإجبار الجهات المعنية بالسعي لإزالة المظالم بصورة جدية، وهي إنعكاس لعدم المصداقية بحل المشكلات التي تعاني منها الأقاليم لسوء الإدارة، والفشل من قبل المسؤولين بالدولة والجهاز التنفيذي في حل المشكلات.

جدد الميرغني وفي خطابه الأخير، رفضه الإملاءات الأجنبية، داعياً الجميع للتعاون بما يجمع الكلمة، فيما خصّ الوسطاء الدوليين بالدعوة للمساهمة في دعم الحوار السوداني – سوداني. كما تضامن مع أسر الشهداء والمفقودين والمصابين وحقوقهم العادلة، مطالباً بكفالة حق التظاهر السلمي، وتشكيل مفوضية للسلم المجتمعي.

يؤكد د. عبد الحميد، أنّ رفض الإملاءات والتدخل الأجنبي خط أساسي في تفكير السيد محمد عثمان السياسي الرافض لحلول الخارج، وأن على الوسطاء النظر لما يفيد مصلحة السودان بعيداً عن تقديم مصالحهم الذاتية. فيما أوضح أن حديثه عن أسر الشهداء تعاطف مهم ويظهر الدعم المعنوي، وإشارة واضحة لبطء تحقيق العدالة للضحايا، كما يدعو لتسريع الإجراءات لتحقيق العدالة في هذا الشأن. في حين، ذكر سبب دعوته لقيام مفوضية للسلم المجتمعي، لظهور الاحتراب القبلي ببعض الأقاليم، ولتساعد في ملء فراغ الجهات الرسمية بالتقليل من حدة النزاعات والاقتتال.

حسم المتفلتين

قال الميرغني في خطابه، إنه اطلع على تقارير الوضع بالحزب من نائب الرئيس السيد جعفر الصادق، فيما تم تكليفه بمواصلة العمل وحسم كافة المتفلتين داخل مؤسسات الحزب المختلفة، مع كامل دعمه للقوات المسلحة ورفضه الإساءة إليها لأنها الضامن لوحدة واستقرار السودان.

وهنا يشير الخبير العسكري مرحوم، إلى أنّ قرارات تصحيح المسار أعادت التأكيد على تعيين السيد جعفر الصادق نائباً لرئيس الحزب، وفي هذا حسم للجدل الدائر حول من هو نائب الرئيس، وتأكيد مواصلة العمل بالصفة التنظيمية لنائب الرئيس وبالتالي تمتعه بصلاحيات تجميد العضوية والتحقيق والفصل حسب دستور الحزب، مشيراً إلى أن موقف السيد محمد عثمان ثابت حول القوات المسلحة باعتبارها قوات وطنية تتعرض لدعوات التفكيك والإصلاح وإعادة الهيكلة، لافتاً أن الخطاب شمل أشياء كثيرة تؤثر على الاستقرار، وهذا يدعو لتقوية الموقف الوطني ضد التدخلات الخارجية والدولية.

 وحول نيته العودة إلى أرض الوطن، قال عبد الحميد مرحوم، إن السيد محمد عثمان هو آخر السياسيين العظماء في التاريخ السوداني الحديث. ويتمتع بمصداقية عالية في الداخل والخارج بسبب مواقفه الوطنية القوية التي ظلت تقدم مصالح السودان على المصالح الحزبية الضيقة في كل ما جرى من أحداث.



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى